الأحد 23 فبراير 2020 الموافق 29 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

دى «أهرامنا» مش عزبتكم

الخميس 05/يوليه/2018 - 06:23 م
طباعة
«كله بالصوت والصورة مُثبت ومحفوظ واليوتيوب موجود ومبيكدبش».. جملة باتت تواجه أى إعلامى أو سياسى أو تنفيذى حكومى أو شخصية عامة مشهورة ولها وزن مجتمعى عندما يحدث أى تغير فى مواقفه، وهو الذى يخرج للناس مؤكدًا أنه الرجل صاحب المواقف الثابتة والمبادئ الراسخة والقيم التى لا يمكن الحياد عنها.
هنا قد يشاركنى القارئ العزيز فى طرحى علامات الاستفهام التالية: هل حقًا السياسة فى ممارستنا لها تخرج غالبًا خارج منظومة القيم والأخلاق؟.. هل من المتاح والممكن مصالحة المصالح مع المبادئ لدى السياسى؟.. إلى أى حد يمكن أن تكون أخلاقيات السياسى مطاطية تتسع لكل شىء؟.. ما معنى النزاهة الأخلاقية للسياسى، وهل هناك معايير للحكم على مصداقيتها غير المعيار التقليدى أنها ترتبط بالمدافعين عن القضايا العادلة؟.. هل السلطة التى يتم الحصول عليها دون خرق للقوانين هى وحدها معيار السياسى الأخلاقى؟.. لماذا فى الانتخابات يعلن السياسى فى السلطة عن نزاهة الانتخابات وتتحدث المعارضة عن التزوير؟.
لقد كتب «مكيافيلى» وهو يتطلّع إلى قيام دولة إيطالية حديثة موحّدة الجملة التالية: «إنّ ما يجب أخذه بعين الاعتبار فى العمل السياسى ليس المبادئ، بل الغايات الكبيرة».. ويبقى السؤال الأهم: ما المبادئ التى ينبغى أن تتوفر للسياسى؟.. وهل فى الغالب الأعم يتم تجاوز المبادئ والقيم الإيجابية فى سبيل نيل «الغايات الكبيرة» التى نتطلع إليها؟.. تقافزت كل تلك الخواطر وعلامات الاستفهام وأنا أتابع حلقة مميزة من برنامج «٩٠ دقيقة» على «قناة المحور» للاحتفال بذكرى ثورة ٣٠ يونيو بشكل مختلف عبر حوار أداره الإعلامى د. محمد الباز مع بعض محررى جريدة الأهرام الذين أسهموا بأدوار فاعلة وحقيقية فى تشكيل جبهة مقاومة لرجال «مرشد الإخوان» ليحكوا ما حدث داخل تلك المؤسسة الصحفية العملاقة قبل وأثناء وبعد أحداث الثورة المصرية العظيمة.. تحدثوا عن شكل مقاومة المهنيين بحق لتوجهات مندوبى مكتب الإرشاد لتوجيه بوصلة إصدارات الأهرام لدعم رسائل جماعة «مرسى» لتوطيد دعائم حكمه، وأشاروا إلى كيف توالت عمليات سقوط أقنعة الزيف الشريرة التى كانت تغطى وجوهًا طالما خدعت الجماهير داخل وخارج تلك المؤسسة.. تحدثوا عن عقوبات مالية ومهنية شملت كل المعارضين لتوجهاتهم.. قالوا عن جرائم قيادات مهنية وإدارية كانت جاهزة بعبط واستهبال لأخونة بنيان تلك المؤسسة العتيدة.. كيف كانت الأوامر بعدم تغطية مظاهرات رفض سياسات مرسى، وإبراز مظاهرات التأييد الإخوانية.. أشاروا إلى التعليمات الفورية لإلغاء المساحة المخصصة لمتابعة إنجازات «مرسى» خلال ١٠٠ يوم وفق إعلانه برنامجًا وعد الشعب فيه بأن يفرغ من إنجازها فى تلك الفترة بحجة أن ذلك يمثل إحراجًا لمؤسسة الرئاسة.
وعرض البرنامج مقاطع فيلمية أرشيفية لوقفات شباب المؤسسة للاعتراض على تعيين رئيس التحرير الإخوانى الجديد، بل أقاموا فى خيمة داخل المبنى جهزوها للاعتصام فيها اعتراضًا على كل إجراءات الأخونة.. وتعرضوا لكيفية حدوث التحول لشخص رئيس التحرير من توجه إخوانى إلى مناصر لثورة ٣٠ يونيو، وكانت القصيدة الشهيرة التى كتبها أحد رموز المعارضة «دى أهرامنا.. مش عزبتكم!!».
وبمناسبة علاقة النظام الإخوانى بالصحافة، أتذكر توجيه د. هشام قنديل، رئيس مجلس الوزراء الإخوانى، الدعوة لمجموعة من السياسيين والكُتّاب والاقتصاديين لحضور ندوة حول الفساد الإدارى والمالى، ولأننى فى تلك الفترة كانت لى مجموعة مقالات فى هذا الاتجاه، فكنت من بين المدعوين، وحضر اللقاء على سبيل المثال القس د. إكرام لمعى والسفير محمد العرابى وبرلمانيون وبعض محررى الصفحات الاقتصادية.. وقام هشام قنديل بتقديم المحاضر الرئيسى د. هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات آنئذ، والذى تحدث بحماس بالغ أنه قادم لتوه من مقر مجلة الإذاعة والتليفزيون، وأضاف، بغضب، كيف اكتشف أن المجلة تتكبد خسائر ضخمة، وأن ذلك مثال للتمادى فى إهدار مال عام وفساد لا يمكن السكوت عنه، وهو لا يعلم ولا يقدر أن تقوم الدولة بإصدار دوريات إعلامية وثقافية فى إطار دورها الثقافى والإعلامى والتنويرى مدعومة ماليًا من أجهزة الدولة المعنية بأمور الثقافة، وجميعنا يعلم أن وزير الثقافة الإخوانى كان له مثل ذلك الخطاب منذ اللحظات الأولى لتعيينه، وإلى حد إعلانه استبعاد عدد من قيادات الوزارة بتوجيه تهم الفساد.
أعود وأذكر من يشيعون أن كذب السياسى ضرورة بدعوى أن السياسة لا يخدمها الصدق، والحقيقة أرى أن إدارة شئون الناس والمجتمعات وحل الصراعات تؤكد أن السياسة فى النهاية رسالة إنسانية ووطنية، لأن الذى يحمل عن الناس همومهم وتشغله آمالهم هو الذى يستحق لقب السياسى بحق.. قد يصمت عن بعض الحقائق بعض الوقت، ويحتفظ لنفسه ببعض القناعات، إذا كان يترتب على البوح بهذه أو تلك ضرر يعتد به، ولكن يبقى فى النهاية ضرورة أن يتحلى السياسى بصفات وقيم فى مقدمتها الشرف والنزاهة والنبل.