-
الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 18 ربيع الثاني 1441
سيد عبدالقادر
سيد عبدالقادر

سلطان السفاحين.. لا خليفة المسلمين

الإثنين 02/ديسمبر/2019 - 08:00 م
طباعة


‎جهل الناس بالتاريخ الحقيقى يجعلهم أسرى للأكاذيب والافتراءات التى يروجها لهم السياسيون أو الذين يسعون للحكم، رافعين شعارات كاذبة وروايات مزيفة للتاريخ، وأكبر الأكاذيب فى منطقتنا العربية ارتبطت- مع الأسف- بشعار إحياء دولة الخلافة، من أيام الدولتين الأموية والعباسية، ومرورًا بالعثمانية ونهاية ببن لادن والبغدادى.
‎كلهم كذبوا على العامة والبسطاء بشعار إحياء دولة الخلافة، وكل ملوك الطوائف الاثنين والعشرين الذين كانوا سببًا فى سقوط الأندلس، كان كل منهم يحمل لقب «أمير المؤمنين» وكانوا جميعًا -إلا واحدًا- يدفعون الجزية للملك ألفونسو السادس ملك قشتالة ليحميهم من بعضهم بعضًا، حتى انهارت دويلاتهم وطردوا شر طردة من بلاد الأندلس.
‎وأكبر كذبة روجها الإخوان مؤخرًا هى اعتبار الدولة العثمانية بمثابة دولة للخلافة الإسلامية، وأن عداء الغرب لها وإسقاطها كان بمثابة حرب على الإسلام، وتصوير كل أطماع الرئيس التركى أردوغان على أنها محاولة لإحياء دولة الخلافة.. وهى كذبة كبرى ورغم ذلك فإن هناك عشرات الآلاف من السذج الذين ابتلعوها وبدأوا يروجون لها، لأنهم فى الحقيقة لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون ولا يحللون.
‎المشكلة أننا فى زمن لا يقبل الناس فيه على القراءة، وتلك حقيقة مؤسفة لا بد أن نواجهها، مع احترامنا لشاعرنا التاريخى أبوالطيب المتنبى الذى قال منذ قرون إن «خير جليس فى الزمان كتاب». فخير جليس لأبنائنا فى هذا الزمان، هو هاتف ذكى أو آى باد أو لاب توب، بشرط أن تكون متصلة جميعًا بالواى فاى. ‎ولهذا فعلينا أن نبحث عن وسيلة أخرى نجعل بها أبناءنا وأبناء الأجيال الجديدة، يعيدون قراءة التاريخ الحقيقى لبلادنا، وإلا فإننا سنقف بهم أمام سحرة السياسة ومشعوذيها والكذابين الذين يتبنون شعارات الإسلام السياسى، وهم فى الحقيقة طامعون فى السلطة لا علاقة لهم بالدين من قريب أو بعيد. ‎لهذا كله فإننى أعتقد أن أبناء منطقتنا العربية كانوا محظوظين، لأنهم طالعوا خلال شهرين، عملين دراميين جعلا أبناءنا تحت العشرين والثلاثين، يعيدون قراءة التاريخ الحقيقى على الشاشة، العمل الأول هو فيلم «الممر» الذى حقق نجاحًا قياسيًا فى تاريخ السينما العربية. فهو أول فيلم تزيد إيراداته على ١٠٠ مليون جنيه عندما عُرض بالسينما، وقد أحيا مشاعر الفخر بالجيش المصرى وبطولاته فى مرحلة حرب الاستنزاف، لدى شبان كثيرين ولد أغلبهم بعد حرب أكتوبر بعقدين من الزمان أو أكثر.
‎أما العمل الثانى فهو المسلسل التليفزيونى «ممالك النار» الذى أسقط ورقة التوت عن الدولة العثمانية، وكشف عوراتها بصورة جلية أمام أبناء جيل الشباب. فهى لم تكن دولة خلافة، ولم تكن دولة يهمها الدين أو الإسلام من قريب أو بعيد، وإن اتخذته شعارًا على سبيل الكذب والخداع السياسى.
‎لقد كشف هذا المسلسل، ضخم الإنتاج، عن دموية الصراع بين حكام هذه الدولة، وهى صراعات لا مكان فيها للرحمة، حيث تعلموا من جدهم السطان محمد الثانى الملقب بالفاتح أن «الحكم ينتزع انتزاعًا»، ولذلك انتزع السلطان بايزيد الثانى الحكم من أخيه «جيم» الذى هرب إلى بابا الفاتيكان، وبقى هناك حتى مات مسمومًا وقيل إن بايزيد هو من قتله.
‎نفس الأمر تكرر مع السلطان سليم الأول بن بايزيد، الذى يكشف المسلسل عن أنه يستحق لقب «أكبر سفاحى التاريخ دموية وقسوة»، فقد قتل أبناءه وزوجته، وانتزع الحكم من أبيه ثم قتل هذا الأب ولما استقر على كرسى السلطنة، قتل شقيقيه وقتل كل أبنائهما من الذكور حتى لا يبقى احتمال ضئيل بأن يرث أى منهم العرش، وهى حقائق وردت فى كتب كثيرة بالتفصيل.
‎من حق البعض أن يعتقد أن المسلسل به بعض المبالغة، خاصة أنه إنتاج إماراتى وعلى هؤلاء إذا كانوا يريدون الحقيقة، أن يقرأوا كتبًا كثيرة، منها كتاب «تاريخ بلا أصباغ» للباحث التاريخى خالد السعيد، أو كتاب «صناعة سليم» للبروفيسور أريديوم شيبا، الذى يعتبره مؤلف المسلسل محمد سليمان مصدرًا رئيسيًا له، أو كتب المؤرخ الشهير ابن إياس الذى يصف فظاعة ما ارتكبه السلطان العثمانى سليم الأول فور دخوله إلى مصر، حيث كان قد أقسم قبل الدخول قائلًا: «غدًا أدخل مصر فأحرق بيوتها وألعب بالسيف فى أهلها»، وقد فعلها حيث قال ابن إياس إنه قتل عشرة آلاف مصرى، ونهب البيوت واستولى على الثروات ولم تسلم المدافن من أذاه، و«لما تكاثرت رءوس القتلى نصب العثمانيون أعمدة علقوها عليها».
‎ما أورده المسلسل هو حقائق ثابتة أوردها المؤرخون الكبار فى كتبهم، ولكن أغلب الناس لا يقرأون وتلك هى المشكلة، ومن هنا تبرز أهمية الدراما التليفزيونية والسينمائية فى إعادة كتابة التاريخ وتصحيح مفاهيمه فى عقول من خدعهم السياسيون، والحكام المنتصرون، فالتاريخ، كما يقول «ونستون تشرشل» رئيس الوزراء البريطانى الشهير، يكتبه المنتصرون.. والمنتصرون ليسوا دائمًا على حق. فهولاكو ملك التتار أسقط الخلافة العباسية وأحرق بغداد، ونيرون أحرق روما، والإسكندر الأكبر أسقط ممالك كثيرة، فهل هذا يعنى أن نصدق رواياتهم لمعاركهم، أو أن نعتقد أنهم كانوا على حق عندما سحقوا جيوشًا وشعوبًا وحضارات تحت أقدامهم؟.
‎لو لم يترك مسلسل «ممالك النار» فى عقلية المشاهد سوى سؤال واحد، هو «هل يحق لنا اعتبار السلطان سليم الأول خليفة للمسلمين بعد كل هذه الجرائم البشعة والدماء التى أسالها والأرواح التى أزهقها لأقرب الناس إليه؟» يكون قد نجح فى تحقيق هدفه. فهذا السفاح الدموى لا يستحق أبدًا أن يكون خليفة لأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، ولا أن يحمل لقب خليفة المسلمين.. لا هو ولا أبوه ولا من جاءوا من بعده.. إنه لا يستحق إلا لقب سلطان السفاحين.