رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 30 أكتوبر 2020 الموافق 13 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
صفوت البياضي
صفوت البياضي

آن للغربان أن تغادر سماء لبنان

الأربعاء 09/سبتمبر/2020 - 07:46 م
طباعة
قرأتُ هذا العنوان فشدنى الألم والأسى على لبنان، وما أدراك ما لبنان فى منتصف المئوية المنتهية منذ عشرين عامًا، لبنان عروس الشرق وباقة ورود العالم بعيدًا أم مجاورًا. لبنان فى جماله وسلامه وترحابه بالبعيد قبل القريب.
نعم لبنان خزانة الفنون وبوابة للعالم العربى بعد مصر تاريخًا، وبماهية مكانته للعالم وما يمثله فى الحرية والتعددية حتى حسد من دول كثيرة وشعوب أكبر، حتى قيل إن عين الحسود أصابت لبنان فى مقتل ومن المستحيل أن تعود الحياة لما كانت عليه فى السابق بعد كل ما أصابه، بل وبدا على وجوه الحاقدين والطامعين والناقمين حتى قيل أين لبنان الذى ردد عنه العازفون والمغنون الأقوال المأثورة كما فى وصف أعظم المحبوبين فقالت عروسه: حبيبى فتى مثل أرز لبنان ساقاه عمودا رخام. بديع الجمال وحلو اللسان.
وتتكرر مثل هذه الكلمات المأثورة فى عدة مواقع حتى إن من يتابعون ذكر البلاد فى الكتاب المقدس سيجدون مصر ولبنان يتكرر ذكرهما فى مواضع ومناسبات كثيرة، فقد تكرر اسم مصر فى الكتاب المقدس ٨٠ مرة، كما تكرر اسم لبنان وجبال لبنان ٧١ مرة، وهنا تقارب بين عدد المرات يذكر فيها مصر ولبنان لأكثر من مائة وخمسين مرة، الأمر الذى لم يتكرر ذكره عن أى بلد قديم أو حديث.
هكذا كنا نرى لبنان مصيف متوسطى الحال سواء سافروا إليه بالباخرة من الإسكندرية إلى بيروت، حيث يقضون ليلة فى باخرة جميلة تبحر من الإسكندرية بعد ظهر نهارٍ لتصل إلى ميناء بيروت فى صباح اليوم التالى، يستمتع المسافر خلالها بهواء نقى إلى أقصى حدود النقاء والانتعاش، ثم التسوق من أسواق بيروت فى سوق سرسق، وكان لنا أصدقاء هناك فى محلاتها يعرفون حاجتنا كمصريين، ونحن نثق فى أسعارهم التى لا يغالون فيها، كما كانت لعملتهم قيمة لا بأس بها، فالليرة اللبنانية كانت تعادل ما لا يقل عن نصف الجنيه المصرى، كما كانت القروش اللبنانية لها قيمة على الأقل فى المواصلات الداخلية التى ندفع لها ما يعادل عشرة قروش لبنانية.
وقد يسأل القارئ: لماذا نذهب بعيدًا ونتكلم عن بيروت، وننسى الحديث عن مصر التى هى أم الدنيا كما كان يطلق عليها، ومن لا يصدق فليراجع تاريخًا ليس ببعيد، ففى زماننا كانت للجنيه المصرى قيمة تعلو الجنيه الذهب، وما للقرش المصرى بل والمليم الأحمر شأن «بالطبع يضحك أحفادنا عندما يسمعون تعبير المليم والقرش»، أما الجنيه فكان يحتفظ بقيمته حتى يقال عنه إنه يذبح الفرخة، لأن قيمته كانت أكبر من ثمن الفرخة.
وعودة إلى لبنان الجريح متمنين له أن يلتئم جرحه بعد حدث جلل كاد أن يطيح بمدينة بيروت ذاتها، فأصاب أكثر من ثلث مبانيها، ومع البنيان كان العدد الكبير من قتلى ومصابين، وما تبعها من استقالات حكومية أولاها رئيس وزراء لبنان، مع أن هذا المنصب لم يخرج عن محيط أسرته حتى بعد اغتيال رئيس الوزراء، والذى شهد عنه القاصى والدانى، إلا من جماعة المقاومين الذين لا يهمهم لبنان التاريخ ولا اللبنانيون أصحاب البلد الذين عاشوه واختبروا تماسك شعبه رغم تعدد العقائد، إلا أنهم حرصوا على وحدته ومكانته، سواء بين بلدان المنطقة العربية أو على المستوى العالمى.
ومع الزمن غير الجميل نتابع أحداث التمزق الطائفى، وبالتالى انحدار قيمة عملته، وتوالى صراعاته الداخلية، كم نرجو أن تتوقف وتلتئم الجروح لتعود الروح، فتتوقف الحرائق ودخانها، والانقسامات التى لا تعود بنفع على فريق دون آخر.
وكما بدا العنوان طلب مغادرة الغربان عن لبنان، هكذا نتمنى ونسعى للعلاقة البشرية جمعاء، فتتوقف المعارك والحروب، وتتقارب الدول والشعوب للعمل معًا من أجل مقاومة الأمراض والأوبئة، والاهتمام بالإنسان حتى لا يجوع، ومن مرض يستطيع العلاج حتى تنتهى الأيام بغروب شمس الحياة تطلعًا إلى النور الأعظم الذى لا تعتريه ظلمة ولا يشوبه ظلم بعد أن أودع راية وطنه إلى من تلقاه آمنًا وأمينًا، وهكذا تدور عجلة الزمن لكن لن نتوقف عن المطلب: آن للغربان أن تغادر سماء لبنان.