رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الإدمان

عودة للحياة.. مستفيدون من مبادرة «بداية جديدة» لإقراض المتعافين يتحدثون لـ«الدستور»

مكافحة وعلاج الإدمان
مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي

على كل الأوجه وبشتى الطرق، تحارب الحكومة ممثلة في وزارة التضامن الاجتماعي الإدمان، ويبذل صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي التابع لها الجهود كافة في ذلك، حيث خاض رحلة طويلة مع الإدمان ومتعاطيه من الشباب وجميع الفئات.

واعتمدت التضامن في حربها ضد الإدمان ليس فقط على مرحلة العلاج، ولكن استمرت مع المتعافين في مراحل ما بعد العلاج، من خلال المتابعة المستمرة خشية العودة من جديد إلى طريق الإدمان حتى التأكد من اقتناع المتعافي التام بخطورة التعاطي.

وكان أحد السبل التي اعتمد عليها صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي في حربه تلك، هي توفير طريقة جديدة تشغل وقت المتعافي، وتكون تمهيدًا لمستقبل جديد له من خلال مشروع فردي أو جماعي يقوم به ويساعده الصندوق فيه عبر مبادرة "بداية جديدة".

وهي مبادرة لإقراض المتعافين من تعاطي وإدمان المواد المخدرة التابعين للخط الساخن بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، وبدعم من بنك ناصر الاجتماعي لإنشاء مشروعات صغيرة تساعدهم على العودة إلى العمل والإنتاج مرة أخرى.

وكذلك تمكينهم من إيجاد مصدر رزق يعينهم على أعباء الحياة ويساعدهم فى الإنفاق على أسرهم وذويهم، والدمج المجتمعي للمتعافين، والحد من فرص تعرض المتعافي للانتكاسة، وتشجيعهم للاستمرار في رحلة التعافي من خلال فرص عمل تعولهم وأسرهم.

وبالفعل وجد كثيرون ضالتهم في قرض المتعافين الذي يوفره صندوق مكافحة الإدمان، واسمتعت "الدستور" في الملف التالي إلى عدد من الحكايات والقصص لمتعافين ساعدهم الصندوق في الحصول على ذلك القرض والبدء من جديد.

بداية جديدة غيرت حياته.. محمود محمد: "أخيرًا بقيت أصرف على بيتي وابني"

 تشتعل الحرائق الكبرى من شرارة صغيرة، وتزيدها رياح السوء اشتعالًا لتقضى على الأخضر واليابس في طريقها ولا تبالي، وشرارة المخدرات هي السيجارة العادية التي قد يعتقد البعض أنها مجرد أداة لنفخ الدخان الأسود وليس لها أي دور غير ذلك.

يثبت الشاب محمود محمد، أحد المتعافين من الإدمان أن السيجارة كانت بداية لطريق محفوف بالخسائر والنهايات التعيسة حيث تعرف على بعض أصدقاء السوء، كما في كل القصص من هذا النوع، أقنعوه بأنها مجرد سيجارة، ثم مجموعة من الأقراص المخدرة الممنوعة، وفي كل مرة يؤكدون أنه لن يحدث شيء خطير، فقط السعادة والسفر إلى عالم الخيال البعيد.

يقول محمد: "رحلتي مع المخدرات بدأت منذ 15 عامًا، وخلالها تدرجت من السجائر إلى الهيروين الذي حول حياتي إلى جحيم، وعلى مدار هذه السنوات فقد الكثير من وزنه ووصل إلى حالة جسدية مزرية، وسرق الكثير من الأموال حتى يحصل على حفنة واحدة من البودرة البيضاء المميتة، وفي كل مرة يحاول الإقلاع عن هذا المرض الأسود يفشل ويعود إلى الهيروين مهرولًا".

حاول التعافي عن طريق منع نفسه من مغادرة المنزل وتقليل الجرعات كما شاهد في الأعمال الدرامية، لكن فشل الأمر، ذهب إلى الأطباء المعالجين في عياداتهم الخاصة، ولكن كان الرقيب على نفسه فخذله ضميره ولم تنجح الخطة، حتى كان طوق النجاة عندما جلس يشاهد التلفاز فظهر إعلان حملة "أنت أقوى من المخدرات".

قبل ثلاثة أعوام كان اليوم الفاصل، ذهب إلى مقر المبادرة وتم توجيهه إلى أقرب مستشفي، وخضع لجلسات العلاج التي بدأت بعلاج آثار الانسحاب، وما يليها من مراحل : " طول فترة علاجي دعمتني زوجتي ووقفت معايا لحد ما خرت من المستشفى، ومن هناك عرفت صندوق بداية جديدة لتقديم القروض للمتعافين من الإدمان، واسمه بداية جديدة، وفعلا كانت المبادرة التي غيرت حياتي للأحسن".

يضيف: "حصلت على القرض وقدم لي أحد المختصين في الصندوق دراسة جدوى لمحل حلاقة بمنطقة صفط اللبن، ومازال هذا المختص يتابع سير العمل معي ونعمل الآن على وضع خطة لتطوير المشروع، فلم يتركني في أي لحظة وعاملوني جميعًا بطريقة محترمة للغاية، وكانوا أفضل المستشارين، ومازال الأخصائي يتابع معي حتى الآن سير الأمور المالية ويقدم لي كل لنصائح لتطوير المشروع".

"أخيرًا بقيت قادر أصرف على مراتي وإبني".. هكذا يصف الشاب الثلاثيني حاله بعد أن غادرت الشرارة جسده، وخرج من دائرة الموت إلى دائرة الحياة التي وسعته ووسعت أحلامه.

 

من لاعب كرة إلى متعافي إدمان.. محمود عبدالهادي: "هفتتح محلي الخاص خلال سنة"

أبعد ما يكون عن عالم المخدرات، فهو يلعب كرة القدم وعمره اثني عشرة عامًا، وعندما وصل إلى عمر السادسة عشرة تم تسجيله رسميًا في منتخب مصر للشباب، وابتسمت له الحياة أكثر فطلبته إحدى الأندية الأجنبية ليكون لاعبًا محترفًا في صفوفها، وهنا بدأت همسات الشياطين.

رفض النادي التخلي عن لاعبه الشاب محمد عبد الهادي، فدخل في نوبة من الاكتئاب وأعتقد أنها نهاية العالم، ورفض العودة إلى نادي واعتزل كرة القدم قبل أن يحترفها ثم زادت القسوة عندما فارق والده الحياة، واضطر للبحث عن عمل يعول به والدته وشقيقاته الثلاث، فوجد نفسه يعمل في إحدى الورش ويحتك بالكثير من العاملين المتورطين بالفعل في تعاطي المخدرات.

يتذكر عبد الهادي ذو الـ36 عامًا: "عرضوا عليا المخدرات وبسبب اكتئابي وافقت وتدرجت في المخدرات وكل الممنوعات لحد ما وصلت للهيروين الذي ضيع من حياتي 14 سنة كاملة، وتعمقت في الأمر حتى تاجرت في الموت واستمر الأمر هكذا حتى تزوجت وكان يوم المواجهة".

عثرت زوجة لاعب الكرة السابق على كمية كبيرة من الهيروين مخبأة وسط أواني الطهي، لتواجهه بالحقيقة وينكر معرفته بماهية هذه المادة البيضاء، وهددته بأنها ستتناولها كلها إذا لم يخبرها بالحقيقة، وهنا انهار واعترف لها بالحقيقة، ولكن هذا الموقف لم يغير من الوضع شيئًا.

"أنت صغير ليه تعمل في نفسك كده".. جملة واحدة سمعها من طبيبته أثناء إجراءه لثالث عملية كبرى في صدره، استمرت حتى 10 ساعات، وكانت هذه الفترة بعد الكثير من عمليات النصب التي أدخلته السجن على فترات متقطعة، ولكنها كانت العملية الثالثة والأخيرة فالحديث مع طبيبته أعاده لرشده.

يقول عبد الهادي: "واحد صاحبي دلني على طريق صندوق علاج الإدمان، ولقيت ناس بتعاملني باحترام وبتقولي انت مش مجرم انت مريض وإحنا هنعالجك، خضعت لجلسات تعديل سلوك وعلاج، لحد ما بطلت كل أنواع الممنوعات حتى السجائر وكل ده خلال 90 يوم، تحولت لإنسان جديد".

حصل على أصدقاء جدد ويصفهم بالعائلة الجديدة، فعلى مدار ثلاث سنوات بعد تعافيه يتصلون به أسبوعيًا للاطمئنان على حالته وعلى مستجدات أموره، فقد وفروا له فرصة للعمل داخل المستشفى، وترقى في وظيفته حتى أصبح مشرف علاج سلوكي، يشرف على جلسات الأحاديث التي تنظمها المستشفى للمتعافين لتبادل الدعم والخبرات.

الإلهام في قصة عبد الهادي لا يتوقف عند هذا الحد ولكن الجزء الأكبر فيها لم يبدأ بعد، حيث أنه تقدم للحصول على القرض الذي تطرحه بداية جديدة، وحصل على دورة تدريبية لصيانة السيارات، ويستعد الآن لتجهيز متجره الخاصة في مجال قطع غيار السيارات.

" أنا دلوقتي عايش بحلم بمشروعي الجديد كل يوم، بفكر ازاي هكبره وأطوره، وعندي خطة بمساعدة الأخصائيين في المبادرة إني في خلال سنة أكون بفتتح محلي الخاص ، بمساعدة عائلتي الجديدة في صندوق علاج الإدمان".

معايير وضوابط الحصول على قرض "مبادرة جديدة"

بحسب الموقع الرسمي لصندوق مكافحة الإدمان والتعاطي، فلا بد أن يكون المتعافي منتظم فى حضور البرنامج العلاجي الفردي والجماعي، وأن يكون متوقف عن التعاطي مدة لا تقل عن 10 أشهر، وألا يكون له سوابق إجرامية أو أمراض عقلية، وسنه لا يقل عن 21 عامًا.

وهناك عدة خطوات للتقدم للحصول على القرض، أولها يتواصل المتعافي مع أخصائي الخط الساخن المشرف على علاجه للحصول على القرض، ويتم تحديد موعد للمتعافي مع مختص من الصندوق لاستيفاء الأوراق وعمل دراسة جدوى للمشروع، ويتولى الصندوق متابعة الإجراءات الإدارية مع البنك.

http://drugcontrol.org.eg/hotline/pages/newstart

اتعالجت بجنيه واحد.. مصطفى عبد الجواد: "17 سنة من الإدمان مع نهاية سعيدة"

يتجهز الآن الشاب مصطفى عبد الجواد لافتتاح متجر خاص لصيانة الهواتف المحمولة، فهو ضمن أحد المقدمين على القرض الخاص بمبادرة بداية جديدة، وبمساعدة المختصين حصل على دراسة جدوى للمتجر الخاص الذي ينوي افتتاحه عما قريب.

تدعمه كل العائلة ويحيا حياة مستقرة آمنة، وهو يحتفل بذكرى ميلاده الثالثة والثلاثين وهو على وشك أن يصبح أحد رجال الأعمال وينظر له الجميع باحترام وتقدير، ويعقد الجلسات اليومية مع أخصائي مبادرة بداية جديدة للوقوف على تفاصيل المشروع فلا وقت لديه لأي شيء قد يعكر صفو حياته.

تلك الأيام الرائعة التي يعيشها عبد الجواد لم تكن كذلك على مدار 17 عاما، حيث أوقعته المغامرة في شباك المخدرات وهو في عامه الأول في الجامعة، عندما أراد تجربة كل شيء جديد دون أن يأبه بالتأثير.

يقول : "كنت فتى مدللًا في منزلي، وعندما دخلت الجامعة عام 2004 تعرفت على بعض أصدقاء السوء وأردت تجربة كل جديد معهم، فساقتني الأقدار إلى المخدرات، ومنها إلى حقن الهيروين، وتحول الطالب الجامعي إلى شيطان متحرك".

يضيف: " سرقت، نصبت على زملائي وعلى كل من أعرفه، كنت آذي أي شخص أقابله طالما النتيجة ستكون الحصول على الأموال التي أذهب بها إلى حيث أتعاطى الهيروين، فإذا لم أمتلك المال لن أحصل على جرعة جديدة، ولهذا فعلت كل شيء في سبيل جرعة واحدة".

سبعة عشرة عامًا يرى خلالها الموت كل يوم، حتى كان صوت الحكمة الذي تجسد في صورة أحد الصيادلة: "روحت أشتري ترامادول من صيدلية لقيت الصيدلي بيقولي في صندوق لعلاج الإدمان وممكن يعالجوني مجانًا، وحسيت وقتها إنها إشارة من ربنا وبادرة أمل بعد سنين كتير ضاعت من حياتي".

وبالفعل ذهب الشاب إلى صندوق علاج الإدمان وحصل على العلاج اللازم، ولم يتكلف سوى جنيهًا واحدًا، ثمن التذكرة التي قطعها مقابل دخول المستشفى في البداية، ولهذا لا ينسى هذا الجنيه الذي حول حياته من متعاطي للمخدرات إلى رجل أعمال في بداية طريقه إلى عالم المال والاستثمار في الحياة، وفي الأمل لتكون حقًا بداية جديدة.

4 مليون جنيه دفعات إقراض المتعافين خلال ثلاث سنوات

في عام 2019، سلم صندوق مكافحة وعلاج الإدمان دفعة جديدة من المتعافين قروضًا بقيمة 120 ألف جنيه لكل مشروع صغيرة تحت مبادرة بداية جديدة، من أجل تقديم خدمات ما بعد العلاج للمتعافين ودمجهم بالمجتمع من خلال مبادرة بداية جديدة فى إطار الحرص على تقديم خدمات ما بعد العلاج والدمج للمتعافين.

وكان كل شيك بقيمة 120 ألف جنيه كدعم لكل مشروع حتى تساعدهم على العودة إلى العمل والإنتاج مرة أخرى وتمكينهم من إيجاد مصدر رزق لهم يعينهم على أعباء الحياة ويساعدهم في الإنفاق على أسرهم، وحتى لا يعودون من جديد للإدمان.

وتلاها في 2020 سلم الدكتور عمرو عثمان، مساعد وزيرة التضامن، مجموعة جديدة من المتعافين من إدمان المخدرات، شيكات لدعم مشروعاتهم الصغيرة، وبلغ إجمالي القروض التي تم توفيرها للمتعافين من بنك ناصر الاجتماعي نحو 3 ملايين و710 آلاف جنيه وقتها.

وخلال مطلع العام الحالي تم تسليم مجموعة جديدة من المتعافين من إدمان المواد المخدرة بمحافظة القاهرة شيكات بمبلغ 160 ألف جنيه لدعم مشروعاتهم الصغيرة، وأعلنت التضامن أن إجمالي قيمة القروض التى تم توفيرها لمشروعات المتعافين 4 ملايين و160 ألف جنيه.