رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 03 شوال 1441
ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي

قطر والإخوان أدوات للإرهاب في منطقة ملتهبة

الأربعاء 13/مايو/2020 - 12:06 م
طباعة
حين ادلهمت الخطوب بالإخوان في مصر بعد ظهور عبد الناصر والنظام الثوري كانت الأوامر البريطانية للإخوان أن اذهبوا لقطر فإن لهم فيها ذمة وصهرا، لهم فيها ملك خليجي من آل ثاني يرتع الإخوان عنده ويساعدونه على تكبير وتضخيم دولته، وهناك في قطر أنشأ الإخوان لهم تنظيما قويا استطاع أن يكون التنظيم الأكبر تأثيرا فيها، بل انه أصبح موازيا من حيث القوة لقوة الأسرة الحاكمة هناك.
ولكن كيف تكوَّن تنظيم الإخوان في قطر؟ ومتى؟ البداية كانت من مصر من خلال شيوخ الإخوان الذين تزعمهم الشيخ عبد البديع صقر ومن بعده الشيخ يوسف القرضاوي وآخرين، هؤلاء الشيوخ ومن تبعهم ووالاهم ذهبوا إلى قطر هربا من مصر وكأن قطر كانت وظلت مأوى للهاربين من مصر الخارجين على قانونها وشرعيتها، وفي قطر اهتم شيوخ الإخوان في الخمسينيات والستينيات ببناء المساجد والمدارس، والمعاهد الدينية، فمن خلالها يستطيعون توجيه العقول والسيطرة عليها، وبواسطة المخابرات البريطانية عقدوا صلات قوية مع الحكام، وكان أن وجهوا اهتمامهم للعمل الخيري والدعوي، فتأثر بهم عددٌ من الشباب القطري .
وفي منتصف السبعينيات تشكل تنظيم الإخوان القطري من خلال اجتماع حضره مائة شخص قطري بمباركة من يوسف القرضاوي والشيخ الإخواني المصري علي السالوس، والشيخ محمد الغزالي، وقرروا تشكيل تنظيم الإخوان في قطر بشكل رسمي وبمباركة من الحكام، وأنشأوه على نفس نظام تنظيم الإخوان الأم في مصر . فكانت قطر من الناحية التنظيمية بمثابة منطقة ... وفيها أربع شُعَب ، وكل شُعبة فيها أربع أسر، وكل أسرة تتكون من خمس أفراد، ثم هناك في القمة مكتب إداري، واختار الإخوان هناك رجلا من كبار العلماء القطريين كي يكون مراقبا عاما للإخوان هناك هو الشيخ "عبد الله الأنصاري" .
وكان الشيخ الأنصاري قد ارتبط ارتباطا وثيقا بالإخوان من خلال الشيخ يوسف القرضاوي، وفي منتصف الثمانينات جاء الأنصاري مع القرضاوي إلى مصر وتقابلا مع الشيخ عمر التلمساني مرشد الإخوان، وفي أيامها رحب الإخوان ترحيبا كبيرا بالشيخ الأنصاري، وألقى درسا في حضور الشيخ القرضاوي بمسجد خضر التوني بمدينة نصر بالقاهرة الذي كان وقتها مسجدا جديدا استطاع الإخوان السيطرة عليه.
وفي تلك الزيارة أعطى الشيخ عبد الله الأنصاري البيعة للمرشد عمر التلمساني نيابة عن إخوان قطر، وكلفه المرشد التلمساني بأن يتلقى بيعة إخوان قطر نيابة عنه، وبهذا أصبح إخوان قطر أعضاءً في التنظيم الدولي للجماعة، وقد حضرت بنفسي ـ ثروت الخرباوي ـ جانبا من هذه الزيارة في مقر الإخوان بشارع سوق التوفيقية، إذ أنني بعدها أخذت الشيخ عبد الله إلى لقاء "كتيبة إخوانية" في حي الزيتون حيث ألقى درسا دار معظمه حول تاريخه وتلقيه العلم وحفظه للقرآن وهو بعد طفل صغير وتتلمذه على بعض علماء الحرم وإعجابه بحسن البنا وأمنيته أن يراه ويجلس معه ولكن الله لم ييسر له هذا الأمر فمات البنا ولم يلتق به الأنصاري، ثم تحدث عن إعجابه بعمر التلمساني وأنه شعر أنه أخوه الذي لم تلده أمه، وأظن أن الشيخ الأنصاري توفي في بداية التسعينيات
ومن الشخصيات الإخوانية القطرية المهمة جاسم محمد سلطان، وهو أحد أكبر قيادات الإخوان السابقة في قطر، وقد التحق بكلية طب القاهرة في منتصف السبعينيات، وكان زميلا لعبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان ومن خلالهما تعرف على الإخوان، إلا أنه لم يكن مهتما بدراسة الطب وكان اهتمامه الأكبر بدراسة العلوم الإنسانية والفلسفة والتاريخ، وهو عقلية منظمة ومرتبة، واكتسب ثقافة كبيرة من خلال نهمه الشديد للقراءة والإطلاع ومحاورة كبار الأدباء والمثقفين، وعندما عاد لقطر في أوائل الثمانينات التحق بالإخوان وتعرف على يوسف القرضاوي، إلا أنه وقف أمام أشياء في تاريخ الإخوان، منها عمليات الاغتيال التي قامت بها الجماعة في الأربعينيات، وخلافهم مع جمال عبد الناصر، وعدم قيامهم بإجراء أي مراجعات فكرية، ووقوفهم عند أفكار حسن البنا، وتأثرهم بأفكار سيد قطب، وهو يرى أن أفكار الشيخ محمد عبده كان من الممكن أن تكون بداية جيدة للإخوان في السبعينيات، إذ لو وقفوا عندما وأخذوا بها وطوروها لأصبحت حركة الإخوان حركة فكرية تجديدية في ظنه ولكنهم لم يفعلوا ذلك لأن تربيتهم لا تسمح لهم بالتجديد على الإطلاق .
ومن أفكاره يرى سلطان أن فكرة التنظيم أصبحت فكرة بالية لا قيمة لها، وأن الإخوان يجب أن يبتعدوا عن العمل السياسي الحركي وينطلقوا من العمل الفكري التجديدي، ويرى أيضا أن فكرة إسقاط الدولة التي تبناها سيد قطب هي فكرة شيطانية، ويطالب سلطان في مشروعه الفكري بأن الدولة الحديثة يجب أن تنطلق في فهمها للإسلام من نقطة "المصالح المرسلة" فحيثما كانت المصلحة فثم وجه الله، وأننا لذلك يجب أن نهجر مدرسة النقل ونرفع من قيمة مدرسة العقل. وتكمن أهمية جاسم سلطان في أنه بدأ يفكر في نهايات التسعينيات في ضرورة حل تنظيم الإخوان في قطر، وقال إنه لا ضرورة له، وكان جاسم يشغل وقتها موقعا قياديا كبيرا في سلم التنظيم بقطر، ثم قام باستضاف مجموعة من المفكرين الإسلاميين الكبار من كافة أنحاء العالم وأجرى معهم حوارات مثمرة، وكان من هؤلاء الدكتور عبد الله النفيسي المفكر الإخواني الكويتي الذي كان قد سبب غضب الجماعة الأم في مصر بكتابه "أوراق في النقد الذاتي" .
وعقد النفيسي مجموعة من اللقاءات مع عدد من شباب الإخوان القطريين في وجود جاسم سلطان، وانتهى معهم إلى أن قرار حل جماعة الإخوان في قطر هو أعظم قرارات الجماعة عبر تاريخها، وخرج النفيسي ليكتب عن هذه التجربة، ويصدر فعلا جاسم ومعه مجموعة من شباب الإخوان القطريين قرارا في 2000 بحل تنظيم الإخوان في قطر، وكان وجه الأهمية أن القرار صدر من مجلس شورى الجماعة بقطر، ولكن الدكتور القرضاوي اعترض عليهم وامتعض من قرارهم، وقام بدعم المجموعة القطرية التي قررت الاستمرار في التنظيم، وفي ذات الوقت اعترضت جماعة الإخوان في مصر على هذا القرار وقالت إنه قرار متسرع غير حكيم، وأصدرت عصام العريان تصريحات ضد جاسم سلطان واتهمه بالرعونة، وفي ذات الوقت زعم الإخوان في مصر في تصريحات من كثير من قياداته أن إخوان قطر لم يكونوا تنظيما بالمعنى المعروف، ولكنهم فقط مجرد تيار معجب بنموذج الإخوان الفكري، وأنه ليس للإخوان تنظيما في قطر، وكانت هذه التصريحات لتهوين الأمر أمام شباب الإخوان، ولإحباط كثير من الحركات الانفصالية، وبذلك يُعتبر جاسم سلطان القطري هو أول منشق عن تنظيم الإخوان في العصر الحديث، وفي دولة الخليج بشكل عام، تلاه بعد ذلك عبد الله النفيسي الكويتي، ولكن يُحسب لجاسم أنه نجح في حل جزء من التنظيم.
وبعد حل التنظيم لنفسه في قطر اجتمع مكتب الإرشاد في مصر لدراسة الأمر في غضون عام 2000، وكانت الكلمة الغالبة ساعتها للحاج مصطفى مشهور مرشد الإخوان الأسبق الشهير بـ"ابو هاني"، الذي قرر أن يكون الأمر مثلما هو في الكويت، بمعنى أن يستمر الإخوان القطريين الرافضين لقرار حل التنظيم في البقاء داخل التنظيم ويسعون إلى استعادة التنظيم مرة أخرى وضم أشخاص جدد له، وأن يكون المسئول عنه يسمى "النائب" باعتباره سيكون نائبا للمرشد في مصر في إدارة دفة التنظيم القطري، وكانت كنية الأخ النائب الذي تم اختياره عام 2000 هي "أبو عبد الله". ثم يكون هناك تنظيم آخر للإخوان لا علاقة له بالتنظيم القطري هو تنظيم المصريين، وفي بداية الأمر كان الأخ سامي عبد الجواد الهَرَم شقيق زوجة القرضاوي هو مسئول الإخوان المصريين هناك، وعندما عاد إلى مصر واستقر فيها أصبح الشيخ عصام تليمة هو مسئول الإخوان المصريين، وفي ذات الوقت كان سكرتيرا للقرضاوي، ثم هناك التنظيم الموحد الذي يضم إخوان من جنسيات مختلفة منهم الفلسطيني والسوداني واليمني والنيجيري والجزائري والتونسي وهكذا.
وبذلك نجح الإخوان في احتواء هذا التمرد التفكيكي ودفعوا حاكم قطر إلى تقديم صلاحيات واسعة لهم وتعيينهم في مواقع حكومية حساسة، وساعدهم في ذلك سطوة يوسف القرضاوي هناك، وكيف لا تكون له سطوة وهو الذي قام بتربية وتعليم أمير قطر الحالي عندما كان صبيا صغيرا، وتلك عادة قديمة من عادات الأمراء وهي استجلاب مؤدب ومربي ومعلم لأولادهم، يعلمهم التعليم الأولي إلى أن يشبوا عن الطوق، ولذلك ارتبط أمير قطر تميم بن حمد بمعلمه الشيخ القرضاوي ارتباطا وثيقا، واعتبره كأنه الأب الروحي له.
ليس الموضوع كما نتصور هو مجرد صلات إنسانية أو حتى تنظيمية بين الإخوان وقطر، فوجود بريطانيا وأمريكا في ذات الدائرة يدل على ان قطر الآن هي عبارة عن قاعدة للقوات الأمريكية، وفي ذات الوقت هي قاعدة يستخدمها الأمريكان لإعادة صياغة المنطقة من الناحية الجغرافية والسياسية، والإخوان يتبعان قطر التي تأويهم، وما قطر والإخوان إلا أدوات في يد قائد العالم يوجههما كيف يشاء.