رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أسيادنا.. يغتالون براءتنا


تقترب الصورة فى مصر من أختها فى العراق، وأرجو ألا تتطابق الصورتان، لأن كل الإرهاصات تنذر بالنهايات، السيارات المفخخة، قتل الجنود، الاعتداء على المواقع الأمنية، حتى مهاجمة المواطنين المسالمين، يردونهم قتلى ومصابين فى أيام عرسهم، وحتى حرمة بيوت الله لم يراعها أحد من هؤلاء الإرهابيين الذين يودون أن يملأوا الأرض رعباً وفساداً، لا لشىء إلا لأنهم يريدون أن يسرقوا الوطن أو يقتلوا أهله.

الاعتداء الأخير على كنيسة العذراء مريم بالوراق، الذى أودى بحياة أربعة من الأبرياء، وأصاب سبعة عشر إنساناً لا جريرة لهم إلا أنهم من أبناء هذا الوطن الذى ابتلى مؤخراً بإرهاب أعمى، لم يفرق بين رجل وسيدة أو شاب، لم يرحم طفولة بريئة صرعتها رصاصات غادرة، لم يتحمل كثرتها جسدان صغيران لزهرتين مازالتا فى مهد الطفولة.. ذلك الإرهاب لم يستهدف جسد هؤلاء الشهداء ــ بإذن الله ــ والمصابين، بقدر ما اخترق جسد الوطن، فى خسة ونذالة، لم ترع حق الإنسانية فى الحياة، ولم يردعها مسالمة الآمنين فى أحضان الكنيسة، التى نال غيرها ما ناله من الخراب والدمار والسلب والنهب على مدى الشهور الأخيرة، تلك التى قال عنها البابا تواضروس «هذه المواجهات مدبرة للتحريض على الصراع الطائفى وزعزعة الوحدة الوطنية فى مصر، ولكن للحرية ثمن غالٍ، وإن حرق الكنائس هو جزء من هذا الثمن نقدمه لبلادنا بصبر وحب».. وكأنما أراد الإرهاب أن يفقد مسيحيو مصر إيمانهم بهذا الوطن ويزعزع ارتباطهم به، وقد نسى الإرهاب أن هؤلاء إخوتنا فى الإنسانية وفى الوطن، هم من تراب هذا البلد، إن لم يكونوا أصله وأساسه، وهيهات أن تُخلخل مثل هذه الهجمات الإجرامية إيمانهم بالوطن أو تخليهم عن دورهم فى الدفاع عنه والذود عن مكتسباته.

يريد الإرهاب الأعمى أن يُحيل هذا الوطن إلى ساحة للدمار، أن يتوه فى غياهب الفوضى، يدفع بالشباب الغر المغيب إلى الجامعات، يشعلون فيها النار، يجعلونها مرتعاً للانفلات، دون أن يدرى هؤلاء الشباب أنهم «حطب» جهنم، يلقى قادة الإرهاب بهم إلى أتونها غير مبالين، ليحققون من وراء هذا الشباب المحترق أغراضهم فى وطن يتمزق وشعب يغوص فى بحور الخراب والدمار، إذا ما تعطلت الحياة وتوقفت عجلة الإنتاج، وراح كل إنسان يبحث عما يأكله فلا يجد، ساعتها ستنفجر ثورة للجياع، لن تبقى ولن تذر، وهذا مبتغى المتربصين بهذا الوطن من أولياء الشيطان، أعداء الداخل والخارج.

إن هدفاً أصيلاً لما يحدث فى الشارع الآن، هو أن يفقد الناس إيمانهم بإمكانية استقرار وطنهم وقدرته على التعافى مما هو عليه الآن واستكماله خارطة طريقه وصولاً لمبتغاه فى حياة حرة كريمة.. والهدف الآخر يكمن فى رغبتهم أن يذوق المسيحيون، إخوتنا فى الوطن، وبال أمرهم لأنهم كانوا جزءاً أصيلاً من ثورة الشعب فى 30 يونيو، وعلى كل أطياف هذا الشعب أن تدفع فاتورة تجرؤها على من ظنوا أنهم «أسياد» هذا البلد، كما وصف أحدهم جماعته، وكأنه لا يعرف أن هذا الشعب سيد نفسه، وسيد من يحكمه، يأتى به متى شاء، ويلقى به إلى قارعة الطريق أنى شاء.. هو لا يعرف فعلاً أن هذا الشعب صاحب إرادة تكسرت على صخرتها الأعداء، منذ أحمس وحتى انتصار جيشنا المظفر فى أكتوبر 1973.. وعلى من لا يعرف أن يسأل التاريخ.

لكن.. يبقى الأمر جللاً والخطب عظيمًا، ولا نجاة مما نحن فيه ــ بعد الله ــ إلا بالتماسك يداً واحدة ضد أى من تسول له نفسه أن يشق هذا المجتمع، لا نجاة إلا بالقبضة القوية للحكومة، وهذا ما نادينا به كثيراً ومازلنا، وإلا ضاع الوطن.. وليسأل كل منا نفسه عن أولئك الذين يتشدقون بحقوق الإنسان لمآربهم الشخصية: بأى شىء تنفع الحقوق إذا ما ضاع الوطن؟.. فإذا مادت الأرض بمن عليها، هلك كل من فوقها، وساعتها لن تكون هناك حقوق، لأنه لن يكون هناك إنسان!.

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.