القاهرة : الجمعة 21 سبتمبر 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الأربعاء 11/يوليه/2018 - 04:52 م
جلال-حمام
جلال-حمام

قبل أن تضيع هوية الوطن

dostor.org/2245645

كتب الشاب الثلاثينى، على حسابه، بموقع التواصل الاجتماعى، تويتر: «للمصرى مولدان.. الأول يوم قدومه للحياة، والثانى يوم خروجه من مصر»!.. عبارة، على قدر ما تحمله من السخرية ‏والتهكم، وما تعكسه من أوجاع شاب حيال أوضاعه، وغيامة رؤيته للغد، على قدر ما تبرهن ضعف الرابطة التى تشد الإنسان لوطنه، وتجعله متعلقًا بترابها، راضيًا بكل ظروفها، حتى ولو تحمل فى ‏سبيل وجوده به، ما لا تطيقه النفس، وما تنوء بحمله الجبال.. هكذا عشنا نحن، وعلى هذا تربينا، وليس من جيلى من لم يُرهقه العنت، وتطحنه الظروف، لكنها كانت كلها، كالنار التى تُجلى خبث ‏الذهب.‏
مصاعب كشفت عن أفضل ما فينا تجاه هذا البلد الطيب، وهذا الوطن الغالى.. الفارق بين زماننا والزمن الحالى، أننا كنا محظوظين بمن قاموا على تربيتنا.. الأسرة، المدرسة، مراكز الشباب، ‏قصور الثقافة، المكتبة العامة، وإعلام كان يصحو وينام، على إحياء روح الوطنية فى نفوسنا، وإعلاء قيمة الوطن، حتى ولو كان رهنًا لحروب طاحنة، مرت فى حياتى اثنتان منها.. هزيمة ٦٧، ‏وانتصار أكتوبر العظيم، وكلتاهما، وبفضل ما تربينا عليه، كانتا مدخلين لتوطيد أواصر الولاء للوطن والانتماء لترابه.. الهزيمة التى استفزت فينا الغيرة والحمية على وطن جريح، والانتصار الذى ‏ملأنا فخرًا وعزة وتيهًا بجيش استطاع، فى وقت قياسى، أن يلملم أشلاء هزيمته ويعيد بناء نفسه، وينتصر، ويقوم من بعد كبوة.. فمن للجيل الحالى، منوط بهذه المهمة؟.. ومن لهذا الشاب الذى كتب ‏تغريدته، يعيد إليه الثقة فى بلد يرى الرحيل عنه أفضل ألف مرة من البقاء فيه؟!.‏
شاءت الظروف أن أتواجد بأحد مراكز شباب الأقاليم بالدلتا.. التقيت هناك أحد مسئولى مديرية الشباب والرياضة، لقاءً غير مُرتب له.. أبديت ملاحظتى على أن هذا المكان الفسيح، لا توجد به إلا ‏ملاعب للإيجار بالساعة، لمن يريد من شباب المنطقة لعب كرة القدم، فأين الرياضات الأخرى؟ وأين الأنشطة الاجتماعية، والدور المجتمعى لهذا المركز، الذى أراه خاويًا إلا من مجموعة من ‏الموظفين الحكوميين، غيابهم أكثر من حضورهم؟.. ساعتها، قال المسئول إنه يود لو أن الدولة توفر ميزانية الشباب والرياضة، البالغة فى ميزانية هذا العام، نحو ٢.٢٥ مليار جنيه، موزعة على نحو ‏أربعة آلاف مركز شبابى، ولمدة عامين.. تستطيع بها إنجاز مشروع قومى، أو تضخها فيما يمكن أن يعود على المواطن بالنفع الحقيقى، بدلًا من إهدارها فيما لا يفيد حقيقة، عبر هذه المراكز.‏
أبديت دهشتى لقوله، وهو الرجل الذى من الطبيعى أن يُطالب بالمزيد من أجل دعم الرياضة والأنشطة الشبابية فى منطقته، ولكنه عاجلنى بإشارة من إصبعه إلى مجموعة من الحجرات المغلقة، ‏على جانب المركز، قائلًا، إن هذه الحجرات تحتوى على أجهزة رياضية فى مختلف الألعاب، لكنها لا تجد من يهتم بتركيبها واستفادة الشباب منها، بل إننا نملك وحدة حاسب آلى، يُفترض أنها مركز ‏للتدريب على مستحدثات التكنولوجيا، لكنها لم تجد من يقوم بتشغيلها، فما بالك بالتدريب عليها!.. حتى إننا فكرنا فى الاستعانة بأحد المهندسين من خارج المركز، ليقوم بالمهمة، على سبيل المشاركة فى ‏عوائد اشتراك الدورات البسيطة، ورغم رضائه بالقليل المطروح، خدمة لشباب بلدته، اصطدمنا بعدم موافقة هذا المسلك للوائح والقواعد المالية المنظمة لعملنا!.. يا أستاذ.. هكذا أضاف مُحدثى: ‏عقلية موظفين، أساسها دفاتر الحضور والانصراف، ودى مسألة مقدور عليها فى مثل بلدتنا، كما فى غيرها، وكل واحد بيدور على أكل عيشه.. وتيجى تقولى ليه الشباب تايه؟!.‏
غير بعيد عن هذا، قصور ثقافة الأقاليم.. وما كان يدور بداخلها زمان، من ندوات وفعاليات ثقافية، فى المسرح والكتابة الأدبية والشعر والنقد.. ومكتباتها العامرة، التى كانت زادنا فى صبانا ‏وشبابنا، نهلنا منها روائع الكتابة الأدبية والسياسية، فى مصر، ومترجمة عن الخارج، بلا مقابل.. زادًا ثقافيًا، ربما لا نزال نعيش على كثير مما اختزنته عقولنا منه، وصار مُحركًا لسلوكياتنا، لأنه ‏تسلل إلينا، بوعى منا، يوم كنا نملك الوقت الذى لم يعد بأيدينا، واستقر فينا، أفكارًا ومبادئ ورؤى، حكمت مسيرتنا فى الحياة إلى يومنا هذا، وصار بعض منها دستور حياة لا نحيد عنه.. فأين منا الآن ‏هذه الأشياء، ومعظم ميزانيات هذه القصور تذهب رواتب ومكافآت، ولا يتبقى منها لأى نشاط ثقافى إلا فُتاتا لا يُسمن ولا يُغنى من جوع.. ونظن، بغباءٍ منا، أن كله عند العرب سواء، ونحن لا ندرى ‏أننا نصنع من شبابنا نفوسًا فارغة، وعقولًا هشة، قابلة للاحتواء، من كل من يفلح فى الولوج إليها، يحشوها بما أراد، ضاربًا على أوتار الوجع المُضنى الذى يعيشه الشباب، خاصة أولئك الذين يرون ‏آباءهم ينحتون فى الصخر من أجل لقمة عيش ذويهم، هذا الوجع الذى يجعلهم يرون، كيف هم، كأبناء، مذلة للآباء، دون أن يجد هؤلاء الشباب من يحتوى جموح عقولهم، وجنوح نفوسهم، ويصنع ‏منهم الشخصية السوية التى تعلم أن ظروف الوطن عارضة، وأن استمرار الحال من المُحال، وأن الغد لا بد أجمل.‏
نحتاج من يرسم خطة بناء عقل المجتمع، فى استراتيجية واضحة، تأخذ فى حسبانها مستجدات العصر.. تصل إلى الناس، وبخاصة الشباب الجامح فى كل جحر دخلوا فيه، تنتشله من وهدة الضياع ‏وفقدان الأمل.. والحمد لله.. لدينا من الإمكانيات، على مستوى كل فنون الاتصال والتواصل، ما لا يمكن عده وحصره، ولكننا ما زلنا نفتقد المضمون الذى يبنى، والمنهج الذى يُبشر.. نحن بحاجة إلى ‏ترشيد المليارات المُنفقة سنويًا على الدراما التليفزيونية، مثالًا تلك التى تدخل كل بيت، وتخاطب كل فرد بما يفهمه، لإنتاج أعمال تنتصر للوطن وتشد من أزر المواطن.. تربطه ببلده، وتصنع الوشيجة ‏القوية من الولاء والانتماء، التى بدونها، لن يكون هناك بلد ولا وطن.. اللهم إنى قد بلغت.. اللهم فاشهد.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.‏

ads
ads
ads