السبت 21 سبتمبر 2019 الموافق 22 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
يوسف إدوارد
يوسف إدوارد

لا للعُرْف!

الأحد 04/أغسطس/2019 - 04:55 م
طباعة
نشأ القانون بقصد تنظيم الحياة الاجتماعية، والعُرْف والتشريع من مصادره قديمًا وحديثًا، ويعد العُرْف المصدر التاريخي الأول للنظم القانونية المعاصرة كافة أيًّا كانت.

وهنا ينتهي دور العُرْف وأحكامه وأصوله وقواعده في المجتمعات الحديثة، ولكن للأسف هناك مجتمعات قبلية ما زالت تحكمها العادات والتقاليد، وتسري عليها الأعراف، وتتحكم في مقدراتها ومعاملاتها العائلات، ما يعكس قوة العُرْف وسيادة ثقافة القانون اﻻجتماعي.

لقد عانت الحالة القبطية في مصر من الجلسات العُرْفية، كَوْنها اعتداءً على الدستور والقانون، وبوابةً للظلم وإهدارًا لحقوق المواطنين، وغالبًا ما تنتج عنها أحكام جائرة تقاوم حق أن يكون جميع المواطنين سواء أمام الدستور والقانون، كما أنها اعتداء على العدالة وتشجيع على الممارسات خارج نطاق القانون.

وتعد عشرات الأحكام التي صدرت عن هذه الجلسات جريمة حقيقية بمقاييس الدستور والقانون، فقد هُجِّرت عشرات الأسر وسُلبت أموالهم بسببها، لذلك لا بد أن يكون الدستور والقانون مصدر التشريع وليست هذه الجلسات.

وهناك دراسة أعدها الباحث إسحق إبراهيم بعنوان (في عُرْف مَن)، تبحث في دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية، وترصد كل تاريخ حوادث الفتن التي تشهد عدم انتصار الجلسات العرفية للمسيحيين، وإن انتصرت فإن العقاب يتساوى بين الجاني والمجني عليه.

لكني أقول إنه بتطبيق القانون قضت محكمة جنايات المنيا بإعدام رقيب الشرطة قاتل القبطي ونجله أمام إحدى كنائس المدينة، وتنفيذ الإعدام لقاتل جواهرجي رأس غارب، وقاتل صاحب محمصة الإسكندرية، وقاتل القس سمعان شحاتة وجواهرجي العبور وقاتلي قبطي وزوجته بالمنوفية.

من الصعب إلغاء وحظر الجلسات العرفية، كونها أحد أساليب الاحتكام في عدد من المحافظات، وتساهم في حل مئات وربما آلاف المشكلات، خصوصًا في ما يخص المشكلات العائلية وحالات الثأر، كذلك تُعدُّ مصدرًا من مصادر التشريع المنصوص عليها في الدستور، لأنها تحتكم إلى العرف ومعمول بها منذ عقود طويلة.

لكن لا بد من البحث عن آلية للتعامل مع الجلسات العرفية من جانب مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس النواب، والوصول إلى تقنينها والعمل على منعها والاستناد إلى القضاء المصري في حل المشكلات كما هي الحال في كل دول العالم تقريبًا.

السؤال الأهم الآن هو: مَن الذين يتمسكون بالعُرف في مقابل القانون؟ ولماذا؟

عندما ترعى مؤسسات الدولة الجلسات العرفية وتوافق على انعقادها وترتضي نتائجها لأطراف النزاع، وحين تصير تلك الجلسات الفيصل في كثير من الخلافات، وتشكِّل بديلًا- ولو جزئيًّا- عن منظومة العدالة الرسمية وضماناتها الحقيقية التي مرجعيتها القانون وأحكام الدستور، فإن هذا يعد تغييبًا واضحًا وصريحًا للدولة وقوانينها لا نظن أنه يصب في النهاية في مصلحة المواطنين وحل نزاعاتهم، حتى إن بدا عكس هذا ظاهريًّا، فالنار كامنة تحت الرماد ولا نريد أن تأتي هَبَّة ريح فتبعث فيها الحياة، وهل هناك أصلح من القانون والعدالة لإطفاء نيران الفتنة؟
ads
ads