الإثنين 27 يناير 2020 الموافق 02 جمادى الثانية 1441
لينا مظلوم
لينا مظلوم

أهمية موقف مشترك.. يا عرب

الثلاثاء 14/يناير/2020 - 07:33 م
طباعة

«أسوأ الأوقات غالبًا ما تخلق أفضل الفرص لعقد تحالفات جيدة».. إحدى نظريات كواليس السياسة التى تبدو موائمة للمشهد العربى الحالى مع حجم التحديات التى انتقلت إليه من أحداث العام الماضى. كلمات مثل «الوحدة» أو «التحالف» تستدعى لذاكرة البعض مقتنيات المتاحف السياسية أو الظواهر المنقرضة، رغم أن موروث الصراعات والتدخلات الذى استقبلت به المنطقة العام الجديد يثبت أن التحالفات العربية هى الدواء الوحيد الذى يعيد ضخ الدماء إلى شرايين الجسد العربى المنهك. حالة تجمع قائمة على التخطيط المستند إلى نقاط القوة والضعف بما يضمن تحقيق أفضل النتائج فى إطار المصالح العربية.. فالتعامل مع عدد من الدول كقطع شطرنج تحركها مطامع إقليمية أو دولية يفرض ضرورة خلق صيغة موقف عربى موحد.. وهى لم تعد رفاهية تحتمل التأجيل، بل أصبحت حقيقة سياسية تفرض نفسها كقضية أمن قومى.
الرئيس السيسى شدد منذ أعوام على أهمية تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة والتأكيد أن الجيش المصرى سيدافع عن مصر والمنطقة «إذا اقتضت الضرورة وبالتنسيق مع أشقائنا العرب».. ثم قدم الرئيس مبادرة أخرى لتشكيل قوة عربية تفعيلًا لمعاهدة الدفاع العربى المشترك التى تم التوقيع عليها منذ عام ١٩٥٠.. لتتوالى العقود حتى يطال الصدأ والترهل بنود المعاهدة التى لم تظهر على السطح إلا عبر فترات زمنية متباعدة ارتباطًا بمواقف طارئة دون أن ترتقى إلى واقع توجه عام. فى المقابل، تجاوزت خطورة تحديات المشهد الحالى لمنطقة الشرق الأوسط كل سلبيات النهج السابق الذى تعاملت به الدول العربية مع هذه المعاهدة، خصوصًا مع تصدر التحالفات الدولية فى رسم السياسات بين القوى العالمية خلال العقود الماضية.
اجتماع وزراء خارجية ثمانى دول فى السعودية لإعلان ميثاق تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن جاء توقيته مناسبًا كتعبير فعلى عن مرحلة أحوج ما تكون المنطقة فيها إلى تعزيز قدرة دولها عبر تحالفات من شأنها فرض سياسة موحدة لمواجهة المخاطر المحيطة بالمنطقة. حالة الترقب السلبى وانتظار ردود الفعل الدولية والإقليمية، مع غياب تام لمحطات التعاون العسكرى العربى، جلبت على المنطقة كل مسببات الفوضى والصراع الذى يسود بعض دولها. مصر أدارت سياستها الخارجية بعد ٢٠١٣ نحو تقارب عربى، بالإضافة إلى نجاحها فى بناء «محور اعتدال عربى» سعيًا لخلق المزيد من تقريب وجهات النظر بين دول المنطقة خصوصًا فيما يتعلق بالنقاط الخلافية، وتجاوزها تمهيدًا لمقترح قوة مشتركة تدعم الأمن القومى العربى، هذا الاختيار أثبت رؤية استشرافية بعيدة النظر.. التحديات المهددة للأمن القومى العربى فى أشد الحاجة لإعادة ترتيب الأولويات.. لعل أبرز ملامح سلبيات غياب الرؤية الأمنية المشتركة ظهر فى شكل تعامل رد الفعل العربى مع خطورة ظهور وتمدد تنظيم إرهابى مثل داعش والذى اتسم بالبطء والالتباس، وعدم توافر الآليات المطلوبة لمواجهة تنظيم دموى احتل مناطق استراتيجية فى المنطقة، بالإضافة إلى أن ملف إرباك المنطقة عبر تحفيز تحولات سياسية غير مدروسة منذ ٢٠١١ ما زال قائمًا بكل سيناريوهات تقسيم المنطقة إلى مقاطعات ضعيفة تحت سيطرة تنظيمات جهادية.
بعض الدول لديها تحفظاتها تجاه كلمة «المشترك» نتيجة هواجس أو حساسية مفرطة لم يعد الوضع الحالى يحتملها.. سيادة بعض الدول قد تعرضت للمساس، بل فقدت كيانها، بينما انصرف اهتمام العرب عن تطبيق أى مشروع حاسم يحدد ويفرض رؤية مشتركة على أراضى منطقتهم. القوى الدولية أيضًا لديها «قلق» خاص بها تجاه أى منظومة تعاون عربى مشترك.. تحديدًا إذا ما تعلقت بالشق العسكرى، وهى إشكالية من الممكن تجاوزها مع وجود إرادة عربية مشتركة تمارس ضغطًا على الحلفاء الدوليين من أجل تأييد مقترح القوة الموحدة فى صيغة تعاون مقبول من الطرفين دون الخضوع لفرض أطراف أو توجهات تحيد بالهدف الرئيسى نحو متاهات فرعية، مثل دعوات الرئيس الأمريكى ترامب مؤخرًا إلى توسيع حلف شمال الأطلسى «ناتو» ليضم دولًا من منطقة الشرق الأوسط، أو فكرة تأسيس «ناتو» عربى التى طرحت خلال مؤتمر وارسو الذى عقد برعاية أمريكية العام الماضى.. هنا يكمن عمق مغزى السياسة الدبلوماسية المصرية ودعواتها المتكررة لتجاوز موروث المجاملات والبيانات المستهلكة، إلى إنهاء تراخى القوة الحقيقية للعمل المشترك. تحديث وتطوير بنود معاهدة الدفاع العربى المشترك بعدما فقدت الصيغ القديمة صلاحيتها ولم تعد ملائمة لكل التغير الذى طرأ على طبيعة وقواعد الحروب الحالية وأصبح قضية أمن قومى عربى.
إقرار ميثاق تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، حدث فى توقيت مناسب كخطوة لتسريع مجالات التعاون المشترك، وحماية أمن مواقع استراتيجية خصوصًا مع ازدياد الأهمية الاقتصادية للممرات المائية التى تعد أهم شرايين التجارة الدولية بعد شق قناة السويس الجديدة. أهمية عمل المجلس تكمن فى الجمع بين الجوانب الأمنية، والسياسية، والاستثمارية.. عبر تأمين حركة الملاحة البحرية، وتعزيز آفاق التعاون بين الدول الثمانى فى مجالات التجارة والاستثمار، وتنسيق سياسى بين الدول الأعضاء قد يبعث روح التنبه عند دول عربية أخرى ويحفزها على الاستجابة لضرورات المرحلة، وإعادة النظر فى تفعيل منظومة تنسيق عربى جماعى. التباين فى الرؤى السياسية العربية بكل آثاره السلبية من إضعاف دور جامعة الدول العربية، إلى عرقلة التوسع فى الاتفاقات العربية المشتركة حاليًا يصطدم بواقع تزداد خطورته مع تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية بشكل أكثر حدة، ما أسفر عن تحويل بؤر الصراع فى المنطقة العربية إلى مواقع صراع واقتسام نفوذ.
الصورة العامة للمشهد لم تعد تحتمل شروخ خلافات الدول العربية، ولا تسمح بموقف «المتفرج» أمام تحولات دولية تمس الأمن القومى العربى.