رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

معركة العقول.. «تكنولوجيا الصراعات».. كتاب يرصد أنماط الحروب الإلكترونية

الحروب الإلكترونية
الحروب الإلكترونية

لم تعد موازين القوى الدولية محكومة فقط بالقدرات العسكرية والاقتصادية، فثمة محددات فرضها التطور التكنولوجى على طبيعة الصراعات فى العالم وإمكانات التعامل معها، إذ باتت المواجهات العسكرية المباشرة خيارًا أخيرًا فى كثير من الأحيان بعدما أمكن تأجيج الصراعات وتوجيهها اعتمادًا على ما تُقدِّمه التكنولوجيا من إمكانات تتعاظم يومًا بعد الآخر.
صارت الصراعات البشرية محكومة بالثورة المعلوماتية فى القطاعات كافة، ما أدى إلى تغير مفهوم الصراع، فمن خلال ما فرضه الاتصال الإلكترونى من تطور فى القطاعات الأمنية والعسكرية والسياسية، لم يعد أمن الدول متعلقًا فقط بحمايتها من الهجوم العسكرى، بل امتد ليشمل الحاجة لحماية منشآتها الحيوية وبنيتها التحتية من التعرض لهجوم باستخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلومات.
من جهة أخرى، باتت «الهندسة الاجتماعية» مع التطور التكنولوجى أكثر يُسرًا وطواعية عما كان عليه الأمر منذ منتصف القرن الماضى. يبرز ذلك بشكل جلى مع ما يُثار بشكل متكرر من قرصنة حسابات موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، فمنذ سنوات، دقت فضيحة «كامبريدج أناليتيكا»، الشركة البريطانية التى استخدمت بيانات مستخدمى «فيسبوك» لتوجيه دعاية سياسية، ناقوس خطر استخدام التكنولوجيا لذلك الغرض. ومؤخرًا، أعاد ما أُثير عن قرصنة بيانات لمستخدمى فيسبوك على موقع معروف للقراصنة الإلكترونيين، التشديد على أخطار استغلال التكنولوجيا لأغراض التسويق والهندسة الاجتماعية والاحتيال، وما قد يتبع ذلك من تغييرات سياسية وتوجيه لموازين القوى. وفى كتاب «تكنولوجيا الصراعات الدولية المعاصرة»، الصادر حديثًا عن دار «الآن ناشرون وموزعون» فى الأردن، يسعى الباحث الأردنى ماجد محمد الحنيطى لتفصيل طبيعة التغيرات فى أنماط الصراع الدولى جراء التطور التكنولوجى، وتأثيرها على المنطقة العربية فى الوقت الراهن وفى المستقبل، فثمة تغير جذرى تشكل فى منظور الصراع الذى كان قائمًا فى الماضى على تدمير الخصم واحتلال أرضه، إذ تراجعت فى الصراعات الحديثة القوة الصلبة ممثلة فى القدرات العسكرية، وبات التركيز أكبر على مصادر القوة الحديثة كالتكنولوجيا والتعليم بهدف التحكم فى إرادة المجتمعات وخياراتها.

أنماط الصراع
يُبيّن الباحث أن أنماط الصراعات الدولية القائمة على أسس تكنولوجية تتحدد باختلاف الأدوات التى يُتيحها الفضاء الإلكترونى؛ فقد يستهدف الصراع البنية التحتية المُرتبطة بالفضاء، عبر اختراق نظام المواصلات كأنظمة ملاحة الطيران والسفن وأنظمة السكك الحديدية، أى الأنظمة الخاضعة للمكننة الإلكترونية، ما قد يؤدى إلى الإيقاع بآلاف الضحايا فى دقائق معدودة.
وقد يستهدف الصراع الإلكترونى الدولى تهديد البنى التحتية العسكرية المرتبطة بالفضاء الإلكترونى، مثل فيروس «ستوكسنيت»، الذى أعلنت الاستخبارات الإيرانية أنه أصاب ما يقدر بستة عشر ألف جهاز كمبيوتر فى أكتوبر ٢٠١٠، وتسبّب فى تعطيل نحو ١٠٠٠ من أجهزة الطرد المركزى، ما أدى إلى تعطيل البرنامج النووى الإيرانى مرحليًا.
وفى السياق ذاته، يطرح البعض تصورًا مستقبليًا حول إمكانية قيام فيروسات الكمبيوتر بإصابة نُظُم الدفاع الجوى ونُظُم توجيه الصواريخ والطائرات دون طيار، وسرقة المعلومات والبيانات العسكرية أو التلاعُب بها، واختراق الشبكات الخاصة بالمؤسسات الأمنية، بهدف سرقة استراتيجيات عسكرية أو خرائط انتشار أنظمة تسليح.
يُشير الباحث إلى أن أنماط حروب الفضاء الإلكترونى يمكن تحديدها كذلك عبر تحديد شدة الصراع؛ فهناك حرب الفضاء الإلكترونى منخفضة الشدة، التى تتم عبر القوة الناعمة للحروب السيبرانية، ومنها شن الحروب النفسية والتجسس وسرقة المعلومات وشن حرب الأفكار والتنافس بين الشركات التكنولوجية العالمية، وهو ما يتضح فى الصراعات السياسية ذات البعد الاجتماعى الدينى الممتد، مثل الصراع العربى الإسرائيلى، أو الصراع الهندى الباكستانى، وكذلك الصراع بين كوريا الشمالية والجنوبية.
وهناك نمط حرب الفضاء الإلكترونى متوسط الشدة؛ وفيه يحدث الصراع عبر الفضاء الإلكترونى من خلال اختراق المواقع الإلكترونية وتخريبها وشن حرب نفسية ضد الخصوم، وقد شاع هذا النمط خلال الحرب بين حزب الله وإسرائيل عام ٢٠٠٦، وبين روسيا وجورجيا عام ٢٠٠٨، وبين حماس وإسرائيل فى عامى ٢٠٠٨ و٢٠١٢.
أما حرب الفضاء الإلكترونى مرتفعة الشدة، فيمكن فيها استخدام الأسلحة الإلكترونية ضد منشآت العدو واللجوء إلى الروبوتات الآلية فى الهجوم على تلك المنشآت. ورغم عدم حدوثها بعد، فإن الباحث يشير إلى أن احتمالات وجودها مُستقبلًا تتزايد مع تطور القدرات التكنولوجية واتساع الاعتماد بين الدول والفاعلين من غير الدول على الفضاء الإلكترونى.
تطور المعدات

تعاظم الاهتمام بتكنولوجيا معدات الحرب الإلكترونية منذ بداية الألفية الجديدة استجابة للتطورات التكنولوجية التى غيّرت من خصائص ميدان القتال وأنماط قتال الجيوش الحديثة؛ إذ أولى العديد من الدول المُتقدمة عسكريًا فى السنوات الأخيرة اهتمامًا بالغًا بالتركيز على مجالين أساسيين فى تكنولوجيا مُعدات الحرب الإلكترونية: الأول هو الإعاقة الإلكترونية وإسكات مُعدات العدو الإلكترونية والسيطرة الإلكترونية المباشرة عليها، والثانى يتعلق بتطوير استخدام الإنسان الآلى، وكذلك الطائرات دون طيار.
ويُبين «الحنيطى» أن ثمة الكثير من الوسائل التقنية والرقمية التى تتسلح بها الحرب الإلكترونية فى القطاعات العسكرية؛ ومنها الأسلحة الروبوتية التى تُعتبر آلة قتل وتدمير وتجسس غير محدودة، وتكنولوجيا الأقمار الصناعية العسكريّة، والرادار، والطائرات دون طيار، وغيرها.
وفيما يخص الأسلحة الروبوتية، يشير الباحث إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص تطمح إلى تطوير روبوت قادر على المواجهة فى الخطوط الأمامية للحرب، وتسلُق الحواجز، ومراقبة الروبوتات العسكرية الأخرى، كما أنها جندت روبوتًا كروى الشكل يتدحرج على الأرض، ويستقر على ثلاث قوائم تليسكوبية، ويخرج رأسه من فتحة فيه مُستطلعًا المكان المُحيط لاكتشاف قوات العدو، فضلًا عن الروبوتات الطائرة التى تقوم بعمليات الاستطلاع.
وفى الوقت ذاته، اهتمت الدول الكُبرى بتكنولوجيا الأقمار الصناعية العسكرية واستخدامها فى الاتصال والتجسس والاستطلاع والإنذار المبكر بشكل دقيق، وفى هذا الصدد، يُفيد الباحث بأن الولايات الولايات المتحدة تمتلك ما يقرب من ١١٠ أقمار صناعية لها صلة بالأغراض العسكرية، أما روسيا فلديها ٤٠ قمرًا صناعيًا، بينما تمتلك بقية دول العالم مجتمعة ٢٠ قمرًا صناعيًا.
ويعلق على ذلك بقوله: «فرض الفضاء نفسه كبعد استراتيجى رابع فى الصراعات المُسلحة، وليس مجرد مجال لعبور السفن الفضائية أو الصواريخ الباليستية، فهو أساسًا مجال واسع يمنح من يملك السيطرة عليه امتيازات كبيرة تتمثل فى جمع المعلومات باستخدام أجهزة المراقبة فى الأقمار الصناعية والسفن الفضائية التى يُمكنها أن ترصد كل ما يحدث فى أى منطقة من العالم، ومُعالجة المعلومات والسيطرة على وسائل الاتصال».
التأثير على طبيعة علاقات الدول

صار التطور فى مجال الفضاء الإلكترونى واحدًا من المُحددات الرئيسية لقوة الفاعلين فى الساحة الدوليّة، وتمحور العديد من الصراعات حول رغبة التحكُم فى الفضاء الإلكترونى الدولى، وتحويل القوة التكنولوجية إلى مميزات استراتيجية، ومن ثم تحديد الأمن القومى للدول ذات السيادة؛ فروسيا والصين من أكثر الدول تمكُنًا فى مجال القوة الإلكترونية فى الوقت الحالى، فضلًا عن تفوقهما فى توفير أقصى حد من درجات الأمن الإلكترونى، وهو ما فرض على الولايات المتحدة تبنى سياسات دفاعية ضد الأخطار المُحتملة وحماية نظم المعلومات وتعزيز الأمن الإلكترونى بأبعاده المختلفة.
قاد ذلك الاهتمام بالفضاء الإلكترونى إلى تداعيات على تفاعلات السياسة الدولية كذلك؛ إذ تصاعدت المخاطر الإلكترونية مع قابلية الهجوم على المنشآت الحيوية فى الدول، بما قد يؤثر فى وظائف تلك المنشآت، كما قاد تعزيز القوة الإلكترونية إلى إدماج الفضاء الإلكترونى ضمن الأمن القومى للدول عبر تحديث الجيوش وتدشين وحدات متخصصة فى الحروب الإلكترونية.
فى السياق نفسه، يُفيد الباحث بأن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت العمل على وضع خطط معقدة، تمهيدًا لحروب الفضاء الإلكترونى، وشرعت فى قيادة حرب الفضاء الأمريكية والأجهزة المرتبطة بالعمل على وضع المخططات وتجهيز القدرات اللازمة لتحقيق الهيمنة فى الفضاء الإلكترونى، لا سيما مع اعتقادها بأنه لا بُد من استغلال أسلحة حرب الفضاء الإلكترونى لتعويض ضعف انتشار القوات الأمريكية على مستوى العالم.
وقد استغلت الدول الكبرى التطور الإلكترونى فى الحروب على الإرهاب خلال السنوات الماضيّة؛ وفى هذا الصدد يوضح الباحث أنه منذ عام ٢٠١٤ أدى ظهور النسخة الحديدة من التنظيمات الإرهابية فى صورة داعش إلى استخدام التقنيات الأكثر حداثة وسرعة فى مواجهة القوة المادية للتنظيمات الإرهابية، كاستخدام الطائرات دون طيار فى عمليات الرصد والقصف والمطاردة، وتكوين غرفة عمليات لمراقبة الحدود تسمح بتحرك القوات بسرعة لمواجهة أى تحركات إرهابية، ومراقبة الحدود البرية القريبة من معاقل التنظيمات الإرهابية باستخدام طلعات طيران دورية، وحرمان الجماعات الإرهابية من الحصول على الملاذات الآمنة.
أمن الفضاء الإلكترونى
مثلما عزز التطور التكنولوجى من نفوذ وسيطرة من يمتلكه ويستخدمه فى أوقات الحروب والسلم، فإنه جعل المصالح الاستراتيجية ذات الطبيعة الإلكترونية عرضة للتهديد، ما جعل قضية أمن الفضاء الإلكترونى تلقى اهتمامًا متصاعدًا على أجندة الأمن الدولى بسبب زيادة علاقة الفضاء الإلكترونى بعمل المنشآت الحيوية المدنية والعسكرية للدول.
وفى هذا الصدد، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية فى العام ٢٠٠١ مكتبًا خاصًا فى البيت الأبيض لتنسيق التعامل مع مشكلة الأمن الإلكترونى، ونتيجة لذلك وُضعت الاستراتيجية الوطنية لتأمين الفضاء الإلكترونى التى وقعها الرئيس الأمريكى الأسبق جورج دبليو بوش عام ٢٠٠٣، وفى ٢٠٠٧ صدرت المبادرة الوطنية الشاملة لتأمين الشبكات، ثم فى ٢٠٠٩ وافق الرئيس الأسبق أوباما على إنشاء فرع تنسيق تنفيذى لأمن الفضاء الإلكترونى يضمن استجابة منظمة لتحقيق أمن الفضاء الإلكترونى فى المستقبل. أما فى ٢٠١٨ رفع البنتاجون مرتبة وحدة الحرب الإلكترونية بوزارة الدفاع وحوّلها إلى قيادة موحدة مستقلة كما عيّن لها مديرًا جديدًا.
يقول الباحث: على الرغم من الصورة الباهرة التى رسمتها تكنولوجيا المعلومات للإنسانية ومحاسن الثورة المعلوماتية التى غمرت البشرية فى عصرنا الحالى، فإنها أدخلت دول العالم فى هاجس أمنى قوى، خصوصا أن هذه الدول قامت بوضع مدخراتها القومية على شكل معلومات رقمية عبر فضاء مُذاب الخصوصية وضعيف الأمن، ما زاد من الفجوة المعلوماتية القومية بين الدول.
الجانب المظلم للدبلوماسية الرقمية
استفاد صانعو السياسات الدولية والدبلوماسيون فى العصر الرقمى من الأدوات الإلكترونية التى باتت ركيزة فى أعمالهم؛ وتعززت قدرة التحكُم والسيطرة عبر الفضاء الإلكترونى بوجود نظام متماسك قائم على التناغم بين القدرات التكنولوجية والقوة العسكرية وإدارة الدولة وغيرها من العوامل، بما يُعزز من دعم قدرة الدولة على ممارسة التأثير السياسى فى أعمال الدول الأخرى.
ومع ما حققه التطور التكنولوجى من تيسير فى أعمال الدبلوماسيين، فإنه أدى إلى توضيح مثالب الدبلوماسية الرقمية فى السنوات الأخيرة؛ إذ استخدمت الحكومات والجهات الفاعلة التكنولوجيا كأدوات تضليل ودعاية لتحقيق المصالح الاستراتيجية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، تعرُض أكثر من ١٥٠ مليون أمريكى لحملة تضليل روسية قبل الانتخابات الرئاسية فى عام ٢٠١٦، إذ أثبت تقرير لمجلس الشيوخ الأمريكى أن حملة التضليل التى قامت بها روسيا حول انتخابات ٢٠١٦ استخدمت كل منصة لوسائل التواصل لدعم الرئيس الأمريكى السابق ترامب.
كذلك تعددت أشكال حرب المعلومات فى ظل وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة، ومن أبرزها حرب القيادة والسيطرة الهادفة إلى شل أنظمة القيادة والسيطرة على قوات العدو، وحرب الاستخبارات التى تقلص فيها وقت الحصول على المعلومات، بما يتضمنه ذلك من اختراق أنظمة الحواسيب، وحرب المعلومات الاقتصادية، واستخدام المعلومات للتأثير على اقتصاديات الدول المعادية.
ويوضح «الحنيطى» أن التعامل على المستوى النفسى شغل الحيز الأكبر بين الأسلحة المستخدمة فى النظام الدولى الذى ظهر فيه فاعلون دون مستوى الدولة؛ للتأثير على وعى المستهدفين، إذ بات استخدام المعطيات الإلكترونية النفسية السريّة والعلنيّة الوسيلة الأكثر فاعلية لتغيير القناعات والآراء والاتجاهات بما ييسر تأمين المصالح ويُعين على إدارة الصراع وتحليله؛ لا سيّما أن التكنولوجيا صارت تؤثر فى عملية إدارة العقول كما تُشكِّل السيطرة الثقافية؛ فاندماج ثلاث تقنيات اتصالية هى الأقمار الصناعية والكمبيوتر والنظام الرقمى أدى إلى تغيير سريع فى الثقافات وانهيار ثقافات أخرى.
فإن كان نمط الاستخدام الصلب للقوة الإلكترونية عبر قطع كابلات الاتصالات أو الأقمار الصناعية أو استخدام الأسلحة الإلكترونية المتقدمة كالفيروسات فى تدمير الأنظمة المعلوماتية لمنشآت حيوية بشكل يؤثر فى وظيفتها يُمثل خطورة واضحة للعيان، فإن نمط القوة الناعمة المتعلق بإدارة العمليات النفسية والتأثير فى الرأى العام وعمل أجهزة الاستخبارات الدولية يُعد الأكثر خطورة فى ظل ديمومته واستناده إلى أدوات الحرب النفسية الإلكترونية، كالدعاية عبر الإنترنت والهندسة الاجتماعية.
الشرق الأوسط والأزمة



كانت منطقة الشرق الأوسط وما زالت ساحة خصبة للصراعات، التى تقودها جماعات أو دول، لما تُمثله من أهمية محورية على مستويات متعددة، ومن ثم، باتت مواكبة المتغيرات والتطورات الرقمية ضرورة تحتاجها المنطقة العربية على وجه الخصوص وتفرضها المتغيرات فى مُحددات الصراعات الدولية.
ويُبين الباحث أن تعامل الدول مع الفضاء الإلكترونى أخذ مهمتين متقاطعتين هما؛ الرغبة فى التعامُل مع هذه التقنية وما تُقدِّمه من خدمات، وتحصين الجدار الوطنى من التسلُل والاختراق الذى تتعرض له دول المنطقة، لا سيما مع بروز فاعلين جدد لديهم القدرة على التسلُل إلى المجتمعات الشبكية والتحكُم فيها واستغلال التحولات السياسية فى العالم العربى.
ويتطرّق الكاتب إلى بعض الأمثلة التى برزت فيها أهمية العنصر التكنولوجى وتأثيره على الوضع فى العالم العربى؛ موضحًا أنه منذ العدوان الأمريكى على العراق ٢٠٠٣ كُلِّفت وكالة الأمن القومى الأمريكية برصد ما يحدث فى المنطقة من تطور وتقدم، وتزايد اهتمامها بهذا النشاط فى المجمع الاستخبارى الأمريكى بعد الحرب الباردة بسبب طبيعة التطورات التقنية والإلكترونية التى باتت جزءًا من مهام الوكالة فى موضوع الأمن القومى الأمريكى.
أيضًا، يشير الباحث إلى الانتباه الإيرانى منذ سنوات لما يتيحه الفضاء الإلكترونى من إمكانات؛ والذى بدأ تحديدًا منذ عام ٢٠٠٩ حينما استخدم مُحتجون الإنترنت فى تنظيم احتجاجات ضد نتائج الانتخابات الرئاسية التى أوصلت محمود أحمدى نجاد إلى سدة الرئاسة، منذ ذلك التاريخ أوكلت مسئولية مراقبة الإنترنت وحجب أو تعطيل بعض المواقع إلى الحرس الثورى الإيرانى.
ويستدرك الكاتب بأنه لا يمكن تجاهل دور التكنولوجيا فى الثورات العربية واستخدامها فى تبادل المعلومات وتنظيم المظاهرات، فضلًا عن ظهور العديد من أشكال وصور الاحتجاج وشن الحملات عبر الفضاء الإلكترونى ومنها جمع التوقيعات الإلكترونية للمطالبة بتغيير سياسات أو قرارات، وإجراء حوارات فى غرف الدردشة والمنتديات بهدف إنشاء تحالفات سياسية فى الإنترنت، ونشر أفكار الإضرابات والاعتصامات بين المستخدمين، وتأسيس مجموعات على مواقع الشبكات الاجتماعية وجذب أعضاء إليها كمواقع «فيسبوك وتويتر».
ويلفت فى الإطار ذاته إلى مجموعة «الجيش الإلكترونى السورى» التى ظهرت منذ سنوات قليلة، والتى تضم مجموعة من قراصنة الإنترنت الذين يدينون بالولاء للنظام السورى ورئيسه بشار الأسد، ويستهدفون مهاجمة أى مواقع إلكترونية لا تتفق مع آرائهم، والذين يمكن اعتبارهم «أول جيش افتراضى فى العالم العربى يشن هجمات إلكترونية على خصومه بشكل صريح».



استراتيجيات جديدة للعالم العربى

يشدد الباحث فى ختام كتابه على ضرورة تطوير استراتيجيات جديدة للوطن العربى تتلاءم مع العصر الرقمى بما حمله من تغيرات فى حسابات القوة والردع والحرب، وذلك من خلال التركيز على العلاقة بين الأمن الإلكترونى وقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار السياسى، وصياغة استراتيجية عربية لمواجهة تصاعد الأخطار الإلكترونية، وتعزيز أمن الفضاء الإلكترونى والتعاون فى مجالات مكافحة المخاطر الإلكترونية، وتطوير قدرة الدول العربية على إنتاج وتطوير أسلحة إلكترونية تُمكِّنها من تحقيق أهدافها فى الفضاء الإلكترونى.
ويُفيد بأن تطوير تقنيات ذكية قادرة على تتبع مصادر الهجمات الإلكترونية ومعرفة الطرف المعتدى صار ضرورة مُلحّة للحفاظ على أمن واستقرار الدول العربية، ومن ثم يتعين فى سبيل تحقيق ذلك تطوير برامج حماية إلكترونية لمواجهة الهجمات الإلكترونية، وعقد شراكات بين الدولة والقطاع الخاص لتطوير البنية التحتية، فضلًا عن العمل على إعداد برامج توعوية حول أمن المعلومات الإلكترونية.