رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 03 شوال 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

تبرعوا لمستشفى العباسية

الخميس 14/مايو/2020 - 07:28 م
طباعة
مستشفى العباسية للصحة النفسية، يكاد يكون المستشفى الوحيد، بين مستشفيات مصر الكبرى والصغرى، الذى لا يشمله كرم شهر رمضان المبارك، والكريم. وكثيرًا ما التفت بعض الأصدقاء إلى ذلك، على سبيل التنكيت، أو للسخرية من سيل إعلانات التبرعات الذى يغرق الشاشات.
مع ظهور فيروس كورونا المستجد، تركز الاهتمام على حماية الصحة الجسدية، لكن اتضح مؤخرًا أن الوباء يتسبب فى مشكلات نفسية، وأمراض عصبية، لدى عدد كبير من سكان هذا الكوكب. وأمس، الخميس، حذرت الأمم المتحدة، فى تقرير، من أن الوباء سيثير أزمة دولية كبرى فى مجال الصحة العقلية. وطالبت باتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة المشكلات النفسية الناتجة، أو التى ستنتج، عن المرض.
بعد عقود من الإهمال وقلة الاستثمار فى خدمات الصحة العقلية، سلّط تقرير الأمم المتحدة الضوء على الضغوط النفسية، التى لا يعانيها فقط المصابون وذووهم، بل يعانيها أيضًا مَن يخشون الإصابة أو الموت بذلك المرض الذى أودى بحياة أكثر ٣٠٠ ألف شخص منذ ظهوره فى الصين أواخر العام الماضى. إلى جانب التأثير النفسى على أعداد كبيرة من الأشخاص الذين فقدوا عملهم أو معرضين لفقدانه، وانفصلوا عن أحبائهم أو عانوا تدابير الإغلاق الصارمة.
تقرير صدر أمس الخميس، أيضًا، عن مجموعة من الدراسات الوطنية، أشار إلى أن الاضطراب العقلى يتزايد بسرعة، وأظهرت إحدى الدراسات التى أجريت فى ولاية أمهرة الإثيوبية أن ٣٣٪ من السكان يعانون أعراضًا مرتبطة بتلك الاضطرابات. كما أظهرت دراسات أخرى أن معدل انتشار الاضطراب العقلى خلال فترة تفشى الوباء زاد بنسبة ٤٥٪ فى الولايات المتحدة و٦٠٪ فى إيران. وطبقًا لدراسة كندية، فإن حوالى نصف العاملين فى مجال الرعاية الصحية، يحتاجون إلى دعم نفسى.
اللافت هو أن أنطونيو جوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، الذى لم يكن يفعل شيئًا كسابقيه، إلا الإعراب عن قلقه، التفت إلى قلق ومعاناة البشر والمجتمعات من الضغوط النفسية. وخلال رسالة عبر الفيديو، قال إن تلك الضغوط زادت مع الوباء، واستبعد أن تتوقف بعد السيطرة عليه.
بالتزامن، عقدت ديفورا كيستيل، رئيسة قسم الصحة النفسية وتعاطى المخدرات فى منظمة الصحة العالمية، مؤتمرًا صحفيًا عبر الإنترنت، وصفت فيه الماء، بعد الجهد، بأنه ماء، وقالت: «نعرف أن الأوضاع الحالية والخوف وحالة عدم اليقين والاضطراب الاقتصادى قد تسبب ضائقة نفسية». وأشارت إلى أن هناك تقارير عديدة تفيد بارتفاع حالات الانتحار بين العاملين فى المجال الطبى، موضحة أن هؤلاء يعملون تحت «ضغوط هائلة» ومعرضون أكثر من غيرهم للخطر.
فئات أو مجموعات أخرى كثيرة تواجه تحديات نفسية سببها الوباء، مثل تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات المتوقفين عن الدراسة، ويواجهون حالة من عدم اليقين والقلق، إضافة إلى النساء اللاتى يتعرضن للعنف المنزلى، أو يخفن من احتمالات تعرضهن له، مع البقاء لفترات طويلة فى المنزل. وهناك أيضًا المسنون والأشخاص الذين يعانون مشكلات صحية، المعرضين بشكل خاص لخطر الإصابة بالفيروس.
مع كل هؤلاء، وفى أول الطابور يقف حكام بعض الدول الذين لم يوقفهم تفشى الوباء فى بلادهم، بمعدلات خطيرة، عن مواصلة اللعب القذر ضد دول أخرى. ولن نختلف لو خطر على بالك الرئيس التركى، رئيس الوزراء البريطانى، المستشارة الألمانية أو العائلة الضالة التى تحكم قطر بالوكالة، أو... أو... أو أى حاكم، أصيل أو وكيل أو عميل، تدهورت أوضاع بلاده السياسية والاقتصادية، ثم الصحية، لاهتمامه بتصفية حسابات داخلية أو خارجية، أكثر من اهتمامه بحماية شعبه.
بهذا الشكل، ومع موجات الحر، التى بدأت، ومن المرجح جدًا أن تزداد شدتها، وفى وجود مؤشرات كثيرة على أن العالم سيشهد خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة تقلبات سياسية واقتصادية. وبعد كل ما نتعرض له يوميًا من «هرى» و«هبد» وشائعات، يكون علينا أن نكتفى بما تبرعنا به لأى مستشفى أو جمعية، وأن نتبرع منذ الآن ولاحقًا، أو من هنا ورايح، إلى مستشفى العباسية.
هذا المستشفى، مستشفى العباسية للصحة النفسية، يستقبل حوالى ستة آلاف مريض شهريًا، وأكثر من ثلاثة آلاف متردد على عيادة الإدمان. ولا يدفع هؤلاء إلا جنيهًا واحدًا، هو قيمة الكشف والمتابعة وصرف الأدوية والإقامة إذا تطلبت حالة المريض احتجازه: حوالى ٦٠٪ من نزلاء المستشفى تتحمل الدولة تكاليف إقامتهم وعلاجهم، بينما يتراوح ما يدفعه الـ٤٠٪ الباقين بين ٣٠٠ و١٢٠٠ جنيه شهريًا.
.. وتبقى الإشارة إلى أن كثيرين جدًا من نزلاء هذا المستشفى العريق، العظيم، ليس لهم مأوى غيره، بعد أن تخلى عنهم ذووهم. ويكفى أن تعرف، مثلًا، أن إحدى النزيلات، دخلت المستشفى سنة ١٩٦٧ ولم تغادره إلا سنة ٢٠١٨، حين انتقلت إلى مقابر الصدقة، حيث كانت تنتظرها، قطعًا، رحمة الله.