رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

حوارات لم تنشر من قبل لصاحب «قنديل أم هاشم» «4»

كشف ثقافي.. يحيى حقى: الوظيفة الحكومية مهمة فى حياة الأديب لأكل العيش

يحيى حقى
يحيى حقى

 

إذا أردت أن ترتب أدباءنا من الجانب الإنسانى، أو على الأقل الذين عرفتهم واقتربت منهم، فيمكننى أن أقول لك بكل يقين واطمئنان إن أديبنا الكبير يحيى حقى هو على رأس القائمة، يؤيدنى فى ذلك إحسان عبدالقدوس الذى قال للسيدة نهى حقى إنه يتصور أن أباها قبل أن يفتح درج مكتبه يستأذنه «ممكن أفتحك؟!»، وهو ما يشى بأن رهافة حس يحيى حقى كانت معروفة بين أقرانه، حتى وهو فى سكرات الموت، حينما كان يفيق يسأل ابنته: «هل تحدثت دون أن أدرى بما يسىء لأحد؟»، فكانت تطمئنه. وعكس كثيرين من الأدباء لم يكن يحيى حقى يهمل رسائل قرائه، فكان يطلبنى لزيارته، فأجده قد جمع لى الرسائل التى وصلته، ويطلب منى قراءتها له، ويتولى هو إملائى رده عليها، وكان بعض أصحاب الرسائل يطلبون إهداءهم كتبه، فأعطانى عشرين جنيهًا مصاريف البريد «كانت العشرون جنيهًا فى ثمانينيات القرن العشرين مبلغًا له شأن.. لذا لزم التنويه»، وتمنى يحيى حقى لو كان بقدرته لأهدى كل مؤلفاته لمن يطلبها، وبعد وفاته بقيت بضعة جنيهات أردت إعطاءها لوريثته، فاندهشت نهى يحيى حقى، وطلبت أن أخرجها صدقة على روح أبيها، وقد أتاحت لى تلك الزيارات الودية فرصة كبيرة لأن أتحدث مع يحيى حقى فى أمور كثيرة، كنت أسجلها معه أولًا بأول، حتى تجمعت لى مجموعة من الحوارات التى لم تنشر، وقد ملأت كشكولًا بلغت صفحاته المائة، وكان ثمن الكشكول خمسة وتسعين قرشًا، فى ذلك الزمن الذى يبعد عنا حوالى أربعين سنة، وقد وجدتها فرصة لأستعيد ذكرياتى مع أديبنا الكبير، وأنشر على صفحات «الدستور» ما قاله لى بنصه وحرفه ولغته البسيطة بساطة شخصيته، تحية لذكراه، بمناسبة اختياره شخصية معرض القاهرة الدولى للكتاب لهذا العام ٢٠٢٢.

سألت يحيى حقى عن سبب قسوته على أمير الشعراء أحمد شوقى فى وصفه للطائرة كاختراع جديد فى زمنه، فقال لى بلا تحفظ: وصفه سخيف جدًا للطائرة التى شبهها بالطيور والحيوانات، وشبهته بالجبرتى لما وقف أمام العجلة ما عرفش يقول، يا تقول كلام معقول يا ما تقولش كلام هجص كده، وده دليل على أن المفاجأة كانت جامدة جدًا، وعلى كل حال أنا عايزك لما تقرأ حاجات زى كده أن تسأل نفسك: لو أردت أن أعبر عن المعنى اللفظى كنت أقول إيه؟

■ ليه حضرتك زهقت من سيرة اليابان؟

- فقال: ما خلاص عرفنا، صحيح لا عندهم موارد وتقدموا، وكل مجلس وأى راديو أو تليفزيون يقولك اليابان، كل حاجة اليابان، بايخة، عرفنا، حفظنا، نشتغل بقى، هى المسألة عويصة؟ أنت قلتها لى مرة، كل يوم هتقولها لى.

■ بعد نكسة ٦٧ كتبت قائلًا: «من نحن وإلى أين.. دلونى على السبيل» هل ما زلت تقول هذا الكلام اليوم؟

- أجابنى يحيى حقى: من الأشياء المحزنة لأى شعب من الشعوب أن يتبادر إلى ذهنه هذا السؤال، لأن المفروض فى الحركة الأدبية والعلمية تكون وصلت يا شعب إلى نوع من الاستقرار، وعارف أنت مين ورايح فين، وما دمت تسأل نفسك هذا السؤال، فهذا فى حد ذاته مظهر من مظاهر التخلف، دليل على أنك لم تنضج، ولسه حائر، ومين اللى أوقعك فى الحيرة، فى غياب من كان ينبغى أن يوجهوك.

الحقيقة يهمنى التقدم العلمى ونحن فى هذا المجال فى منتهى الحيرة، ما نعرفش هنعمل إيه، المسائل ماشية كده بدون ضابط، وكمان الشعب المصرى واقع فى مشكلة صغيرة قوى، إنه تكون من حضارات مختلفة، طبعًا الحضارة اليونانية الرومانية، لكن الحضارة الفرعونية والحضارة العربية الخطين دول نربطهم مع بعض، ولازم نربطهم مع بعض، ناقص نضيف لهم العلم.

■ قلت إن صد العدوان الإسرائيلى هو دفاع عن الحضارة، فهل هذا رأيك بعد السلام مع إسرائيل؟

- مائة فى المائة، وأنا بقول إن بعض الشعوب تصاب بالجنون، وأمامنا فى التاريخ أمثلة، أيام هتلر، ألمانيا فوق الجميع، أغرب من كده لما تقرأ الأدب الروسى، خصوصًا ديستويفسكى، تتصور إن روسيا مكلفة من ربنا بهداية البشر، وجاءت الشيوعية لتحمل هذه الرسالة، ومشيت تحت تأثير القيصرية، وهى أن روسيا المحبوسة داخل حدودها تختنق، لازم لها دعوة عالمية، كانت الدعوة الأولى لى تخليص الروح حسب النظرية المسيحية، ثم جاءت الدعوة البلشفية اللى هى ثورة الطبقة العاملة العالمية، فهذا نوع من الجنون، وأكثر شعب مصاب بالجنون هو الشعب اليهودى، الإحساس بالعظمة، شعب الله المختار، هذا ما عليه، أما ما له فهو يعنى الحقيقة أنا باحترم الشعب اليهودى احترام شديد جدًا، لأنى أرى شعبًا أبدى صلابة إلى درجة أنه لا يمكن أن يكسر فى الشتات، قرر اليهود إنهم يعيشوا فى كل بيت يهودى، الأب لابس طاقية ويعلم أولاده عبرى، ويقول لهم إنتم يهود قبل أن تكونوا من مواطنى هذا البلد، وفى الأعياد يقولون العام القادم فى القدس، وأمكنهم إنشاء هذه الدولة وإحياء اللغة العبرية، وأصبحت لهم دولة حديثة، والزعم بأنها دولة ديمقراطية أيضًا، لكنهم فى الحقيقة مصابين بالجنون، خصوصًا إن كل الأديان تسمح بدخولك بسهولة، إلا اليهودية تشترط إن أمك يهودية، فشعب غير متماشى مع روح العصر.

■ تكلمت عن الحمامات، فهل كان ذلك عن تجربة؟

- عن تجربة، كان عندنا فى حى الصليبة حمام مدكور، ودخلته أكثر من مرة، والعامل اللى لابس فوطة واقف على الباب من كثرة الحر اللى فيه.

يضيف يحيى حقى: من أغرب ما يمكن النظافة فى الدين الإسلامى، تصور فى بغداد فى وقت من الأوقات كان فيها ألف حمام، والقاهرة كانت غنية بالحمامات، ولما رحت روما ١٩٣٤ أبحث عن شقة، والشقق كثيرة جدًا، لم أجد فيها حمامًا، وحتى ذلك الوقت تصحى تلاقى كسرولة من الصينى وإبريق صينى علشان تغسل وشك، وحتى لما كنت عايش مع عيلة مسلمة فى إسطنبول لا يوجد عندهم حمام، وأوروبا وقتها لم تكن فيها حمامات، يعنى قصر فرساى لم يكن به حمام، كانوا وسخين، حتى التواليت مفيش، وفى الأرياف الفرنسية التواليت خارج البيت، الحقيقة اللى طلع سمعة الحمامات المنزلية همه الأمريكان أكثر من أى دولة أخرى.

■ تكلمت عن الشارع الضيق النازل من القلعة إلى السيدة زينب مارًا بالصليبة وبركة فرعون، وتمنيت أن تكتب سيرته، لماذا؟

- تقرأ الجبرتى وابن إياس تجد الثورات كلها تنزل من هذا الشارع، وابن خلدون كان يحاضر فى أحد جوامع هذا الشارع، وكذلك السيوطى، ولم أكتب عن هذا الشارع مثل آمال كثيرة لم أستطع أن أحققها، مثل أملى فى استكمال جزء آخر من كتابى «خليها على الله».

■ تحدثت عن القاهرة فى صباك.. هل كانت مبانيها أكثر حميمية من الآن؟

- الآن مبانيها غريبة جدًا، كأنها أب غير شرعى لساكنيها، كله مستورد، وتكلمت عما عاصرته من أشياء ما حدش يعرفها، مثل سوق العصر، وسوق الخيل، والمساومات والغش اللى بيحصل.

■ حضرتك اتكلمت عن الأدب الزائف؟

- أنا مهتم بحاجتين اتنين، الصدق واحترام القارئ، واستخدام أسلوب مفيهوش تزوير وتلاعب بالألفاظ.

■ قلت إن غربة الرفات أشق من غربة الأحياء، يعنى إيه؟

- كتبت عن ضرورة عودة رفات عبدالله النديم من تركيا، مقالة ما حدش اتكلم عنها، نقلوا رفات الأفغانى ومحمد فريد، المفروض يجيبوا لنا النديم.

■ قلت لصاحب القنديل: أليست كل الأرض سواء؟

- فقال لى: أنا أقصد الرمز هنا، وهذا من دعواتى الفاشلة، كالمناداة بدفن جمجمة سليمان الحلبى التى يحتفظون بها فى متحفهم بباريس، وكمناداتى بطباعة الحروف منفصلة، والمناداة بتشكيل حرف واحد فى الكلمة، دى دعوات أساسية ولم يلتفت إليها أحد، الناس فى غيبوبة.

■ هل شاركت فى المظاهرات أيام الاحتلال؟

- شاركت فى المظاهرات، لكن جريت وهربت بعد ما سمعت صوت الرصاص، ومشيت فى جنازة ابن القباقيبى، وطالبت بتمثال لصبى فى جلباب ماسك قبقاب، كما طالبت بتمثال آخر لعمال التراحيل الذين كتب عنهم يوسف إدريس فى «الحرام»، أنا شفتهم، الإنسان عبارة عن لحم بشرى يكوم فى كميونات، حاجة صعبة قوى يا إبراهيم، وكيف صبر هذا الشعب، لكن وجدت إن الدين ميسر له حياته، الفلاحين عندهم إيمان كبير إنهم هيدخلوا الجنة، وده كان بيصبرهم، لكن لما الشعوب تنفجر ما حدش يقدر يوقفها، وعلشان كده الساسة فاجأتهم ثورة ١٩ وركبوا موجتها، وخانوا وطنهم وثورتهم، والملك فؤاد كان لئيم جدًا، وكان يعمل بالمثل «اقعد على كرسيك أمام الترعة وستمر جثة عدوك أمامك»، أنا بنفسى شفت وصول الملك فؤاد إلى قصر عابدين خارج من قصر البستان فى باب اللوق، راكب عربية مكشوفة يجرها الخيل، وجنبه المعتمد البريطانى، وصفين من جنود الإنجليز لتحيتهم، ودخل فؤاد جوه قصره وكش، وقال سيبهم يخبطوا، ولم يكن فى الثورة كلام فى الأول على فؤاد، وأجلوا الكلام عنه حتى لا يقال إنها ثورة مثل عرابى ضد الحكم، لكن القضية موجودة فى ذهن الشعب، نعمل إيه فى أخينا ده، حتى حدث لقاء بين فؤاد وسعد زغلول الذى خاطبه بعظمة السلطان، رغم أنه لم يكن بحاجة إليه، لأن القضية بين الشعب وإنجلترا، صارت عرش وشعب وإنجلترا، والله أنا حسيت بطعن السكين فى قلبى لما لجأ سعد زغلول للملك وقال له يا عظمة السلطان، مع إن الشعب معاه، وهو لما رجع من أوروبا بعد فشل مؤتمر الصلح، ذهل ذهولًا شديدًا جدًا، لأنه وجد الشعب كله فى الشوارع يستقبله، لم يكن يتوقع كده، الشعب اعتبره رمزًا لثورته، رغم أن الثورة كانت قائمة، قائمة، وجد سعد أو لم يوجد!

■ حدثنا عن تجربتك فى الإبداع وموقفك من الجوائز؟

- لم أنتظر فى حياتى كلها أن أحصل على ثمرة جهدى وإبداعى، وإنما أكبر جوائزى هو شعورى بلذة الإبداع ولو لومضة أو ثانية، لذلك فإننى أوجه كلمة لا نصيحة، لأن الشباب لا يحبها وأنا لا أحبها، لذا أضع نفسى موضع شاب منكم، أتصور أنه مستمر بفكرة أن يكتب شيئًا من الأدب الإبداعى كالقصة أو الزجل أو الشعر أو الرواية، إلخ.. ثم إذا لم يجد عمله ينشر يصاب بشىء من الإحباط، فنجد أنفسنا وقعنا فى مشكلة، وهى أن تشل إرادتنا، لأننا نصمم على أن نحقق آمالنا على الفور، فأنا عشت فى مدينة منفلوط لمدة سنتين، طبعًا كانت لى وظيفة تشغلنى طوال الوقت، ولكن كنت بدأت أكتب شيئًا قليلًا كالقصة، وأمثال ذلك، ولكن أتأسف أسفًا شديدًا جدًا؛ لأن هذه «القصة» أخذتنى من تحقيق آمال كثيرة جدًا، وهى أن أدرس المنطقة التى أنا مقيم فيها، فأدباء الأقاليم عليهم مسئولية كبيرة جدًا، أنهم أولًا: يعرفوا المنطقة اللى هما عايشين فيها ويدرسوها من جميع النواحى، مثلًا الفلكلور، خصوصًا أنكم تلاحظون أنه على وشك أن ينمحى بسبب الإذاعة والتليفزيون، فعندكم أشياء كثيرة جدًا، مثل أغانى العمل، كأغانى الفلاحين زمان لما يحصدوا، والحواديت المحلية، يجب على الشباب أن يعرفها ويتتبعها ويكتبها ويدرسها، آدى باب كبير جدًا يستطيع الشباب أن يشغل نفسه به، وسينعكس عليه فى المستقبل حين يكتب قصة أو رواية، لأنها تثريه، يعنى وأنا فى منفلوط، كان الصعيد يتغنى ببنت اسمها ناعسة يظهر كانت لها قصة فى أسيوط، ليست بعيدة عنى، لذا أنا كنت مهتمًا جدًا بالأغانى الصعيدية وأجمعها، فكان عندى شوق كبير جدًا إنى أروح وأسأل عن ناعسة وأخبارها إيه، هذا الموضوع كان بالنسبة لى منجمًا لأطلع منه بأشياء جميلة جدًا عن دراسة الفلكلور. أنا عايز أزيل شعور الشباب بالإحباط، لأفتح له مجالات اهتمام أخرى، ستنشر القصة فيما بعد، لكن الآن ماذا أفعل، لذا يجب أن تكون عنده رغبة فى النضج، كذلك فيه باب العائلات القديمة وأسباب منشأها، واهتماماتها وعلاقات القربى بينها، يدرسها ويقدمها لنا، يعنى أنا دهشت جدًا وأنا فى منفلوط لما وجدت نقطة بغاء، زعلت جدًا وقعدت أسأل نفسى كيف دخل البغاء الصعيد، والخمر كيف دخلت، وكيف استمرت، وهل عولجت؟ قصدى إن الشباب يفتح عينه يمين وشمال ويحاول أن يدرس ما حوله- كنت واقفًا فى المحطة أنتظر أوتوبيس، والست قاعدة على الرصيف تكلم نفسها، أنصت لها، وسمعت حواديت كتيرة جدًا، أريد أن أقول لكل الشباب: نحن فى حاجة لدراسة كل منا لمناطق بلدنا، لأنه للأسف الشديد ليس عندنا دراسات محلية بهذا الشكل، وأقول لك يا عزيزى الشاب النتيجة العزيزة التى أضمن لك أن تتمتع بها هى لذة العمل، لذة الشعور بأنك حى متفتح، ومنتبه لما حولك، وأنك فى طريق مثل كلب صيد يجرى على الصيد حوله ويأخذه، لا أقول له اقرأ أولًا، ولكن أقول له أول شىء ينظر له هو نفسه، وقدراته على الانتباه لما حوله، حتى لما يخرج للشارع، لازم تكون عينه متلفتة يمينًا ويسارًا ويلاحظ عادات الناس فى مشيهم وقعادهم وحركتهم، وأن تكون له أيضًا القدرة على متابعة العواطف من حب وكراهية، وهل هو نفسه قادر على ضبط عواطفه، هل هذا الشعور يتنامى ثم يتحول إلى استلطاف وحب.. إلخ، كأننى أريد من كل شاب أن ينمو بعاطفته والوصول بها إلى النهايات القصوى، منتظرون منكم عمل حقيقى اجتماعى ثقافى للمنطقة التى تعيشون فيها، وهى روافده، كإثراء لشخصية الكاتب وقدرته على التعبير فى العمل الأدبى، لأن المحلية هى التى تجعل الأديب يتشابك مع خطوط الأدب الإنسانى، لهذا فإن الشعور بالعالمية يجب ألا يسيطر على الكاتب وهو يكتب، وأن تكون فكرته الوحيدة المسيطرة عليه أن ينتج ويجيد العمل، وألا يكون متعجلًا ويلهث ويجرى، عليه أن يعمل برواقة.

■ ما دور الوظيفة فى حياة الأديب؟

- هى وسيلة لأكل العيش، وده حال أكثر الأدباء من جيلى، إنما الحكومة كان لها نظرة ظريفة جدًا، كانت عندها هيئتين كانوا تكية للأدباء، دار الكتب ووزارة الأوقاف، دار الكتب كان فيها حافظ إبراهيم وأحمد رامى، استرزاق، والأوقاف كان فيها كثير من الأدباء، منهم المويلحى، اختفت هذه الظاهرة يا خسارة، المفروض أن تكون فيه تكية للأدباء مع شىء من الاحترام، لأنه يوم ما اتبرعت بمكتبتى لجامعة المنيا أشيع أننى بعتها من أجل أكل العيش، فأنا زعلت- أنا اتوظفت وأنا صغير قوى سنة ١٩٢٩ كان عمرى ٢٢ سنة.

حينما جاء ثروت عكاشة وزيرًا للثقافة ألغى مصلحة الفنون التى كنت رئيسها، رحت مستشارًا لدار الكتب، طلبنى وقال لى: أنا عينتك مدير إدارة التدريب- للموظفين- فاستقلت واكتفيت إنى بعيش على معاشى.

■ إلى أى حد يلعب النقد دوره فى بناء المبدع؟

- المبدع مبدع بذاته لا بالنقاد، فلا يوجد ناقد يصنع أديبًا، وفى رأيى أن مهمة النقد أن يلتحم الناقد بالعمل الذى يكتب عنه، ويقال إن الناقد حين يتحدث عن إنسان إنما يتحدث أيضًا عن نفسه، لأنه يعكس فى مقاله النقدى مزاجه الشخصى، فهو يعرى نفسه قبل أن يعرى الشخص الذى ينقده، لذلك حين كتبت مقالات فى النقد كنت أحب أن تكون مقالاتى غير جارحة، وأظن أن محمد مندور وصف بعض نقدى بأنه دبلوماسى.

■ هل ينقصنا الأدب الفكاهى؟

- آسف جدًا إن أدبنا يخلو أو يكاد يخلو من الفكاهة، ولست أطلب فقط أن تكون الرواية فكاهية، بل أن يبتدع الكاتب شخصية لا حادثة فكاهية، تدور حولها الأحداث مثل شخصية جحا، فأملى أن أدبنا الحديث يدخل فيه عنصر الفكاهة بأى صورة من الصور، سواء رواية فكاهية، أو باختراع شخصية فى ذاتها تكون فكاهية، أملى أن الأدب الفكاهى يعود إلينا فى الرواية والقصة والرسم والموسيقى أيضًا، وقد كانت أغلب ألحان سيد درويش التى تمثل طوائف الشعب، ما هى إلا صورة كاريكاتيرية لهذه الطوائف، وتعجبت من أنه رغم ما فيها من سخرية، إلا أن أحدًا من هذه الطوائف لم يحتج عليها، بل تقبلها قبولًا حسنًا وتغنى بها؛ لعلمه أن المؤلف بديع خيرى، وسيد درويش كانوا يقولوها بحب وليس نقدًا ساخرًا أو جارحًا.