الثلاثاء 31 مارس 2020 الموافق 07 شعبان 1441

كيف كشف جمال حمدان سر جنون أردوغان؟

الأحد 23/فبراير/2020 - 08:30 م
أردوغان
أردوغان
محمد سامى محجوب
طباعة
توتر مفاجئ فى العلاقات بين تركيا وروسيا، بعد سنوات من التنسيق، وتأييد من واشنطن لخطوات أنقرة فى الشمال السورى بعد أشهر من الفتور، وقفزات مفاجئة للمرتزقة عبر إعادة توزيعهم ونشرهم فى ليبيا مع إمداد «العناصر المحلية الداعمة» بالسلاح والخبراء، إلى جانب انتقادات من رئيس الوزراء القطرى المقال لمخطط استعمار تركى طويل المدى لبلاده تحت مظلة القواعد العسكرية.

مشاهد مختلفة ألقت ظلالها على السياسة التركية فى الفترة الأخيرة، فى ظل مسار لا يستقيم على خط واحد، وسياسة ثنائية تتبدل بين التقارب والتباعد مع القوى العظمى، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات وإجراءات مفاجئة فى عدة ميادين، بشكل يصل أحيانًا لحد التهور، الأمر الذى يستدعى فهم الاستراتيجية التركية فى رسم سياستها الدولية من واقع الجغرافيا ودروس التاريخ، كما فصّلها جغرافى مصر الكبير جمال حمدان فى بعض مؤلفاته.

أردوغان
أردوغان
ابتزاز القوى الكبرى ليس جديدًا على الأناضول.. والالتفاف دون مواجهة من سمات التوسع العثمانى
فى كتابه «استراتيجية الاستعمار والتحرير»، وصف جمال حمدان خطوات الدولة العثمانية فى التوسع، أثناء طور تمددها فى القرن الخامس عشر وما يليه، باعتبارها تماثل خطوات الضفدع، أو بالأحرى قفزاته، التى لا تستمر على مسار واحد متصل، بل تترك فجوات بينية دون وصل المناطق التى تستولى عليها مؤقتًا، تمهيدًا لفرض حصار على هذه الفجوات لالتهامها عندما تسنح الفرصة.
هذه الاستراتيجية غير النمطية فى الهيمنة، التى وصفها «حمدان» بـ«القفزة الضفدعية»، تمثلت- على حد قوله- فى أن التوسع العثمانى «لم يكن متصلًا، بدأ من نقطة ثم استمر فى اتجاه وخط متتابع بصرامة، بل هو قد يترك منطقة فى طريقه ويتخطاها إلى ما بعدها، ثم يعود إلى تلك الأولى، فمثلًا قفز إلى البلقان ولم يكن قد سيطر على الأناضول جميعًا، بل لقد ظلت بها أجزاء وقطاعات لم يسيطر عليها إلا بعد أن كان قد وصل إلى الدانوب، كذلك ظل يقيم فى البلقان بل يملكه قرنًا كاملًا وبعض قرن قبل أن يستولى على القسطنطينية».
وفى حديثه عن التوسع العثمانى فى شمال إفريقيا، أكد «حمدان» هذه الحقيقة بقوله: «مرة أخرى تتكرر ظاهرة القفز الضفدعى التى سبقت فى البلقان، فبينما استولت تركيا على الشام ومصر، ظل العراق فترة غير خاضع لها، كذلك سبق الاستيلاء على الجزائر الاستيلاء على تونس، وهذا سبق الاستيلاء على طرابلس، بل يمكن أن نعتبر زحف العثمانية فى المغرب بمثابة تيار عكسى راجع، وأن هناك أكثر من نواة منفصلة متباعدة بدأ منها الزحف فى العالم العربى، ولهذا فإن الفكرة الوهلية التى قد تتصور زحفًا قوسيًا متصلًا من الأناضول حتى الجزائر لا مكان لها فى الحقيقة».
وإضافة إلى هذه الاستراتيجية العثمانية فى التوسع، التى جاءت تحت مسوح الدين الإسلامى لتسهيل المهمة، منحت الجغرافيا لحكام الأناضول ميزة استراتيجية أخرى أوضحها «حمدان» فى المقارنة التى عقدها- فى موسوعته «شخصية مصر»- بين قدرات الدولة المصرية ونظيرتها التركية، رغم تمدد كلتيهما شمال البحر المتوسط وجنوبه، وكأنهما متناظرتان.
وبين «حمدان» فى مقارنته أن تركيا، التى تمثل أكبر جسر برى على الأرض، وتصل بين أوروبا وآسيا، تتمتع، خلافًا لمصر التى تعد جسرًا بين آسيا وإفريقيا، بالقدرة على المفاضلة بين الانتماءين الأوروبى والآسيوى، خاصة أنها تتحكم فى مضيق البوسفور، المسار الأوحد الذى يسمح لروسيا بالوصول إلى المياه الدافئة.
وأوضح أن هذه الميزة التركية لا تتوافر لمصر، التى لا تملك نفس القدرة على المفاضلة بين القوى المختلفة فى علاقتها بالعالم، بل يعد تحكمها فى قناة السويس خطرًا على الجميع بالقدر نفسه، الأمر الذى يحشد الكل ضدها مهما كانت العلاقة معهم، كما حدث أكثر من مرة فى التاريخ، لعل أبرزها مواجهة مشروع مصر زمن محمد على من قبل الروس والبريطانيين والألمان والإيطاليين والفرنسيين لصالح دعم العثمانيين.
وكتب «حمدان» فى الجزء الثانى من موسوعته: «بينما كان هناك دائمًا وإلى الآن حليف من الغرب متطوع متبرع لتركيا، ضد خطر الجارة العملاقة روسيا، يعمل على تدعيمها كقوة وحفظ استقلالها ككيان (فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة على التعاقب)، كانت مصر على العكس تجد العدو الجاهز المقيم، ومن نفس حلفاء وسندة تركيا، دونما حليف تعتمد عليه جديًا بالضرورة».
هذا التحكم فى عقدة الاتصال الروسى منح تركيا القدرة على ممارسة الابتزاز لكل من أوروبا وروسيا على حد سواء، وجعل الطرفين يتنافسان من أجل دعم حكام الأناضول، فمن جهتها تسعى أوروبا إلى تقريب الأتراك للتأثير على الروس، ومن الجهة الأخرى يبحث الروس عن وسيلة لإرضاء الأتراك لضمان المرور السلس إلى المياه الدافئة والوصول إلى الشرق الأوسط، فى ملتقى القارات الثلاث ومسارات التجارة والطاقة.
ووفقًا لهذه الآلية، فإن تاريخ الاستراتيجية الدولية لتركيا يمكن تلخيصه فى كونه فترات تقارب مع أوروبا تستهدف الحصول على أكبر دعم سياسى ومالى ممكن عبر مناكفة الروس، تعقبها فترات انقلاب وتحالف مع الروس وممارسة الابتزاز مرة أخرى لتحقيق أقصى استفادة من الطرف المقابل، قبل تكرار الدورة مجددًا، فى حركة لا تنتهى وتشبه كثيرًا حركة «رقاص الساعة» أو «البندول».
وتعنى هذه الحركة أن تغيير النظم السياسية أو شخصيات الحكام فى الأناضول أو روسيا أو الدول الأوروبية الكبرى لا يؤثر كثيرًا على حركة «البندول التركى»، كما توضح الأسباب التى تجعل الروس والأوروبيين حريصين على إبقاء الخصومة مع تركيا فى حدها الأدنى، حتى خلال فترات انتقال سياستها للتقارب مع الطرف الآخر، وذلك انتظارًا لتكرار دورة الانقلاب السياسى على الحليف، واللجوء لطلب الدعم من منافسيه.
أردوغان
أردوغان
خطة العثمانيين الجدد رسمتها أمريكا فى التسعينيات.. وتنفيذها لن يتوقف رغم إخفاقات أنقرة
إذا كانت ثنائية «قفزات الضفدع» و«انقلاب البندول» قادرة على شرح الآليات الاستراتيجية المتبعة فى توسع الدولة العثمانية وإدارة علاقاتها الدولية، فهى أيضًا قادرة على شرح السياسات التركية الحديثة، خاصة فى فترة حكم الرئيس التركى الحالى رجب طيب أردوغان، الذى يسعى لإعادة تأسيس الإمبراطورية العثمانية البائدة، وفقًا لنفس المخطط الذى اتبعه أسلافه.
ففى الفترة الأولى لحكمه، لجأ «أردوغان» إلى التقارب «المبالغ فيه» مع الغرب، مندفعًا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى وتحقيق أكبر استفادة ممكنة من هذا التوجه، فى وقت عانى فيه الروس من جراء تفكك الاتحاد السوفيتى، ولم يكن لديهم شىء لتقديمه، خلال فترة الانكفاء على الذات.
وشهدت هذه الفترة الترويج للمشروع التركى المعروف باسم مشروع «العثمانيين الجدد»، باعتباره الحل الوحيد لمشكلة العالم الإسلامى، العصى على الخضوع للهيمنة الغربية، وغير القادر فى الوقت ذاته على تأسيس مشروعه الخاص، وفقًا لوجهة النظر الاستراتيجية الغربية، التى فصلها المفكر الأمريكى صامويل هانتنجتون فى كتابه «صدام الحضارات».
وتوضح سطور «هانتنجتون» التى جاءت فى كتابه تحت عنوان «الإسلام.. الوعى دون تماسك»، أن المشروع التركى لم يكن وليدًا لعبقرية «أردوغان» ومن معه، بل كان، عمليًا، مجرد اتباع للخطوات التى رسمها المفكر الأمريكى نفسه فى كتابه الصادر عام ١٩٩٦ لكيفية تحقيق الصعود التركى المقبول غربيًا، بهدف الهيمنة على العالم الإسلامى.
ففى الفصل المشار إليه، تحدث «هانتنجتون» عن مشكلة قيادة العالم الإسلامى وافتقاده دولة «قطب» تكون قادرة على إدارته، وقال: «فى معظم القرن العشرين، لم يكن لدى أى دولة إسلامية قوة كافية ولا ثقافة كافية ولا شرعية دينية للاضطلاع بهذا الدور لكى تصبح مقبولة من الدول الإسلامية والمجتمعات غير الإسلامية، كزعيم للحضارة الإسلامية».
وأضاف: «غياب دولة مركزية إسلامية عامل مساعد وأساسى على الصراعات الخارجية والداخلية المستمرة التى تميز الإسلام، وعلى الوعى دون تماسك، كما أنه مصدر ضعف بالنسبة للإسلام ومصدر تهديد للحضارات الأخرى».
وفى تفصيله لقدرات الدول الإسلامية الست الكبرى «إندونيسيا، مصر، إيران، باكستان، السعودية، تركيا»، فنّد «هانتنجتون» قدرات هذه الدول على الوصول لزعامة الحضارة الإسلامية، مشيرًا إلى نقاط الضعف الأساسية فى كل منها، والتى تتلخص فى البعد الجغرافى والاختلاط الثقافى فى الأولى، والفقر الاقتصادى فى الثانية، والعداوة المذهبية فى الثالثة، والانقسام الإثنى وعدم الاستقرار فى الرابعة، إلى جانب الضعفين الديموجرافى والجغرافى للخامسة. أما عن الدولة السادسة «تركيا»، فقد فصل لها المفكر والاستراتيجى الأمريكى خطة عمل واضحة للتغلب على أزمة الهوية العلمانية، التى اعتبرها نقطة ضعفها، وخرج بشكل غريب عن منهجية حديثه، ليتناول بشكل استثنائى كيفية تحويل تركيا لدولة زعيمة للعالم الإسلامى.
وتضمنت عدة أسطر فى «صدام الحضارات»، بدأها هانتنجتون بكلمات «لكن.. ماذا لو»، شرحًا آلية تغلب تركيا على نقاط ضعفها، عبر الإفادة من علاقاتها بمسلمى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبلقان وآسيا الوسطى، والتخلى عن العلمانية و«تراث أتاتورك، بنحو أشمل ما تخلت به روسيا عن تراث لينين»، بالإضافة إلى إيجاد «زعيم بحجم أتاتورك يجمع بين الدين والشرعية السياسية ليعيد بناء تركيا وتحويلها من دولة ممزقة إلى دولة مركز».
هذه الخطة الموجزة لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، كانت المحور الأساسى الذى سار عليه مشروع «العثمانيين الجدد»، وصاغه المفكر والسياسى التركى أحمد داود أوغلو، فى كتابه «العمق الاستراتيجى»، الصادر عام ٢٠٠١، ليبدأ تنفيذه على أرض الواقع بعد صدور كتاب المفكر الأمريكى ببضع سنوات.
وبالسياسة المعروفة تحت اسم «صفر مشاكل»، نجح مشروع «العثمانيين الجديد» فى تحقيق الانتشار وتنفيذ القسم الأول من الخطة الأمريكية، بتوجيه اهتمامه ناحية الشرق الأوسط والعالم الإسلامى، بالإضافة إلى الترويج لوجه معتدل، تزامن مع توجيه «بندوله» السياسى بشكل كامل نحو الغرب. وحقق التوجه الجديد، الذى رسم أحد أهم استراتيجى الولايات المتحدة خطاه، طفرة اقتصادية ساعدت على الترويج للنظام الجديد فى تركيا وحاكمه «أردوغان»، «خليفة أتاتورك»، الجامع بين الدين والسياسة، والسائر عكس اتجاه سلفه، باعتباره نموذجًا لـ«الإسلام المعتدل»، المتصالح مع الحضارة الأوروبية.
ولأن «صفر مشاكل» كان مجرد غطاء لإخفاء نزعة الهيمنة التركية على العالم الإسلامى، فإن هذا المشروع «المعتدل» لم يلبث أن كشف عن وجهه الاستعمارى، متبعًا تاريخ وجغرافيا أسلافه، مكررًا لعبة «الضفدع» فى القفز لدول المنطقة فى مسار غير خطى، عبر عناصر محلية داعمة على حد تعبير «أردوغان»، خططت وشاركت واستفادت من اضطرابات الربيع العربى، من أجل الهيمنة الإمبراطورية على الإقليم.
أردوغان
أردوغان
فلسفة «قفزة البندول» تشكلت مع ابتعاد تركيا عن الغرب وطلب صداقة روسيا
هذه «القفزات الضفدعية» التى استهدفت سوريا ومصر أولًا، لم تلبث أن تجاوزت الأخيرة، التى انقلبت سريعًا على المشروع الإخوانى المدعوم من تركيا، إلى شمال إفريقيا، واستوطنت فى تونس وانتزعت موطئ قدم لها فى الغرب الليبى، لتكرر المسار الراجع الذى تحدث عنه الجغرافى المصرى جمال حمدان.
وتزامنت هذه القفزات التوسعية مع انقلاب «البندول» بعيدًا عن الغرب باتجاه روسيا، لتنسيق الوجود فى بعض المناطق، على رأسها سوريا وليبيا، تمهيدًا لتحقيق أقصى استفادة، قبل إعادة التوجه للغرب مجددًا كما هو متوقع، خلال فترة قد تكون قصيرة نسبيًا، مع الاستفادة من الطرفين فى ترسيخ الهيمنة.
وإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تقاربًا بين أنقرة وموسكو، خاصة فى زمن المغامرات العسكرية لحاكم الأناضول، فإن «البندول التركى» سيتغير عما قريب، وبمجرد انتفاء المصلحة مع الروس، ليعود مجددًا إلى الحاضنة الغربية ودول «حلف ناتو»، بحثًا عن ترسيخ مكاسبه على حساب القوى المحلية والإقليمية، انتظارًا لجولة جديدة من صراع فرض الهيمنة على المنطقة.
كما أن الإخفاقات التركية فى الهيمنة على المنطقة، فى ظل الثورة المصرية التى أطاحت بحكم «الإخوان» الموالى لأنقرة، لا تعنى أيضًا أن مشروع الهيمنة والتمدد التركى قد توقف أو أصبح قانعًا بالبقاء فى الدول الأصغر نسبيًا، خاصة بعدما نجح فى خلق مواطئ قدم «ضفدعية» فى أكثر من منطقة، تسمح باستغلال الفرص التى ستسنح مستقبلًا من أجل إعادة المشروع إلى مساره التوسعى.
وبالعودة لما كتبه «هانتنجتون» حول افتقار العالم الإسلامى الزعامة، فإن التصدى الحقيقى للخطة التوسعية التركية لا يكمن فى هزيمتها فى بعض الميادين، وإنما فى تغلب الدول الإسلامية الكبرى على نقاط ضعفها، مع صياغة مشروعات استراتيجية واقتصادية تستطيع تجاوز الميل الغربى، لتمكين تركيا من حكم الإقليم على حساب دوله المركزية.