رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 06 أغسطس 2020 الموافق 16 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

فريد شوقى يروى «2»: مشاهد من الجحيم الذى عشته فى بيت هدى سلطان

الجمعة 31/يوليه/2020 - 06:00 م
فريد شوقى
فريد شوقى
طباعة
مستر سمر يطلب مقابلتى، من مستر سمر هذا؟ لا أعرف أحدًا بهذا الاسم.

إنه يتحدَّث الإنجليزية بطلاقة، وقدَّم نفسه لى، قال إنه مُنتج سينمائى تركى، وبدأ يتحدَّث عن السينما التركية ويَشكو من قلة انتشارها فى العالم، فالأفلام تُعرض داخل تركيا فقط، ولكن ليس لها الانتشار الواسع خارجها، وقال إنه بدأ يفكر فى الاستعانة بفنانين ونجوم من خارج تركيا كمحاولة للخروج بالفيلم التركى إلى الأسواق العربية والعالمية.

ثم أضاف مستر سمر قائلًا: «وأنا أعرف أن لك شعبية كبيرة، وهذا ضمان لانتشار الأفلام التركية فى منطقة الشرق الأوسط؛ ولهذا السبب جئتُ إليك وانتهزت فرصة وجودك فى بيروت ليتم هذا اللقاء».
وقلتُ لمستر سمر: موافق ولكن بشروط.

قال: «وما هى؟»
وشرحتُ له شروطى: لا بدَّ أن يكون مُخرج الفيلم مصريًّا وكاتب السيناريو والماكيير أيضًا.

وبدأ العمل فعلًا فى فيلم «شيطان البوسفور» الذى أخرجه نيازى مصطفى، ثم فى «عثمان الجبار» الذى نجح جدًا عند عرضه فى إسطنبول، هذا النجاح فى تركيا جعلنى أتذكَّر نظرة الاستخفاف وعدم الترحيب التى لمحتها فى عيون النجوم الأتراك، كانت نظراتهم تقول: كيف يكون البطل عربيًّا؟

لكنى استطعتُ والحمد لله أن أؤكد لهم أن الممثل المصرى له مستواه المشرِّف جدًا فى مصر وخارجها أيضًا.

وانهالت علىَّ العقود والأدوار فى الأفلام التركية، وتمنيتُ أن تكون زوجتى هدى سلطان بجوارى فى هذه اللحظات، إن الإنسان يحتاج فى مواقف الشدَّة والألم، وفى مواقف البهجة إلى المخلصين من أحبائه والمقربين إليه، ومَن أقربُ لى فى هذا العالم من زوجتى، أم بناتى، شريكة رحلة العمر الطويلة؟ نجاحى نجاح لها، ليتك تأتين يا هدى لكى تُشاركينى أفراحى، لتُشاهدى زوجك وهو يغزو آفاقًا جديدة، ويُحقِّق انتشارًا كبيرًا ليس فى إسطنبول وحدَها، بل فى كل المدن التركية.

لم أشعر بالغربة فى تركيا؛ فجَدِّى نفسه من أصل تركى، لكنى أحتاجك يا زوجتى العزيزة، تعالى لا تتأخرى طويلًا؛ لا قيمة لأفراحى إذا لم نقتسمها معًا! تعالى يا هدى.

وجاءت بالفعل، ولكنها لم تمكُث معى كثيرًا، قالت إنها مُرتبطة بالعمل فى فيلم جديد، «شىء فى صدرى»، وليته كان دور البطولة، ذلك الذى انتزَعَها وأخذها منِّى، لكنها فضلت الدور العادى على البقاء معى فى وقت تشتدُّ فيه حاجتى إليها.

وتضاعفت آلامى النفسية عندما عرفتُ أن غرفة السينما فى إسطنبول قد دعتنى لحضور ذلك الحفل الكبير الذى سيحضره كبار الأدباء والفنانين والصحفيين داخل فندق الهيلتون، وسأُمنَح فيه جائزة التفاحة الذهبية، الممنوحة لى فى مهرجان أنطاليا الذى اشتركتْ فيه ٢٥ دولة، مددتُ يدى أتسلَّم جائزة التفاحة الذهبية وسط التصفيق الهائل، بينما عقلى فى زوجتى لحظة كان من الممكن أن تُصبح أروعَ، لو كانت زوجتى بجانبى تشاركنى مشاعرى كما تعودت دائمًا أن أشاركها أفراحها ونجاحها، وكتبتُ رسالة ورسالة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة وعاشرة؛ ثلاث عشرة رسالة، لكنى لم أتلقَّ منها ردًّا ولو حتى كلمة واحدة، وفقدتُ أعصابى وأنا أكتب لها الرسالة ١٣، وأذكر أنى قلتُ لها فى هذه الرسالة: لو كانت هذه الرسالة من نوع الرسائل التى كانت تصلك من تونس على استديو نحاس، لكنتِ أغلقتِ على نفسك بابَ غرفتك وقرأتها بلهفة واهتمام، وأرسلتِ ردودًا سريعة لمن كتبَها، للأسف إنى أشعر بأنك لم تكونى معى طوال هذه السنوات التى عشتِها معى.

أصبح بقائى فى البيت مُستحيلًا بعد استقبال زوجتى الفاتر عند عودتى من سفرى الطويل إلى تركيا، وبعد اكتشافى هذه الخلافات الحادَّة التى نشبت فجأة بين بناتى، وقررتُ أن أُقيم فى فندق عُمر الخيام، حتى أتجنَّب أىَّ صدام مع هدى، وحتى تمر وتهدأ هذه العاصفة التى تُوشك أن تهدم كل ما هو جميل فى بيتنا؛ الحب والود والتفاهم والروابط الأسرية القوية، أقصد التى كانت قوية.

وحاول أخى أحمد شوقى أن يُعيدنى إلى البيت، فهو يعرف مدى حُبى وتعلقى ببناتى العزيزات، وفى الفندق جاءنى المهندس مُحيى الدين جمال يطلب يد ابنتى الكبرى مُنى؛ والده مُتوفٍ وكان يحمل لقب باشا، كنت أودُّ أن ألقاه فى بيتى، ولكن الظروف شاءت أن يتمَّ هذا اللقاء داخل فندق عمر الخيام، وفى الوقت نفسه تقدم ضابط شرطة برتبة مُلازم يطلب يد ابنتى من هدى؛ ناهد التى كانت ولا تزال طالبة فى الليسيه فرنسيه، ولم تكن قد تخطَّت السادسة عشرة من عمرها، وأقنعنى أخى أحمد بأن هذا الخطيب الضابط مُجدٌّ فى عمله، ومحبوب من رؤسائه، ووافقت لأنى أعتبر أخى أحمد والد بناتى، ولأنى أدركتُ أن هذا الضابط الوسيم الشاب أحمد المرشدى يتميز بشهامة الرجال.

لكنى قلتُ له إننى لا أحبذ مسألة خروج ابنتى مع خطيبها قبل الزواج، قد يكون تفكيرًا قديمًا ومُتزمتًا لكن هذا رأيى الذى أقتنع به كأب.

ولهذا السبب بدأت أفكر فى الإسراع بعقد القران، وكان هدفى أن نعقد قران الابنتَين فى ليلة واحدة، حتى يكون الفرحان مُشتركين، لكن زوجتى هدى رفضت هذه الفكرة، لأنها تريد أن يكون حفل عقد قران ابنتها مُستقلًّا ومتميزًا.

واضطررتُ لإقامة حفل عقد قران ابنتى الكبرى مُنى فى فندق عمر الخيام، فى يوم سبت، على أن يكون حفل قران ابنتى منها؛ ناهد، يوم السبت الذى يليه، ولاحظتُ أن زوجتى تتعمَّد أن يكون حفل قران ابنتها أفضل وأكبر وأنجح من حفل عقد قران ابنتى الكبرى، فوجَّهَت الدعوة لأكثر من ألف مَدعو ومدعوَّة من صديقاتها وأصدقائها من الوسط الفنى، وغنَّى فى هذا الحفل مُعظم صديقاتها المطربات.

ونجحت بذلك فى إحداث فجوة كبيرة بين الابنتَين.. لماذا هذه التفرقة؟ لماذا تزرع فى قلبيهما التنافُس والغيرة؟

وللأسف أنها حضرت حفل ابنتى فى مُنتصف الليل بينما، لم أترك أنا حفل ابنتها لحظةً واحدة طوال اليوم. ابنتها التى حملتُها على كتِفى منذ أن كانت صغيرة حتى أوصلتها إلى بيت الزوجية عروسًا كبيرة.

ورغم مرض والدى الذى يتزايد ويشتد، إلا أننى حرصت على حضوره فوق مقعد مُتحرك ليُشاركنا أفراح ابنتنا، وحرصتُ على ألا أدَعَه يشعر لحظة واحدة بذلك الخطر الذى بدأ يهدد حياتنا الزوجية.

وأمضت الابنتان شهر العسل بين القاهرة والإسكندرية، وبدأت نفسى تصفو وتهدأ.

وفى اللحظة التى أعربتُ عن رغبتى فى العودة إلى البيت، فوجئت بزوجتى تطلُب الطلاق، نعم الطلاق!
وسألتها: لماذا يا هدى؟
قالت: «لأنك أرسلت لى خطابًا من إسطنبول تسبّنى فيه».

قلت: لأنى أرسلت لك أكثر من عشرة خطابات دون أن تردى علىَّ.
قالت: «أنت تعلم أنى لا أحب الردَّ على الخطابات».

فقلتُ بهدوء حزين: كنت أريد أن أطمئنَّ عليك يا هدى، وعلى البنات.

حاولتُ أن أناقشها، لكنها أصرَّت إصرارًا غريبًا جنونيًّا على طلَب الطلاق، وأنا أتمهل. قلتُ لعلَّها تعود إلى رُشدها.

وذات مساء عدت إلى البيت وتسمَّرت قدماى ووقفتُ أتطلَّع حولى وأنا فى قمة الذهول؛ ما هذا الذى أراه أمامى؟ إن ستائر غرفة النوم منزوعة من مكانها، ودولاب الملابس ليس فيه فستان واحد من فساتينها، أخذت كل شىء يخصُّها ورحلت، لم تقُل سترحل، حملت معها كلَّ ما يخصُّها حتى ابنتنا الصغيرة مها أخذتها معها، ولكنها لا تخصُّها وحدَها؛ تخصنى أنا أيضًا، إنها قطعة مِنِّى، دمى وحياتى.

ووجدت نفسى وحيدًا وسط هذا الفراغ الرهيب، ليس هناك من يشرح لى ما حدث، ومن يخفف عنى هَول الصدمة. ابنتى الكبرى فى منزلها وناهد فى بيت الزوجية ومها أخذتها أمُّها معها.
وصرختُ، صرختُ: يا عالم يا عالم يا عالم يا عالم! وسقطتُ مُنهارًا فوق الأرض.

وجاء الخدم مُسرعين وحملونى إلى فراشى، كنتُ فى غاية التعب والإعياء، لكنى رأيتُ فى عيون الخدم دموعًا تُوشِك أن تسيل.

أفقتُ من ندَمى وذهولى على ذلك الصمت الكئيب الموحش الذى يلفُّ «الفيلَّا» كلها ويسيطر على كل ركن وغرفة فيها.. لا أكاد أصدِّق ما حدث.. ما هذا الكابوس اللعين؟ لا ليس كابوسًا.. بل هو حقيقة يا قلبى الطيب.. البرىء.. المسالم.. يا من لم تتوقع أبدًا هذه الطعنة القاتلة من أقرب الناس إليك.. من زوجتى التى فعلتُ المستحيل لكى أسعدها.

ولقد تركتنى وحيدًا وسط أطلال الحب الذى تهدَّم وانهار قبل الأوان.. لا أجد حولى سوى الخدم الذين يغالبون دموعهم حزنًا وأسفًا على صاحب البيت الذى كان سعيدًا.. لا يتوقع الضربة القاضية بمثل هذه السرعة.. وبكل هذه القسوة.

مع من أتكلم؟ إن أبى الذى تعودت أن الجأ إليه واستنجد به وقت الكوارث يصارع المرض.. وخبر مثل هذا قد يقضى على حياته كلها.

مع من أتكلم؟
من يشاركنى هذه المحنة الثقيلة.. من يخفف وقعها ووطأتها على قلبى الطيب الساذج الذى ظنَّ أنه بلغ المراد وأننى أسعد العباد.

إن ابنتى تعيش أفراح أيام العسل الأولى.. ولا أريد أن أنغِّص عليها حياتها.. ولكن من يُخفف هموم الآباء غير الأبناء؟

ووجدت قدمىّ تقودانى إلى مسكن ابنتها «نبيلة».. فقد أجد زوجتى هدى سلطان هناك.. وهذا ما حدث.. كانت هدى سلطان تجلس هادئة البال أمام المرآة وهى مشغولة بوضع مساحيق التجميل على وجهها.. لا يبدو عليها أى قلق أو تأثير.. وكأن شيئًا لم يحدُث.. فى أعماقى بركان يزمجر ويُوشِك أن ينفجر ويُدمِّر كل شىء.. وهى هادئة هدوءًا يستفزُّ أعقل العقلاء.. ومنهمكة فى استخدام أدوات التجميل.

وحاولتُ أن أتحكم فى أعصابى.. ورجَوتها أن تعود إلى بيت الزوجية.. بل استعطفتُها وتوسَّلت إليها.. عودى يا هدى.. أرجوك! وكلَّما بالَغتُ فى الاستعطاف والتوسُّل تُبالغ هى فى الرفض.

وضاعت توسلاتى فى الهواء.. لم تجد أُذنًا صاغية.. بل إنها لم تتوقف حتى عن انهماكها فى إكمال زينتها.. ولم تترك أصابعها مساحيق التجميل.. لكنى كنتُ صبورًا جدًّا؛ فرغبتى فى عودتها إلى البيت شديدة وصادقة ومُلحَّة.. وعدتُ أرجوها وأستعطفها وأتوسَّل إليها.. فوجئتُ بها تتركنى وتخرج مُسرعة بعد انتهائها من وضع مساحيق التجميل بحجَّة أنها «مستعجلة جدًّا»، وبحجَّة اقتراب موعد البروفة مع المخرج حسن عبدالسلام مخرج مسرحية «مجنون بطة».

وحاولَت نبيلة أن تُخفف عنى وقالت:
«سيبها كام يوم.. لغاية ما تروح عنها العصبية دى».
«حاضر يا بنتى».

وخرجت من مسكن نبيلة.. وفى الشارع اهتزَّت الأضواء أمام عينىَّ.. ولم أعد أرى غير الظلام.
كل شىء أمامى أسود.. أسود.. جلستُ أمام مقعد القيادة داخل سيارتى.. وشعرت بأننى غير قادر على التحرك.. طريقى غير واضح أمامى وكل شىء أسود.. أسود.. لم أعد أرى غير السواد.. ضاع النور من طريقى وحياتى.. هل هذه مقدمة فقدان البصر؟
هل سأصاب بالعمى؟ هل سأفقد نور الحياة؟ وأسرعتُ أطلب السائق الذى جاء بسرعة مُنزعجًا شاحبًا.
وفى الفيلَّا الكئيبة الصامتة زاد قلقى؛ فكلُّ شىء فيها يُذكرنى بكل الذى كان.. لا بد أن أفرَّ وأهرب من هذه الذكريات السعيدة التى تخنق أنفاسى وتعذبنى عذابًا لا يُحتمل.. وأسرعت إلى التليفون أسأل عن صحَّة أبى.. وسمعت صوت أمى العزيزة حزينًا مُلتاعًا.. لقد عرفتْ ما حدث لى وطلبت منى أن أذهب إليها.. وأسرعتُ إليها.. إنها ملجئى الوحيد.. وما إن فتحت لىَ الباب حتى ألقيتُ بنفسى فى أحضانها وأنا أبكى كالأطفال.. وأستنجد بها وأطلب نُصحها ومشورتها.. وأسكب دموعى فوق صدرها الحنون.
وقادتنى أمى إلى غرفة بعيدة عن الغرفة التى يرقُد فيها أبى المريض، حتى لا يشعر بشىء مما حدث.. تكفينا كارثة واحدة.. وراحت أمى تُهون علىَّ الأمر وتُجفف دموع ابنها الذى تحول أمامها إلى طفل صغير.. ولم تتركنى أخرج وحدى.. وبقيَتْ طول الليل ساهرة على راحتى وراحة أبى.. تراعى مريضَين فى وقت واحد.. مريضًا هدَّتْهُ الشيخوخة.. ومريضًا هدَّهُ الحب.. يكاد جفاء الأحياء أن يقتله.. فى هذه الليلة عرفت أن حبى لزوجتى مرض مُستعصٍ، دعوت الله أن يُخفف عنى آلامه الرهيبة.

فى الصباح جاء شقيقى أحمد الذى أخذ على عاتقه مهمة اصطحاب والدتى والذهاب إلى زوجتى هدى سلطان طالبين منها العودة إلى الحياة الزوجية.
وبقيتُ فى بيت أبى وأمى أعدُّ الساعات والدقائق وانتظِر نتائج هذه المساعى الحميدة.. فقد ينجحان فى إقناع زوجتى حتى يعود إلى حياتنا، التى كانت مضربًا للأمثال، هدوءُها القديم.
ولكنى رأيت النتائج غير السارَّة لهذه المباحثات على وجهَى أمى وأخى.. لقد أصرت على رأيها ورفضت العودة..

ماذا أفعل يا ربى؟

هل أستسلم لهذا المصير المشئوم.. لقد انفصلتُ عن زوجتى الأولى لأسباب خارجة عن إرادتى.. لا أريد لهذه التجربة أن تلقى نفس النهاية المحزنة.. وبدون أن أشعر أو أقصد ارتفع صوتى.. فالصبر له حدود.. والإنسان مهما كان صبورًا لا بدَّ أن تأتيه لحظة الغضب، وهناك حكمة معروفة تقول «اتَّق غضب الحليم».. يبدو أن صوتى الذى ارتفع على الرغم منى قد جعل والدى الحبيب الراقد ساكنًا فى فراشه يفهَم ما جرى لتلميذه وابنه.. لكنَّ المرض كان أقوى من قُدرته على الكلام..

أبى العزيز الذى عاش يشجعنى ويوجهنى وينصحنى ويعلمنى دروسًا غالية بدأ يشعُر بمأساتى.. لكنه غير قادر هذه المرة على توجيهى ونصحى وإرشادى.. المرض أقوى منه ومنَّا جميعًا..
لكنى عندما كنتُ أدخل إلى غرفته أرى فى عينيه نظرات المواساة.. إنه يُشاركنى مأساتى.. يواسينى فى صمت.. هذا ما تقوله عيناه.. وذات مرة تحركت أصابعه بإشارات فهمتها.. إنه يسألنى عنها.. عن زوجتى التى هجرت بيت الزوجية ورفضت كلَّ المساعى الحميدة..

قلت له: إننى أحاول أن أقنعها.. لا تشغل نفسك بذلك.. حاولتُ أن أرسم ابتسامة فوق وجهى البائس.. أردتُ أن أكون رحيمًا به.. «كل شىء حيتصلح يا بابا.. كل شىء حيتصلح» رغم أنى أشعر فى قرارة نفسى بأن الأمل ضعيف.. ضئيل.. لكنى أحاول أن أعيدها من أجل بناتى.. حتى لا أُسىء إلى واحدة منهن.. وحتى لا أُسبب أى حرَج لزوج الأولى المهندس.. ولا لزوج الثانية الضابط.. ولا للابنة التى لا تزال طالبة.. خاصَّة أنَّ هذه الخلافات الزوجية قد وصلت إلى صفحات المجلَّات والصحف..

وأنا أتذرَّع بالصبر.. أحاول أن أتماسك رغم كل شىء.. وعلى الرغم منِّى بدأتُ أهمل عملى وصحتى.. لم أعد مُتحمسًا للعمل.. ولم أعد أهتمُّ بصحتى.. كنت قد بدأت العمل فى فيلم «طريق الانتقام»، الذى أنفقتُ عليه ١٧ ألف جنيه.. لكنى لم أعُد قادرًا على الاستمرار.. الفنان إنسان أولًا.. بشر مثل كل الناس.. كيف يُعطى فنًّا وهو تعيس؟ كيف يصنع النجاح والفشل يُطارده فى حياته الخاصة.

وأصبحت الكأس رفيقتى لا أفارقها ولا تُفارقنى.. وذات ليلة أقبل علىَّ الإذاعى المعروف وجدى الحكيم ووجدنى فى هذه الحالة النفسية السيئة.. وقال لى «يا راجل.. أنت حتموِّت نفسك، مش كفاية فيلم (طريق الانتقام) إللى رَميته..».

قلت: مش عارف أشتغل.. مش عارف..
وقال وجدى الحكيم: روح لها دلوقت البروفة.. كلِّمها.. وروَّحوا سوا..
تفتكر يا وجدى حتوافق؟

واستطاع أن يقنعنى بسهولة بهذه الفكرة، خاصة أنى لم أكن فى كامل وعيى.. واستهوتنى الفكرة.. وجدتُ مكانًا فى نفسى الفارغة.. كانت الساعة وقتها قد تخطت منتصف الليل.. وذهبت إلى مسرح الحرية الذى تُجرى فيه فرقة الفنانين المتحدين بروفات مسرحية «مجنون بطة» التى تقوم هدى سلطان ببطولتها مع أمين الهنيدى من إخراج حسن عبدالسلام..

ورحَّبوا بى جميعًا.. ضحك أمين الهنيدى مُرحبًا: أهلا يا ملك.. وقال حسن عبدالسلام «أهلًا وسهلًا يا سعادة البيه.. اتفضَّل اشرب قهوة».. ليست هذه أول مرة ألتقى فيها بالمخرج حسن عبدالسلام.. فقد رأيتُه قبل ذلك عندما كنت أقوم بإنتاج فيلم «رضا بوند».. وكان مدير الإنتاج قد حدَّد له أجرًا كمُمثِّل قدره خمسة عشر جنيهًا فى اليوم.. لكنه جاءنى وقال: «إنَّ أجر خمسة عشر جنيهًا فى اليوم أجر ضئيل.. إنَّنا زملاء، وأنا خريج معهد التمثيل مثلك.. إنَّنى أريد ٢٥ جنيهًا فى اليوم..» وقلتُ لهم: أعطوه المبلغ الذى يُريده.. فأنا أحبُّ وأقدر زملائى من خريجى معهد التمثيل.

هذه ثانى مرة أراه فيها وهو يُخرج «مجنون بطة» لزوجتى.. رحتُ أتأمَّله فى هدوء.. والوقت يمرُّ لكنى بقيتُ حتى انتهت البروفة..

وقلتُ لهدى سلطان: «اتفضَّلى اركبى عربيتى المرسيدس السودة إللى واقفة قُدَّام باب المسرح.. إنتى عارفة قد إيه أنا إنسان طيب.. اركبى وإلَّا حتحصل مجزرة قدَّام كل الناس دى».

وخرجت فى هدوء وركبت سيارتى المرسيدس السوداء.. بينما المخرج حسن عبدالسلام يُودعنا بنظراته التى تعلَّقت بالسيارة التى اختفت وابتعدت عنه.. وتوقَّفت السيارة أمام الفيلا التى شهدت أروع أيام عمرنا وطلبتُ منها النزول.. لكنها رفضت.

يا هدى اعقلى.. حرام.. دا أنا لو إسرائيلى متعمليش كده معاه.
قالت: «إوعى تيجى المسرح تانى أحسن أهزَّأك.. إياك تيجى المسرح تانى.. إنت راجل معروف وشخصيتك كبيرة، ولو جيت المسرح حاهزَّأك».

كلمات مثل السكاكين الحادَّة التى شعرتُ بأنها تنغرس فى قلبى وأحشائى.
لماذا أُهين نفسى إلى هذا الحد؟
وعادت تقول: «إننى أطلب الطلاق ومُصمِّمة عليه.. وإذا حضرت مرة ثانية على المسرح حاحرجك.. حاحرجك».

وكدت أن أرتكب عملًا وتصرفًّا صبيانيًّا فى هذه اللحظة.. لكنَّ خوفى من فضائح الصحف والمجلات.. وحرصى على مشاعر بناتى هو الذى منعنى وجعلنى أتذرَّع وأتمسَّك بالصبر إلى آخر مدى.
كنتُ أريدها أن تعود لابنتها الصغيرة المراهقة.

ألم تفكرى فى موقف ابنتنا المراهقة مها؟ كيف تواجه زميلاتها فى المدرسة؟ وماذا يحدث عندما يتقدَّم لها خطيب فى يوم من الأيام؟

انتظرى يا هدى حتى تزفَّ هذه العذراء أو تتزوج.. حتى تخرج مُعززة مُكرمة من بيت أبيها وأمها، حتى بيت الزوجية مثل باقى أخواتها.. تحملى قليلًا، حتى ولو كنتِ لا تُطيقين الحياة معى.. وتحملى من أجل هذه العذراء البريئة.. تخيلى يوم زفافها.

ألم تفكرى يا هدى فى مواردك المادية خلال الفترة المقبلة؟ إن الحياة صعبة والمعيشة أصبحت تحتاج إلى بذل مجهود أكبر.. إنك تبذلين هذا المجهود الكبير ولمدة ثلاث ساعات كل ليلة فوق خشبة المسرح لكى تحصلى على مبالغ ضئيلة.. فكرى يا هدى.. بل إن ابنتنا الرقيقة الصغيرة مها ركعت تحت قدَمَيها تطلُب منها البقاء.. «من أجل خاطرى يا ماما.. انتظرى حتى أُتمَّ تعليمى. حتى أخرج من هذا البيت.. إن كل واحدة من أخواتى أصبحت فى حماية رجل.. أما أنا.. أرجوك يا أمى».

لكن الأم الوفية الحنون لم تهتز أو تتأثر لنداء ودموع ابنتها.. وتركت ابنتها.. وتركتنى.. غير عابئة بكل التوسُّلات.. وذهبت إلى الشقة التى كانت قد استأجرتها حديثًا دون علمى.

وذهبت إلى بيت أمى.. ودخلت غرفة أبى.. وجهه المعذَّب يقول إنه لم يعُد قادرًا على مقاومة هذه المعركة الطويلة مع المرض الذى لا يرحم.. وهمست عمتى فى أذنى بكلمات اقشعرَّ لها بدنى..
هل هذا صحيح؟ النهاية تقترب.. النهاية اللعينة.. أصابع الموت الوحشية تمتدُّ لتأخذه من بينِنَا.. وانسحبتُ إلى غرفة مجاورة أحاول أن أكبتَ دموعى..

المفروض أن الرجال لا يبكون.. هكذا يقولون.. أليس الرجل إنسانًا له أحاسيس ومشاعر.. ما معنى الصلابة عندما يفقد الرجل أعزَّ من له فى الوجود.. إنَّ قلوبنا ليست من أحجار لا تسمع ولا تحس.
النهاية تقترب.. ما أصعب النهايات.. إننى أواجِهُ نهايتَين قاسيتَين فى وقتٍ واحد.. نهاية حياتى الزوجية.. ونهاية أبى.. وبكيتُ.. بل أصبح نشيجى المكتوم مسموعًا صارخًا.. أبى الحبيب يموت.. يلفظ أنفاسه الأخيرة فى الغرفة المجاورة..

لطفك يا رب.
هذا قدرك ومشيئتك.. لكنى كنت أرجو ألَّا تأتى هذه النهايات الأليمة وأنا على هذا الحال، كنت أودُّ ألا يكون آخر منظر يراه أبى.. منظر ابنه يائسًا فاشلًا فى حياته الزوجية.. حتى لا يشعر بأن حياته ضاعت هباءً دون أن يقدر على فعل شىء من أجلى.
لقد فعل المستحيل لكى أنجح وأعيش سعيدًا.. وها هو ذا يرحل من هذه الحياة تاركًا إياى فى أتعس الظروف والأحوال.
وداعًا يا أبى الحبيب.. أيها المربى الفاضل.. يا أستاذى.. يا معلمى.. إلى جنة الخلد أيها العظيم.. يا من زرت قبر الرسول.. يا من امتلأ قلبك بالإيمان.. يا من لم تترك فرضًا واحدًا من فروض الدين.. يا من لم تُغضب أحدًا منك أبدًا طوال حياتك.. يا من كنت رفيقًا بنا.. بأولادك.. حبيبًا لزوجة طيبة صالحة لم تُغضبك أبدًا ولم تُفارقك.. ظلَّت سنوات العمر كلها إلى جانبك تحنو عليك وتُخفِّف عنك آلامك.
أمى الطيبة لها الجنة مثلك.

كنتُ أتمنَّى أن يهبنى الله زوجةً صالحةً مثلها.. لكن زوجتى تركتنى يا أبى لأسباب تافهة واهية.. إنها حتى لم تزُرك أثناء مرضك رغم أنى تحمَّلتُ عنها أمراض ومتاعب أفراد عائلتها.
لقد علَّمتنى الوفاء يا أبى.. فلم أجد منها الوفاء.. علَّمتنى التسامح.. فلم أجد عندها التسامح..
حانت الساعة يا أبى لكى تنتقل إلى جوار ربك.
وداعًا.. وداعًا.. وداعًا.. يا صديقى.. يا أستاذى.. يا معلمى.. يا أبى.