رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

المجتمع المدنى وحرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد

كان الإعلان الرسمى للرئيس السيسى منذ أيام أن 2022 هو عام المجتمع المدنى، بعد مبادرته بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، إحدى الضربات الأخرى القاتلة الموجهة ضد أعداء المجتمع المدنى والدولة المدنية الديمقراطية الحديثة فى مصر وهم كثر.
فى الحديث أكد الرئيس السيسى أن توجهاته وكلامه منذ تولى الحكم لم يتغيرا، وأحلامه بالتغيير لم تتبدل، وإن كان لا يغفل عامل الزمن فى التأثير على هذه الأحلام.
وبالفعل فإننا نجد أن حديث الرئيس السيسى مؤخرًا عن "حرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد" أمر متسق تمامًا مع حلمه غير المتبدل بإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وهو الأمر الذى كان حريصًا على أن يختم به الحديث قائلًا: "كل واحد حر يؤمن بالعقيدة أو لا يؤمن هو حر لأن فيه واحد بس هيحاسبه هو الله".
أليس هذا إصابة فى مقتل للوصايا الدينية المفروضة علينا منذ زمن طويل؟ أليس هذا هو معنى "المواطنة"؟ أليس هذا الترجمة الواقعية لمبدأ مصر: "الدين لله والوطن للجميع"؟.
وأنا أعتقد أن رفع الوصايا الدينية ورفع الوصايا العقائدية عن أديان موروثة، لم تعطنا فرصة للاختيار هو النافذة المغلقة التى لابد أن نفتحها لكى نتخلص من التعصب والإرهاب الدينى من جذورهما.       
ماذا يعنينى أنا كمواطنة مصرية إذا كان عم إبراهيم صاحب السوبر ماركت الذى أشترى منه الشاى والبسطرمة والجبن الأبيض والزيتون الأسود المخلى والبن المحوج الفاتح المخصوص مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو لا يتبع ديانة أرضية مثل البوذية أو الهندوسية؟، كل حقوقى على عم إبراهيم هى أن يبيع لى الشاى والبسطرمة والجبن الأبيض طازجًا، والزيتون الأسود المخلى من برميل نظيف، والبن المحوج خاليًا من الشوائب بالأسعار المعتمدة فى السوق، وهى حقوق ليست لها علاقة على بالديانة التى ورثها أو اختار التحول لها أو بعدم الانتماء لديانة معينة.
والمواطنة المصرية التى تعمل بالطب مثلًا عليها أن تلتزم بقسم أبقراط الذى يلزمها بتقديم الطب كرسالة سامية وليس كمهنة للتجارة والربح على جثث المرضى، وهذا واجب وطنى إنسانى لا ينقصه أو يزيده أن تكون الطبيبة مسلمة شيعية أو مسلمة سنية أو لا دين لها.
وماذا يفيدنى أنا لو كانت جارتى ملحدة أو يهودية، كل ما يهمنى ألا تنتهك أخلاقيات الجيرة، فلا تلقى بالقمامة والنفايات أمام شقتى، ولا تزعجنى بالأصوات العالية، ولا تتطفل على خصوصية بيتى بالبحلقة والنميمة، ولا تكون عقبة أمام التعاون لصالح العمارة إذا لزم الأمر.
إذن فى المجتمع المدنى وبين جميع المواطنات والمواطنين نحن لا نحتاج فى كل المجالات إلا  لمعايير "الكفاءة" و"الالتزام بالقانون" و"حقوق الإنسان" و"النزاهة" و"الأمانة" و"الذوق" و"الأدب" و"حسن المعاملة".
منذ أيام سألت إحدى معارفى عن طبيب أسنان "كويس" قالت: "كان فيه واحد شكرولى فيه شاطر هايل ممتاز نابغة عصره، مش جشع زى الدكاترة التانيين، مواعيده مضبوطة بالثانية، وعيادته فى منتهى النضافة والترتيب.. بس مصيبته إنه ملحد ملوش مِلة ولا دين.. يا خسارة الحلو ميكملش".
قلت لها: أريد عنوانه؟
قالت: ده ساب البلد وهاجر.
يؤسفنى القول إن الإرهاب ليس فقط الذى يحمل أسلحة ويسفك الدماء ويذبح وهو يردد: "الله أكبر".. لكنّ هناك إرهابًا مغروزًا فى الوجدان وفى النفوس وهو فعلًا الأكثر خطورة.
وإذا كانت إحدى معارفى "القاهرية" قد واصلت التعليم حتى درجة الدكتوراه وكل سنة تسافر إلى الخارج وتقول: "مصيبته إنه ملحد ملوش دين"، فما هو حال الآلاف بل الملايين غير المتعلمين فى القرى وفى الأقاليم والمدن المنغلقة، الذين يتابعون الفتاوى الدينية المتعصبة المتطرفة السلفية الإخوانية التى تريد تمهيد الأرض لمجتمع دينى ودولة مدنية؟
ما معنى "مصيبته إنه ملحد ملوش دين؟" لقد أعطت هذه المرأة نفسها الحق فى محاكمة الطبيب النابغة، غير الجشع، النزيه، الهايل،  فى مهنته وبعد محاكمته تقول: مصيبته إنه ملحد ملوش دين.
وهى تناقض نفسها لأنها تقول: "مصيبته" إذن إلحاده أو لا دينيته، "مصيبته" هو وليست مصيبتها هى أو مصيبتنا نحن المرضى الذين نذهب للعلاج عنده للاستفادة من نبوغه ومهارته ونزاهته وحسن معاملته، وهو حر تمامًا فى الأفكار والفلسفة والعقائد التى يريد الانتماء لها، طالما أنه لا يؤذينى ولا يضرنى ولا يستغلنى ولا يتعدى على أفكار وفلسفة وعقائد الآخرين.
كل إنسان حر تمامًا فى أى "مصيبة" يؤمن بها طالما أنها "محبوسة" داخله لا يسمح لها بالتدخل فى حياة الناس وإفساد حرياتهم ومحاكمتهم أخلاقيًا ونبذهم اجتماعيًا وثقافيًا وإعلاميًا.
الأمر الآخر أن هذه المرأة جاهلة تمامًا ولا تميز الفوارق بين الأشياء مثل الكثيرين حتى الذين يعملون فى مجال الثقافة والإعلام ويعتقدون أنهم جهابزة الفكر ورواد التنوير.
إن  الإلحاد أو اللادينية، ليست تهمة دينية وليست إدانة ثقافية وليست جرمًا جنائيًا وليست اضطرابًا نفسيًا كما قالت إحدى الباحثات وليست اعوجاجًا فى الفكر كما قالت إحدى الإعلاميات، وليست وصمة عار تستحق الإهانة أو السخرية.
اللادينية أو الإلحاد، موقف فكرى وسياق فلسفى وطريقة مختلفة لفهم الوجود وتفسير الظواهر الكونية وإعادة صياغة التساؤلات وعلاقة الإنسان بالحياة وبنفسه وبالعالم المحيط به ومرجعية الفضائل والأخلاق والحرية الإنسانية.
وكم أندهش ممنْ يعملون فى المجال الإعلامى الذين يجهرون بمفاهيمهم المغلوطة عن الإلحاد أو اللادينية، بل ويعطون أنفسهم دون مبرر الحق العلنى لسب وإهانة والسخرية من غير المؤمنين مثلهم وينظرون إليهم كأنهم كائنات فضائية غريبة شاذة نزلت الأرض لإشاعة الفساد والضلال والفتنة والبلبلة وازدراء الأديان والإساءة إلى الإيمان، ويتمادون أكثر فيطالبون المجتمع بالتخلص منهم بأى شكل ومحاكمتهم وإبادتهم وتصفيتهم قبل أن يبثوا سمومهم وينجح مخططهم الشيطانى.
ليس هناك أسوأ ممنْ يتصور أنه "على حق" وأنه بالديانة الموروثة أفضل وأصلح من ناس لهم أديانهم الخاصة المختلفة أو آخرين اختاروا الفكر اللادينى بل ويحاكمهم دينيًا وأخلاقيًا ومجتمعيًا.