رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«جسور مقاطعة ماديسون».. الحب الذى لا يحدث إلا مرة

قد تكون قرأت العديد من روايات الحب فى حياتك، لكن عندما تقرأ «جسور مقاطعة ماديسون»، للكاتب الأمريكى روبرت جيمس والر، بترجمة الكاتب محمد عبدالنبى، ستكتشف أنها المرة الأولى التى تمس الكتابة عن الحب قلبك.

فالرواية تشبه جذوة الإيمان فى قلبك، التى لا يراها أو يعرفها أحد، لكنك مدرك أنها موجودة.. تشعر بها عندما تتقد وتذوب وتعانى.. إنه هذا النوع من الحب الواعى الذى يتمثل فى السقوط من مكان عالٍ حتى تبلغ اللقاء، الحب الذى يكون سببًا للوجود فى الحياة، نهاية للبحث الطويل، الحب الذى تعرف معه معنى الاكتمال والإدراك، الذى تكون فيه سجينًا داخل الآخر بإرادتك، والذى يخرج منه كائن ثالث اسمه «نحن». 

تولد بعض الأغنيات عارية من زهر السوسن الليلكى، ومن غبار ألف طريق زراعى، وأغنيتنا هذه إحدى تلك الأغنيات.

من المصادفات الغريبة أننى شاهدت الفيلم الذى يحمل قصة الرواية قبل أن أقرأ الرواية بمدة قصيرة، أعجبنى الفيلم، وأداء بطلته «ميريل ستريب» بتعبيراتها البسيطة المدهشة، ورغم أنه على الطراز القديم البطىء إلى حد ما، لكنى أحببت القصة فتشجعت على قراءة الرواية.

تحدٍ كبير أن يستطيع كتاب أن يثبّتك وأنت تقرأ قصة تعرف نهايتها بالفعل، لكن ما فاجأنى حقًا هو أن تحمل الرواية، فى ٢٥٣ صفحة، مشاعر أضعاف تلك التى تصلك من الفيلم، لأنها لعبت على كل الحواس وليس حاسة النظر فحسب. 

لم أستطع أن أترك الرواية ولا تركتنى، حتى عندما انتهيت منها، رقصة طويلة عذبة، أغنية لا تنتهى، فى مخيلتى، أعيش القصة حية ومحبكة وموجعة وحالمة، مثل الموت والحياة فى آن.

هذه الحكاية المميزة تستحق أن تُروى، فالقصة تقع فى أمريكا بولاية أيوا، تحكى عن «روبرت كينكد»، المصور الفوتوغرافى الذى يبحث عن الجسور المغطاة فى مقاطعة ماديسون، فيتعرّف بالمصادفة إلى «فرانشيسكا جونسون» الزوجة الريفية.

أجمل ما فى الكتابة أنها أحيت الأماكن والأبطال فى خيال القارئ، الشخصيات عميقة ومؤثرة وأثيرية، نجد «كينكد» الروح الحرة، الشخص المُحير، اللبق، الحيوانى، المتحضر، آخر رعاة البقر، ونجد «فرانشيسكا» الحالمة، المسئولة، الأنثوية، المختلفة، ونرى سيارة النقل، المروج، الجسور، وحركة يد «كينكد» وصوت الكاميرا، خطوات «فرانشيسكا» فى المطبخ، الفراشات على السلك، الكلب الراقد على الباب، الشاى المثلج واليخنة، مائدة المطبخ الفورمايكا الصفراء، حتى ماركات الكاميرات والسجائر والثياب.

كل التفاصيل التى نسجت القصة حميمة ودافئة وطيبة، إنها قصة تلتقط أدق تفاصيل الوقوع فى الغرام، تشعر أنك لا تريد أن تفقدها، ولا تريدها أن تنتهى. 

فى قراءة أخرى، قد يتناول قارئ آخر فكرة القرارات المصيرية والاختيارات الحياتية التى عذبت «كينكد» و«فرانشيسكا»، لكننى لا أريد أن أنبش هنا إلا وراء الحب، هذا النبض المستمر فيهما طوال حياتهما وسبب بقائهما.

اختارت «فرانشيسكا» ألا تجرح زوجها وأن تبقى من أجل الأسرة، واختار «كينكد» أن يعيش بلا أسرة، بلا امرأة بعد «فرانشيسكا»، رحّالًا بين البلاد والبيوت، وكل منهما آثر سعادة الآخر فى البقاء مستقرًا أو حرًا. 

فى عالم ممتلئ بالغموض، إن هذا النوع من اليقين لا يأتى إلا مرة واحدة فقط، ولا يتكرر أبدًا، ولو عاش المرء أعمارًا فوق عمره.

أجمل ما فى قصة حب «كينكد» و«فرانشيسكا» أنها خلت من الرعونة، قصة حب فلسفية تطرح كثيرًا من الأفكار حول الحب والحياة بكل جوانبها، شديدة الخيال وشديدة الواقعية.. حوار شاعرى بين عقلين وقلبين وجسدين، قصة صداقة حميمة ولقاء كالحلم، ونهاية أبدية منثورة فى النهر، رقصة وأغانٍ وأشعار وشمعتان بيضاويتان.. خطابات قليلة لكنها تحمل عمرين وحياتين كاملتين، كل التفاصيل المطبوعة فى الذاكرة والتذكارات الحقيقية التى احتفظت بها «فرانشيسكا» و«كينكد»، يبدو أن الكاتب خبَر الحب جيدًا، لأنه لم يجعلنا نفلت من أى تفصيلة تسرق القلب.

أعجبتنى الترجمة الرائقة العظيمة للمترجم محمد عبدالنبى، التى جعلت الرواية مقطوعة شعرية بديعة، لم أشعر أبدًا إلا أننى أقرأ بلغة الكاتب الأصلى، لم تفتنى دمعة واحدة ولا ابتسامة كبيرة.

أما أجمل ما فى الرواية فهو الحكّاء العظيم روبرت جيمس والر، الذى مزج المزرعة بـ«ناشيونال جيوجرافيك»، والحب بالمطبخ، والماضى بالحاضر، ووضع إطارًا من الواقع دائمًا، وجعلنا ننعم بالخيال والعذوبة والحب.. إنها واحدة من القصص القصيرة التى تعيش طويلًا. 

يسمع الأبطال أغانيهم فى الرواية بينما يتردد داخلى صوت «وردة» وهى تغنى «فى يوم وليلة.. يوم وليلة خدنا حلاوة الحب كله فى يوم وليلة».