رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الدوجماطيقية لا دين لها «3-3»


فى المقالين السابقين تحدثنا عن رفض مطرانية الفيوم إتمام زواج نادر نبيل زكى «أرثوذكسى» لتوزيعه «سى دى» مع دعوة زفافه يحتوى على عظة لأحد القساوسة الإنجيليين، وعن العروسين رفيق سامى وعروسه مارسيل بقرية اتليدم بأبى قرقاص بالمنيا، اللذين اختنقا وتوفيا بسبب الغاز فى ليلة زفافهما، ونظراً لعدم تواجد أى قسيس تابع للطائفة الإنجيلية بالقرية يوم الوفاة قررت أسرة العروسين اللجوء لكنيسة مارجرجس الأرثوذكسية باتليدم وطلب إجراء صلاة التعزية فى الكنيسة ولكن كهنة الكنيسة رفضوا الصلاة على العروسين بحجة أنهما تزوجا زواجاً إنجيلياً!!

وقلنا إن هذه القصص المأساوية تجسد لنا إلى أى مدى تغلغل التعصب لدى بعض المتطرفين فكرياً ومن ثم تغلبت النظرة الطائفية البغيضة على النظرة الإنسانية حتى داخل الدين الواحد، وفى مقال اليوم نستكمل حديثنا حول العوامل المسببة للتعصب، هناك عدة عوامل تشترك فى تكوين الشخصية، أما العامل الذى يسهم فى تكوين الشخصية، فهو العامل الوراثى، فهو يركز على انتقالالأثر الوراثى بواسطة الجينات المنقولة من الأب ومن الأم وانتقال الصفات وراثياً، ومع أنها تعد أساساً فى انتقال الكثير من الصفات من الآباء إلى الأبناء، إلا أنه لا يمكن اعتبارها العامل الوحيد والمؤثر فى الشخصية أو فى السلوك، لوجود عوامل أخرى ذات تأثيرات مساهمة أيضاً، ومنها العامل البيئى، الذى يتضمن كل العادات المكتسبة والقيم من خلال عمليات تكوين الذات والتنشئةالاجتماعية وثقافة المجتمع، وهى كلها تكتسب بالتعلم

أو الملاحظة بالنموذج. وجميع أنواع التعصب ومظاهره خطيرة وتؤذى الضمير الانسانى، ولكن المتتبع لخارطة الاحداث السياسية فى العالم يصل إلى قناعة تامة بأن أخطر أنواع التعصب هو التعصب الدينى، الذى يجتاح دولاً كثيرة وخاصة فى الشرق الأوسط، الذى يُعدلزمن غير بعيد بؤرة للصراعات الدينية والطائفية.

إن الحقيقة الثابتة أن الآخر هو جزء من حياتى، جزء من عالمى الخاص، وهو فى رقبتى على طول المدى، فلا يمكن أن أعيش بدون الآخر، ولا أستطيع حتى أن أمارس العبادة دون الآخر، بل لا أستطيع الوصول إلى الله دون الآخر.

والقارئ للتاريخ سوف يكتشف أن المجتمعات الإنسانية تزدهر بقدر حرصها على مبدأ التنوع والتعدد وقبول الخلاف والاختلاف، وأن أحوالها تتدهور عندما تقاوم هذه الشروط الأساسية، وتقلل من شأن التنوع والتعدد وقبول الاختلاف، فالآخر هو جزء من التنوع الذى يتمتع به كل مجتمع، وهو التنوع الذى صاحب الإنسانية منذ أن وعى الإنسان حقيقة أن تعميره للكون لا يمكن أن يتم إلا بمشاركة عامة مع كل إنسان خٌلق على شكيلته، ووٌجد وعاش معه تحت السماء الواحدة، وعلى الأرض الواحدة، وإذا كانت الإنسانية قد صاحبت التنوع دائماً، فإنها صاحبت هذا التنوع من خلال وجود الآخر المختلف فى اللون والعرق والنوع والدين والعقيدة، فكان تعايشها مع الآخر هو التعايش مع التنوع الذى أثرى ماضيها، ويثرى حاضرها، ولا شك أنه سيثرى مستقبلها، ولكن هذا التعامل مع الآخر لم يتحقق دائماً فى إطار من الاعتراف المشترك، والاحترام المتبادل، والتسامح والقبول، وإنما شابت المسيرة الإنسانية فى تعاملها مع التنوع، ومع إفرازه للآخر، أو للأخرى، أو للآخرين، الكثير من المشاكل التى أعاقت بعض مراحل تطور هذه المسيرة وأخرت تقدمها.