رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 04 يوليه 2020 الموافق 13 ذو القعدة 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

فى رحيل أسقف عاش راهبًا

الثلاثاء 26/مايو/2020 - 11:39 ص
طباعة
فى 14 مايو 2020 رحل بشيخوخة صالحة وحياة نسكية صادقة الأنبا رويس الأسقف العام (1939 – 2020)، والذى له الكثير من الذكريات المحببة فى نفوس أبناء الكنيسة المخلصين، ففى شهر ديسمبر من عام 1969 استرعى انتباه جيلنا- الذى وُلد فى فترة الخمسينيات من القرن العشرين- سلوك أحد رهبان البرية المصرية وهو الأب متياس السريانى، الذى رفض بإصرار اختيار البابا كيرلس السادس البطريرك 116، له ليكون أسقفًا على إيبارشية دمياط وقال كلمته المشهورة عندما لاحقته الصحف ووسائل الإعلام المختلفة: "نفسى التى أعرف كل أسرارها، والتى أعرف طريقة تقويمها، وإذا لمتها لا تحزن منى، نفسى هذه أتعبتنى فى طريق الخلاص، فكم بالحرى آلاف النفوس التى يمكن أن أكون مسئولاً عنها؟). هذا المسلك الرائع أثار انتباهنا نحن الشباب- وكنا فى ذلك الوقت طلاب بالمرحلة الجامعية- فأعاد إلى ذاكرتنا القصص الرائعة التى كنا نطالعها فى كتب تاريخ الكنيسة، عندما كانوا يقيدون رهبان الصحراء حتى يرغموهم على قبول الأسقفية أو البطريركية. فعاشت الكنيسة فى سلام والوطن فى استقرار، فقدم بذلك مثالاً رائعًا للإنسان الذى ذهب للرهبنة بصدق من أجل الرهبنة والرهبنة فقط.
بدأت قصة الراهب الذى قال "لا" عندما تنيح الأنبا تيموثاؤس مطران كرسى الدقهلية عام 1969. ولما كانت إيبارشية الدقهلية مترامية الأطراف ففكر البابا كيرلس السادس- بغرض التركيز فى الخدمة والاهتمام بالعمل الرعوى- أن يقّسم الإيبارشية إلى اثنتين إحداهما إيبارشية المنصورة والأخرى إيبارشية دمياط. من كثرة محبته فى سكرتيره الأب الراهب القمص متياس السريانى فقد اختاره ليكون أسقفًا على دمياط، فما كان من هذا الراهب الصادق مع نفسه إلا أن ذهب لمقابلة البابا كيرلس وطلب منه إعفاءه من هذا المنصب على أساس أنه يريد تهيئة نفسه لحياة النسك والتعبد فى البرية. وهنا أنا أطالع الصفحة الأولى من جريدة "الأهرام" الصادر فى يوم الخميس 18 ديسمبر 1969. (ولما وجد من البابا إصرارًا على رسامته، ترك القاهرة وهرب إلى الصحراء ليحول دون إتمام الرسامة التى دعا البابا بالفعل مطارنة الكنيسة القبطية وأساقفتها لحضور احتفالها بالكنيسة المرقسية. فقرر البابا تأجيل الرسامة حتى يمكن العثور على الأب الراهب الذى هرب). هذا الأب كان يحمل اسم "مختار فهمى المنياوى" وكان من ميت غمر، وقد تخرج فى كلية التجارة سنة 1959 جامعة القاهرة، والتحق موظفًا بديوان المحاسبات. وبعد فترة ذهب للرهبنة بصدق بدير السريان عام 1963 وأخذ اسم الراهب "متياس السريانى". وبعد أن قام البابا كيرلس السادس فى 30 سبتمبر 1962 برسامة الأب أنطونيوس السريانى أسقفًا على المعاهد الدينية والتربية الكنسية باسم الأنبا شنودة (البابا شنودة الثالث فيما بعد)، قام الأنبا شنودة باستدعاء الأب الراهب متياس السريانى ليكون مشرفًا روحيًا بالكلية الإكليريكية بالقاهرة، ثم اختاره البابا كيرلس السادس سكرتيرًا خاصًا له وأمينًا لمكتبة البطريركية. بعدد جريدة "الأهرام" الصادر صباح الجمعة 19 ديسمبر 1969 نطالع الآتى: (ظهر أن الراهب المختفى، القمص متياس السريانى، قد غادر القاهرة إلى دير السريان الذى ترهب فيه، حيث يقضى فترة للتعبد، بعد أن رأى إصرار البابا كيرلس السادس على رسامته أسقفًا لإيبارشية دمياط، بعد أن كان سكرتيرًا خاصًا له).. ثم بعدد السبت 20 ديسمبر 1969 نشرت جريدة "الأهرام" التالى: (كان الراهب قد وصل إلى الدير قبيل منتصف أمس الأول- الأربعاء- وتقابل مع زملائه الرهبان حيث روى لهم قصة عزوفه عن قبول منصب أسقف دمياط، ثم قصد وحده إلى صومعته- قلايته- بعد صلاة نصف الليل. وفى الصباح وصل الوفد الذى أرسله البابا كيرلس السادس للبحث عن الراهب وإعادته، وتوجه الوفد إلى صومعة الراهب، ولكنهم اكتشفوا اختباءه فجأة. ظل الوفد ورهبان الدير يبحثون عن الراهب متياس طويلاً دون أن يعثروا له على أثر، بعد أن ترك سيارته وأمتعته الشخصية فى الدير واختفى). وبعدد جريدة "الأهرام" الصادر صباح الأحد 21 ديسمبر 1969 نطالع ما يلى: (لم يسفر البحث أمس عن الراهب متياس السريانى السكرتير السابق للبابا كيرلس السادس، والذى اختفى بعد اختياره لمنصب أسقف دمياط، عن العثور عليه.. ومن المُرّجح أن يعود الراهب إلى الدير بعد إتمام مراسم تنصيب مطرانى المنصورة ودمياط اليوم (الأحد)- وهى المراسم التى بدأت مساء أمس- وذلك بعد أن اختار البابا الراهب موسى المقارى (من دير أنبا مقار وأحد تلاميذ الأب متى المسكين) ليكون أسقفًا لدمياط بدلاً من الراهب متياس السريانى.
حدث بعد ذلك فى عام 1977- فى حبرية البابا شنودة الثالث- أن قام البابا بالضغط على الأب الراهب متياس السريانى بقبول الأسقفية، وأمام الأصرار- ولم يقدر أن يهرب كما فعل من قبل- وافق على طلب البابا بشرط أن يحمل اسم "رويس" ليكون مرتبطًا بمنطقة الأنبا رويس ولا يتم بأى حال من الأحوال إرساله إلى أي أسقفية خالية لسببين: أولهما: يريد أن يحيا حياته الرهبانية الحقيقية، إذ كان يدرك بصدق خطورة العمل الرعوى، ثانيهما: يدرك تماماً أنه لا يجوز- من الناحية القانونية- أن يكون أسقفًا ثم يتم إرساله لرعاية أسقفية أخرى، فالقوانين الكنسية صارمة وتنفيذها واجب. ويذكر الموجودون بمنطقة المقر البابوى بالأنبا رويس بالعباسية، أنهم كانوا يشاهدونه يخرج ليلاً من صومعته البسيطة جدًا ويتمشى بالمنطقة فى ضوء القمر وهو مكتف اليدين، ويسير بهدوء متطلعًا إلى السماء، مصليًا فى خلوة حقيقية، وهو هادئ النفس، بسيط جدًا فى معاملاته مع الناس بمختلف أعمارهم وطبقاتهم. كان يحلو له يوم الجمعة، أن يستيقظ مبكرًا ويستقل سيارته البسيطة ويقودها بنفسه إلى كنيسة السيدة العذراء المعروفة بـ"قصرية الريحان" بمنطقة مصر القديمة، حيث يصلى صلاة القداس هناك، ثم يعود فى صمت وهدوء إلى صومعته حيث خلوته الخاصة، كان مثالاً رائعًا للراهب الذى لم يتخل عن حياته الرهبانية البسيطة طوال حياته.
تعود معرفتى وصداقتى له منذ ديسمبر 1975 عندما حضر إلى مدينة تورنتو- كنت وقتها طالب درجة ماجستير بجامعة "يورك" York بتورنتو- لمساعدة الكاهن فى الخدمة وأيضاً لدراسة بعض المقرارات اللغوية بجامعة تورنتو، حتى إنه أقام بإحدى الحجرات بالمدينة الجامعية المخصصة لطلاب الجامعة ولم يفارقه الهدوء الذى يتمتع به. أذكر أيضاً، أنه بعد أشهر قليلة من وصول الأب متياس السريانى للخدمة فى تورنتو، أن وصلت مكالمة تليفونية من المقر البابوى بالقاهرة للقمص مرقس مرقس- كاهن الكنيسة- تفيد بأن والدة الراهب متياس السريانى قد انتقلت. فى ذلك الوقت لم تكن خدمة التليفونات المحمولة متوافرة. فاجتمع الأفاضل أعضاء مجلس الكنيسة مع الأب مرقس مرقس ليفكروا كيف يبلغون الخبر للراهب متياس السريانى. ذهبوا جميعًا إلى مقر إقامته بالمدينة الجامعية بجامعة تورنتو وجلسوا معه. وأخذوا يتحدثون معه لكنهم فى ارتباك شديد. نظر إليهم وقال لهم: (عاوزين تقولوا لى إن والدتى قد انتقلت؟ لا غرابة فى ذلك لأنى أنا سبق ومُت قبلها!! فكيف تقدمون عزاءً لميت فى رحيل ميت آخر!!). لأنه كان فعلاً يعيش كإنسان ميت عندما تمت عليه صلاة الراقدين عند رهبنته. وجد أعضاء مجلس الكنيسة أنفسهم أمام قامة روحية عالية جدًا وحياة صادقة مع الله. لكن حدث فى الفترة الأخيرة من حياته أن أصيب بمرض فقدان الذاكرة "ألزهايمر" لكنه عاش فى قلايته بإحدى مبانى منطقة الأنبا رويس كأحد رهبان البرية المصرية.
ads