رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

رباط عنق بين القاهرة ومدريد

أنصفتنى إسبانيا منحازة إلى صفى فى النقاش بشأن رباط العنق، وإن جاء الإنصاف بعد نصف قرن، عندما قال رئيس الوزراء الإسبانى بيدرو سانشيز فى مؤتمر صحفى: «يلاحظ الجميع أننى لا أرتدى رباط عنق، وقد طلبت من وزرائى أن يفعلوا ذلك أيضًا، لأن التخلى عن الزائد من الملابس يحد من الحاجة إلى تشغيل المكيفات مما يقلل استهلاك الطاقة».
ومنذ أكثر من نصف قرن، كنت أعمل أنا والشاعران أمل دنقل وأحمد نجم فى دار الأدباء التى يشرف عليها يوسف السباعى، وكانت مشكلتى الوحيدة مع السباعى إصراره على أن أرتدى رباط عنق وعدم استجابتى لطلبه إلى أن اكتفى كلما رآنى بتوجيه بصره إلى عنقى، كأنه يلومنى برفق.
الآن هناك دعوة رسمية فى إسبانيا لنبذ تلك القماشة الطويلة التى لا أدرى فائدتها أو نفعها، اللهم إلا إن كانت لقياس المسافة من العنق إلى السرة. ومنذ نحو قرن كنا نرى فى الأفلام الرجال فى الحفلات وهم فى بدلة ذات ذيل طويل مشقوق من الخلف إلى نصفين، ونساء يرتدين قبعات يبرز منها ريش طويل، وفساتين تجر خلفها ذيولًا تمسح الأرض. 
اختفى كل ذلك، كما اختفت أن تضع الفلاحات خلخالًا من حديد أو فضة، وكما اختفى الطربوش المقدس الذى كان الجميع يرتدونه حتى مطلع الخمسينيات من القرن الماضى بعد معركة اجتماعية وفكرية واسعة النطاق بين «الطربوش»، و«القبعة» وسخر خلالها توفيق الحكيم من الطربوش وأصر على اعتمار «البيريه» الأوروبى حتى نهاية العمر، وكتب سلامة موسى أن القبعة: «رمز الحضارة، يلبسها كل رجل متحضر»، بينما دعا المحافظون إلى التمسك بالطربوش بصفته رمز العروبة والإسلام وكفّروا من دعا إلى خلعه!! وبلغ الأمر أن كتب مصطفى صادق الرافعى أن «القبعة على رأس المصرى تهتك أخلاقى»! ثم زال الطربوش، كما زال الخلخال، وتراجعت مفاهيم جمالية كانت ترى أن المرأة الجميلة هى المرأة البدينة. وقد كان رباط العنق والطربوش، وغيرهما وسائل تجميل لكنها لم تكن مرتبطة بضرورة أو حاجة واقعية، وأكثر الجمال يذبل ويتوارى بعد وقت إذا لم يرتبط بحاجة واقعية ملموسة، سواء أكان ذلك فى الملابس أو الفن والأدب. وفى وقت ما كان السجع والجناس من المحسنات الأدبية، رغم أنه لم تكن هناك ضرورة لذلك، وظل نجيب محفوظ يستخدم السجع حتى «الثلاثية» عندما يكتب «الزمان عدو لدود للورود»، ثم تخلى عنه لاحقًا، لأنه لا يمثل ضرورة فى التعبير الأدبى. يشحب الجمال ويختفى ما لم يكن مرتبطًا بحاجة واضحة، ومعبرًا عن ضرورة، سواء أكان ذلك رباط عنق أو سجعًا أو فساتين تفرش خلفها مروحة من الذيول الطويلة لمجرد أن ذلك منظر جميل.