رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 05 ديسمبر 2020 الموافق 20 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

احتلال غامض لدار الأدباء بقصر العيني (تقرير)

الخميس 06/أبريل/2017 - 08:06 م
صورة ارشيفية
صورة ارشيفية
وائل خورشيد
طباعة
«دار الأدباء».. لافتة تعلو الفيلا رقم 104 بشارع قصر العينى، أمام مجلس النواب، من يمر أمامها سيظن للوهلة الأولى أن المكان كيان تابع لوزارة الثقافة أو أى جهة حكومية، ومخصص لأنشطة الأدباء، لكن دخول محرر «الدستور» للمكان كشف عن مفاجآت مثيرة، أبرزها أن الأشخاص القائمين على أمره لا علاقة لهم بـ«الدار» من الأساس. التاريخ القريب للفيلا يشير إلى أنها كانت مقر المكتب الدائم لمنظمة «كتاب إفريقيا وآسيا»، قبل أن ينتقل من مصر فى العام 1978، بينما يدّعى محتلو «الدار» أنهم تابعون لمنظمة «الكتاب الأفارقة والآسيويون» «لاحظ التشابه بين الاسمين»، وربما لو تم فتح تحقيق رسمى فى الأمر، سيكشف أن شاغلى المكان مجرد محتالين ومنتحلى صفة.

رحلة الفيلا من عبدالرحمن فهمى إلى يوسف السباعى وطه حسين

إذن.. «لمن الفيلا اليوم؟»

للإجابة عن السؤال كان لابد من العودة إلى التاريخ القديم لذلك المبنى، الذى كان وقفًا مسجلًا باسم «آل الحسينى» وشغِله بعد ذلك عبدالرحمن بك فهمى، لتتم فيه الاجتماعات والتحضيرات لمقاومة الاحتلال الإنجليزى فى مصر، وقد اختار هذا المكان تحديدًا لكى يكون قريبًا من السفارة الإنجليزية؛ فيتاح له متابعتهم ومعرفة سيرتهم وتحركاتهم.

توفى عبدالرحمن بك فهمى فى عام 1946، وبعدها بسنوات قليلة استأجر الفيلا الأديب الراحل يوسف السباعى، لتكون مقرًا لجمعية الأدباء فى الطابق الأول، والمكتب الدائم لاتحاد كتاب إفريقيا وآسيا فى الطابق الثانى.

فى العام 1956، جرى تنصيب الدكتور طه حسين رئيسًا للجمعية، والسباعى سكرتيرًا عامًا، وحضر الاجتماع توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ومحمود تيمور، ويحيى حقى، وعبدالرحمن الشرقاوى وكامل الشناوى.

ومن المفارقات المثيرة أن «البكباشى محمد أنور السادات» تقدم بطلب للانضمام لعضوية الجمعية، طبقًا لما هو مدوّن فى محضر الاجتماع الثالث، وقد كان نتيجة الاجتماع بندين: الأول هو قبول عضوية السادات، والثانى قبول مبلغ 500 جنيه مصرى، تبرع بها الأمير عبدالله الفيصل للجمعية.

أما عن المفارقات المؤسفة، فتظهر عند الدخول لمكتب سكرتير جمعية الأدباء حاليًا، الدكتور يسرى عزب، ففى إحدى زوايا الغرفة يقبع تمثال نصفى يجسد رأس الراحل عبدالرحمن فهمى، وهو مصنوع من البرونز، وموضوع خلف موقد نار.

منظمة مجهولة تحتل الطابق الثانى ..باسم «الكتاب الأفارقة والآسيويون»

أما اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا الذى كان يشغل الدور الثانى من الفيلا، فله قصة أخرى، فالاتحاد أسسه «قوامى نكروما‏» الفيلسوف الذى ألّف العديد من الكتب‏، وسيكوتورى، رئيس غينيا، وكان كاتبًا مسرحيًا‏،‏ وآخرون من زعماء حركة تحرير المستعمرات البرتغالية، اجتمعوا فى طشقند «عاصمة أوزبكستان» عام ‏1958‏ ووضعوا اللبنة الأولى لحركة كتاب كان لها أن تلعب دورًا مهمًا فى حركات التحرير فى آسيا وخاصة فى إفريقيا وفى المعارك ضد الاستعمار. بعدها توفى الأديب يوسف السباعى فى العام 1978، وتولى الكاتب لطفى الخولى منصب الأمين العام، وتم نقل المكتب الدائم للاتحاد لمقر آخر، ونتيجة لاتفاقية كامب ديفيد وما تبعها من تجاذبات سياسية ومشاكل بين البلدان العربية، تم الاتفاق على نقل مقر اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا إلى تونس كغيره من المنظمات العربية. إذن.. بعد نقل مقر الاتحاد من الفيلا، من يسكن الآن فى الطابق الثانى من المبنى؟ سؤال بحث عنه محرر «الدستور» ليكتشف أن شاغليه منظمة تطلق على نفسها اسم «الكُتاب الأفارقة والآسيويون»، وكان يرأسها منذ فترة طويلة شخص يدعى المستشار محمد مجدى مرجان، ‏وكان يحصل على تمويل من وزارة الخارجية باعتبارها منظمة غير حكومية، ثم انقطع الدعم، بعدما تبين للوزارة أن المنظمة غير مسجلة من الأساس، وكانت تحصل على دعم بشكل شخصى لاسم المستشار.

المثير أن الشاعر أحمد سويلم، وهو رئيس جمعية الأدباء، شريكة المنظمة المزعومة فى الفيلا، أكد أن رواد الطابق الثانى من المبنى ليس لهم صلة من الأساس باتحاد الكُتاب الأصلى، مشيرًا إلى أنه تقدم باستقالته فى 1 يناير الماضى لعجزه عن التعامل مع تلك الأزمة، وأنه أرسل العديد من الخطابات لجهات أمنية مختلفة ليخلى مسئوليته عما يحدث فى المكان.

فى الطابق الثانى هناك شخص يدعى الدكتور الحسين أبوعميرة، يقول إنه يعمل أستاذًا جامعيًا فى كلية الآثار، وإنه تم اختياره هو وآخر يدعى المهندس محمود المحريقى، لإدارة المكان بتكليف من المستشار محمد مجدى مرجان، وكان ذلك قبل عامين، مؤكدًا أن هذا المكان هو نفسه الذى يتبع يوسف السباعى.

محاولة لبيع الدار.. ودعوى قضائية للمطالبة بالإيجارات المتأخرة

لا يعمل فى المكان سوى 3 موظفين، هم عبدالحليم يونس، وجاد حسين جاد، وعزت محمد أحمد العامل، ولا يتقاضون رواتب، ومتوسط مكسب الدار كل شهر يقترب من 2000 جنيه مقابل تأجير القاعات بـ250 جنيهًا فى الندوة، ويقولون إنها تودع فى البنك لصالح صندوق التنمية الثقافية.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فقد علمت «الدستور»، من خلال بعض المصادر داخل المكان، أن هناك تحركات واجتماعات خلال الأيام الماضية لبيع الدار مقابل 90 مليون جنيه، باعتباره مازال منزلًا سكنيًا عاديًا برغم أن عمره يصل إلى ١٠٠ عام. وقد طرحت فكرة البيع أكثر من مرة، لكن لم تتم حتى الآن، بينما أقامت أسرة آل الحسينى دعوى قضائية ضد ورثة عبدالرحمن فهمى وشاغلى المبنى، ولا تزال القضية منظورة للمطالبة بالإيجارات المتأخرة التى بلغت نحو 70 ألف جنيه، وطرد جمعية الأدباء من المبنى. وعن الدار وحالها، تواصلنا مع الناقد الأدبى الدكتور صلاح الراوى، الذى قال إن هذا المكان مثله مثل أماكن أخرى تحوم حولها شبهات، وهو مغلق على مجموعة من الناس ولا نعرف عنه شيئًا، مثله مثل نادى القصة، وأنه ليس له معنى.

وأشار «الراوى» إلى أنها كلها مؤسسات مفتعلة وهزيلة لا دور لها ولا تختلف عن كونها دكاكين، مستدركًا: «أنظر لها بريبة شديدة، ومحاولة الاقتراب منها لمثقف مصرى مثلى يسىء أكثر مما يفيد».

عجائب وغرائب د. أبوعميرة

مدرس اللغة الفارسية والدراسات الإيرانية بكلية الآثار، جامعة القاهرة، المستشار الثقافى والمتحدث الرسمى للمنظمتين العالمية للكتاب الإفريقيين والآسيويين، والدولية للصحافة والإعلام، وكاتب صحفى وعضو بالمجلس الأعلى للثقافة 2013، ومحاضر الدراسات الإيرانية بالإذاعة والتليفزيون، ومستشار ثقافى وإعلامى لعدة مؤسسات وجمعيات ومراكز محلية ودولية، ويقوم بتدريس اللغة الفارسية لطلبة كلية الآثار جامعة القاهرة مرحلة الليسانس، وشارك حتى الآن فى 120 ندوة ومؤتمرًا محليًا وإقليميًا ودوليًا فى مصر وخارجها، فضلًا عن 15 دورة تدريبية، ومدير المركز الثقافى لاتحاد كتاب إفريقيا وآسيا، ومشرف لبعض الأسر الطلابية، وقام بإلقاء العديد من المحاضرات داخل مصر وخارجها لنشر الوعى الثقافى، له العديد من اللقاءات والتقارير والبرامج كضيف ومذيع فى القنوات المصرية الأرضية والفضائية ومنها القنوات الأولى والثانية والنيل للتعليم العالى، وقطاع الأخبار، ومقدم المادة العلمية لبرنامج «محاضرات على الهواء» على قناة النيل للتعليم العالى، والمدير التنفيذى لقناة أم الدنيا.

كل الأوصاف السابقة هى ما أوردتها القناة الثانية بالتليفزيون المصرى فى حلقة من برنامج 10 الصبح فى 24 نوفمبر 2014 عن «الحسين أبوعميرة».

ما لم تتم كتابته أيضًا أنه نائب رئيس دار الأدباء، ومنظمة كتاب إفريقيا وآسيا، ومقرها هو مقر دار الأدباء فى 104 شارع قصر العينى، كما أنه صاحب أول موسوعة لغوية طبية فارسية عربية، وعربية فارسية.

التقينا به خلال بحثنا عن حال دار الأدباء، وما آل إليه وضع المكان، وحالة التدهور والتراجع التى يتعرض لها، خصوصًا، وخلال البحث تبين العديد من الأحداث المثيرة، ومن بينها أبوعميرة.

دكتور الحسين أبو عميرة يظهر فى البرامج الفضائية على القنوات المصرية كأستاذ فى كلية الآثار، وأحيانًا ككاتب صحفى، وأخرى كمذيع، وعلى اليوتيوب كمغنٍ، احترنا فى أوصافه، ولذلك بدأنا رحلة البحث، لكن كان من مفاجآت ما عثرنا عليه أنه لا يوجد شىء يدعى «موسوعة لغوية طبية فارسية عربية، وعربية فارسية».

ومنظمة كتاب إفريقيا وآسيا، التى يشغل منصب نائب الرئيس فيها، هى كيان وهمى مستوحى اسمه من «اتحاد كتاب إقريقيا آسيا» الذى كان يشغل منصب الأمين العام فيه الكاتب الكبير يوسف السباعى، رغم أن أبو عميرة مازال يصرّ على أنه هذا امتداد لذاك.

الآن، وبعد كل الكوميديا السوداء التى عرضناها موثقة، بقى أن نقول إن حصول «الحسين أبوعميرة» على درجة الدكتوراه أمر مشكوك فى صحته، فقد سألنا فى جامعة القاهرة وكلية الآثار، ولم نتوصل إلى نتائج!