القاهرة : الأحد 26 مايو 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
فن
الثلاثاء 14/مايو/2019 - 08:54 م

محمد العسيري يكتب: التمور.. والكحك.. و«زكايب الفول».. هدايا المصريين القدماء للآلهة

محمد العسيري يكتب:
dostor.org/2630517

- كنافة وقطايف.. مين ينده لمين
- ثقافة الطعام فى الغناء الرمضانى.. أسرار أغنيات شويكار والمهندس وصباح

لقد عرف العالم القديم الأعياد.. مثل الربيع والحصاد.. ووفاء النيل.. ولأنهم فى عيد وموسم فكان من الطبيعى أن يذهب كل منهم إلى غايته.. وأبعدها التقرب إلى الله.. ولذلك عرف المصريون «عيد الصوم» الذى خصصوه لإرضاء الأرواح الميتة المحرومة من الطعام، فكانوا يذهبون إلى المقابر منذ يوم الأربعين ومعهم «قرص» يوزعونها على روح الميت.. وما زالت بعض قرانا فى الصعيد وبحرى تفعل نفس الشىء.. سواء فى الأربعين أو «طلعة الخميس».
من زمان جدًا وهم يصومون.. لكنهم قليلًا ما تدبروا.. يعنى إيه صيام؟!
والطعام فى الأصل «ثقافة» وهناك علاقة وثيقة بين المجتمعات وطعامها.. فالمشويات مثلًا هى طعام الرجال والخارج والخلاء.. فيما المقليات هى طعام المرأة والداخل فى البيوت.. هذا التقسيم البدائى حسب تعريف الكاتب مأمون فندى.. ليس هو التقسيم الوحيد.. فالعالم الشهير «كلودليفر شترادس» قسّم العالم إلى النيئ والمطبوخ، وكان يرى أن عملية الانتقال من النيئ للمطبوخ، هى عملية انتقال من البدائية إلى الحضارة.. وهكذا الحال فى الديانات الإبراهيمية الثلاث.. جزء كبير من أسباب انتشارها وكمونها ومن محددات حركتها يتوفر فى تحريم أطعمة ومشروبات بعينها أو إباحتها.. «الخنزير مثلًا».
وإذا نظرت إلى تغير فكرة مواعيد الأكل فى رمضان من ثلاث وجبات «إفطار وغداء وعشاء» إلى مرتين فقط.. تغير عددى من شروق وظهر ومغرب.. إلى شروق وغروب فقط.. فهذا كله مجرد دلالات غير مرئية عن «تغير روحى يحدث فى الشهر الكريم».. مع تغير «شكل ونوع ووقت الطعام».
وحسب الكاتبة غيداء أبوخيران فى مقال لها نشر فى ٢٦ مارس ٢٠١٨، فإن الطعام «يشكل المجتمع والثقافة التى يعبر عنها، ويعتبر جزءًا أساسيًا من هوية أفراده ومرآة تعكس تاريخه الممتد إلى آلاف السنين».
وتضيف «ثمة نظرية بسيطة يتداولها دارسو الأنثروبولوجيا ترى أن الذكاء البشرى لم يكن هو الحلقة التى تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات.. وإنما قدرته على التحكم فى النار وطهى طعامه».
شفتوا الحكاية مش بسيطة إزاى.. يعنى مش شوية فول.. ولا «طاجن بامية باللحمة».. و«صينية مكسرات» تضربهم وتقول فطرت.. أو تمتنع عنهم كام ساعة فى اليوم وتقول صايم وربما لو قرأنا جيدًا تفسير الآية الكريمة «ويطعمون الطعام على حبه» لعرفنا سر «رمضان» شهر الخيرات.


مواسم الطعام
من هنا.. أدخل إلى علاقة رمضان وأغانيه بالأكل والشرب.. وهو أمر لا يخص المصريين وحدهم.. ولا المسلمين وحدهم.. فللطعام مواسم وفى رمضان يبدأ المصريون عادة أيامهم بالبط الذى هو ثقافة خاصة بأبناء دمياط فقط.. انتقلت منه إلى معظم قرى مصر.. لكننا حتمًا لن نتحدث هنا عن البط.. لكن عن «التمر».. الذى يربط بين ثقافتين.. الأولى مصرية خالصة تعود إلى علاقة الفلاح القديم بالنخيل.. والأخرى لها علاقة بالصحراء وبالرسول «صلى الله عليه وسلم» الذى أخذنا عنه سنة «الإفطار على تمرة». فالنخل مقدس عند السومريين والبابليين والآشوريين، وفى قصة إغواء الشيطان لآدم وحواء، فى التوراة يوجد رسم لرجل على رأسه قلنسوة بقرنين وأمامه امرأة حاسرة الرأس وبينهما النخلة يتدلى منها ثمر تمتد إليه يد الرجل والمرأة.. وفى نصوص حمورابى «يتم تغريم الفلاح الذى يهمل فى تلقيح نخلته».
وعندما وصلت شجرة النخل إلى سوريا أصبحت «شجرة الحياة».. بعد أن كان اسمها فى السومرية «جشمار.. والتمر».. وبالعبرية «تمارا» أما فى مصر فكان اسمها «براونبرت» ومعناها «الحلاوة».
ومن حلاوة التمر تبدأ علاقة أغانى رمضان بالفول.. فكلاهما يمثل «قلب المائدة».. فول يملأ البطن.. وتمر يحلى «القلب» ويرطب ريق اللى صام.

زى اللوز ولذيذ يا مدمس
بدأت الأعياد أو المواسم فى مصر القديمة من «الرزق» الذى يعبرون عن فرحتهم بحصاده لمن وهبهم الرزق نفسه.. ومن أعيادنا القديمة عيد يسمونه «باكورة الحصاد» وكانوا يأتون فيه بأول حزمة من حصاد «الشعير» ليقدمها الكاهن إلى «الرب» يوم السبت الذى هو أول أيام الفطير.. وهو يوم الراحة، وكان يحدث ذلك فى موعد غروب الشمس.. وقت أذان المغرب يعنى ولا يزال أهل سيوة يحتفلون بيوم الحصاد فى شهر أكتوبر من كل عام عقب انتهاء حصاد «البلح والزيتون».. ومثلما عرفنا عيد الشعير والبلح والزيتون.. عرفنا عيد القمح.. وعيد الفول أيضًا.
والأخير هو أول طعام نغنى له فى رمضان.. والبداية كانت من عند الشاعر طاهر أبوفاشا مع الملحن سيد مصطفى الذى غنى مع فاطمة على «وأنا متشمر ع الفول الأخضر..» تلك الأغنية جاءت فى سياق صورة غنائية قدمتها الإذاعة المصرية فى أوائل الخمسينيات.. فحتى ذلك الحين لم تكن الإذاعة قد عرفت ما يسمى بالمسلسلات.. تلك الصورة قدمتها إذاعة «مع الشعب»: «يا زرع البدارى يا جمع العصارى بنادى عليك يا لوز يا حراتى».
أما أول من غنى للفول المدمس تحديدًا، فكان محمد قنديل مع إسماعيل شبانة من كلمات أبوفاشا أيضًا وألحان أحمد صبرة:
«المدمس مدهون كويس اللوز يا ريس تعالى غمس من المدمس بياع اللوز اللوز يا أبوالعيال والتوره تسوى ريال يا لوز اللوز.. يا مدمس».

والمدمس كلمة مصرية قديمة.. «تمس» وكان يأكله عوام الناس، لكن الكهنة كانوا يحرمونه على أنفسهم.. ويعود إلى الكاهن «توت» ومحاكمته.. فى مدينة «تميس».. فى معبد الإلة «ست».. وكانوا يصنعون منه «البصارة» واسمها القبطى «بست أورد» أى الفول المطبوخ.. لكن الفول الخالص الذى نأكله الآن.. فقد غنى له سيد إسماعيل وشفيق جلال من كلمات فتحى قورة وألحان عزت الجاهلى فى «صورة رمضانية» اسمها «قبل المغرب» شارك فى غنائها محمود شكوكو وثريا حلمى أيضًا:
«إدينى يا عم حسين طرشى واتوصى عنيا الاتنين.. حاجة حامية لأ ماتكترشى بقرشين أنا أحب الفلفل من صغرى ده بيفتح نفس الناس دُغرى أصله فى رمضان بيكون مغرى اخلص بقى يلا ومشينا قربت الشمس تودعنا والمغرب يدّن ويجينا».

ذلك الرجل «الطرشجى» الذى تغنى له ثريا حلمى.. هو من قال عنه أحمد أمين فى قاموسه عن العادات والتعابير إنه الرجل الذى يصنع «المخلل».. «وهم يخلطون فيه اللفت والخيار والجزر والبصل».. تذهب النساء والرجال بسلاطينهم «جمع سلطانية».. و«مواجيرهم» جمع «ماجور» يطلبون بقرش أو نصف قرش، فيضع الطرشجى اللفت فى القاع، لأنه كثير ثم قليلًا من الأصناف الأخرى، ثم يضع عليه «مرقًا مخللًا لونه بلون أحمر يسمى الدقّة».
تلك الصورة التى رسمها أحمد أمين كانت صورة القاهرة وقت أن كان «الإمبراطور إمبان يملك ١٥ مليون جنيه».. وكان المستر فينى والأمير عمر طوسون ومحمد فرغلى باشا والمسيو كوسيكا والأمير يوسف كمال وعائلة البدراوى وأحمد عبود باشا أغنى عشرة رجال فى مصر.
فى ذلك الوقت وتحديدًا فى شهر رمضان عام ١٩٥٠ دعا الملك فاروق طلبة الجامع الأزهر إلى وليمة كبرى فى قصر عابدين تلك المائدة كانت حسب صحيفة «الأهرام» من علامات الشهر الفضيل وأعقبها قراءة للقرآن وتواشيخ وغناء للشيخ محمد الصيفى ومصطفى إسماعيل وعبدالفتاح الشعشاعى.. وكان من أطباقها إلى جانب البط واللحوم وغيرهما.. طبق الفول المدمس طبعًا.
بعد عامين فقط من إقامة الملك فاروق لتلك المائدة.. قامت الثورة.. وجاء الإصلاح الزراعى وغنى له صلاح عبدالحميد «طينك على راسك».. فى نفس الوقت الذى قدم فيه أشهر أغنيات الفول:
«زى اللوز ولذيذ يا مدمس شغل إيديا وزيه مافيش خدلك منه بقرش وغمس فول متنقى عليه تحابيش قبل ما تجبر منى القدرة هات مواعينك واملى الدار فول مبروك من رب القُدرة صحن يكفى عشر تنفار عبوا نقاوة.. لذيذ يا مدمس كله حلاوة.. لذيذ يا مدمس».
الأغنية التى كتبها محمود إسماعيل جاد ولحنها سيد إسماعيل.. هى أول أغنية صريحة عن ذلك الطبق الذى يعود أصله فى مصر الحديثة إلى رجل يونانى يدعى «ديموس» كان يعيش فى منطقة مصر القديمة، وكان يملك «حمّام عمومى» خلفه تتراكم القمامة والمخلفات.. فكر فى أن يستغلها بالحرق فى أن يضع «قدرة فول» فى نارها.. فخرج طعمه مختلفًا ولذيذًا.. وانتشر من يومها منسوبًا إليه.
تلك الحكاية الطريفة التى استدعتها أغنيات سيد إسماعيل الرمضانية فى بداية خمسينيات القرن الماضى، تستدعى أن نحكى حكاية أخرى ترتبط بأول أغنياته عن «الكنافة والقطايف» والتى كتبها محمود إسماعيل جاد أيضًا:
«كنافة وقطايف مين ينده لمين ويأكل ولاده يا بخت الصايمين وتدوق الكنافة ونبيعلك رخيص معجونة بنضافة اتفضل وهيص باللوز المقشر والسكر مكرر ومين ينده لمين».

حكاية القطايف أكثر قدمًا من سيد إسماعيل طبعًا.. فقد عرفت من العصر العباسى.. وجاء ذكرها فى أشعار ابن الرومى.. وأنشد فيها أبوالحسن الجزار قوله: «سقى الله أكناف الكنافة بالقطر وجار عليها وسكرٌ دائم الدر وتبًا لأوقات المخلل أنها تسمر بلا نفع.. وتُحسب من عمرى..».
أما أشهر كنفانى فى عصر تلك الأغنية الرمضانية فكان الحاج عرفة.. أما باعة الفول.. فأشهرهم من وقتها حتى الآن «البغل».
ما يمكن كتابته عن تاريخ الفول والقطايف والكنافة كثير.. لكنى لا أستطيع تجاهل ما كتبه د. حسين عبدالبصير مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية الذى يؤكد أن المصريين كانوا يزرعونه قرب العاصمة القديمة منف.. ونحت المصرى القديم على جدران المعبد القرابين التى كان يقدمها للإله ومنها «زكايب الفول».

الفول أبوزيت
فى إحدى الثنائيات الغنائية الشهيرة والتى صارت من «طقوس رمضان الغنائية»، تغنى صباح من كلمات حسين السيد:
«ونرمى الأكل على السفرة أشكال وألوان والفول أبوزيت أصله يجنن فى فطور رمضان يسيب الأكل كله ويمسك طبق الفول ولقمة تجر لقمة يشبع ويقوم على طول والأكل بحاله ينشال والحال تانى يوم هوه الحال».
هذه الصورة التى كتبت نهاية غنوة فؤاد المهندس وصباح.. هى قصة تعاد يوميًا.. فى معظم بيوت مصر.. التقطها بذكاء حسين السيد.. وصنع منها «الراجل ده هيجننى» التى لحنها محمد الموجى بخفة دم وشياكة تليق بصوت صباح الرمضانى المرح.. والأغرب أن هذه الأغنية التى أذيعت ضمن فيلم القاهرة فى الليل - إنتاج عام ١٩٦٣- كانت بدايتها فى منزل الموسيقار فريد الأطرش الذى كان قد أعد وليمة لاستقبال صباح ومعها عدد من الأصدقاء منهم حسين السيد الذى عرض عليها فكرة الأغنية، فنصحها كل الموجودين بعدم غنائها، فقد كانت صورتها وقتها صورة «فتاة رومانسية يعشقها شباب السينما» وخشى أصدقاؤها أن تتغير تلك الصورة.. وخافت صباح فعلًا لولا أن فريد الأطرش نصحها بأن تؤجل قرارها لما بعد تلحين الأغنية التى رشح لها محمد الموجى.. وهو ما حدث بالفعل.. فقد نجحت بشكل مبهر.
«الراجل ده هيجننى طير مفاتيح عقلى منى ييجى رمضان وخناقه يزيد عايز طباخة.. سكة حديد اللحمة تلاث أشكال وطيور بجنيه وريال ويوماتى رز ومكرونة وكنافة باللوز وعلب تونة غير السلطات.. والمحشيات والمشويات والحلويات».. إلخ.
هذا النجاح الذى صادف الفيلم والأغنية.. أشعل الحريق فى بيت فؤاد المهندس.. ولم يكن من حل لإطفاء نار غيرة شويكار سوى الموافقة على طلبها بإنتاج أغنية تشبه أغنية صباح يذيعها التليفزيون المصرى.. وهذا ما فعله المهندس الذى استدعى مؤلف أغنيته السابقة حسين السيد ليكتب أول «ديالوج» رمضانى عن الأكل بينه وبين شويكار التى جاءت بحلمى بكر وكان قد لحن لهما فى مسرحياتهما عددًا من الأعمال المهمة، لتخرج لنا أغنية «الصيام مش كده».
شويكار: «فيه إيه تانى جرى إيه تانى فاضل ساعتين ع المغرب وخايلنى طول اليوم والمطبخ يضرب يقلب».
فؤاد: «يعنى أدخل أقشر توم».. إلخ.
ذلك الحوار الرمضانى الممتع حوله حلمى بكر موسيقيًا إلى «عمل بديع»، لكنه لم يحقق نفس النجاح الذى صادفته أغنية صباح.. لكنه على كل حال أطفأ نار غيرة شويكار ولو إلى حين.

التين والقمر الدين والشيخ رضوان
فى أغنية الثلاثى المرح «أهو جه يا ولاد» حرصت نبيلة قنديل على رسم صورة اليوم الرمضانى بعد ندائها بقدوم الشهر وطلبها من الأطفال «أهو جه يا ولاد.. هيصوا يا ولاد».. تلك الصورة البديعة ربطت استعدادات البيت المصرى بالطعام.. وبالتحديد حلويات الشهر التى يعشقها الأطفال:
«جبتلنا معاك الخير كله مالصبح نقوم ونحضر له من قمر الدين وبلح على تين والمغرب للمدفع واقفين وحوى يا وحوى».

تلك الأغنية لم تكن الوحيدة التى رصدت خيرات رمضان.. فعلها إسماعيل ياسين أيضًا فى تابلوه غنائى رسم تفاصيله بدقة غريبة الشاعر مصطفى عبده ولحنه عزت الجاهلى:
«الحاج أمين قال للصايمين أنا عندى التين والقمر الدين والشيخ رضوان دخل الدكان واشترى م الخير أشكال وألوان وطلع فرحان يدعى لرمضان ومعاه التين والقمر الدين الشيخ رضوان هدّى وحوِّد
على عبدالعال خدْ منه قطايف وكنافة وإداله ريال وطلع من عنده ومش عارف راح يمشى إزاى من كتر الخير متهيأله ينده شيال».

ذلك الاستعراض الذى يحتفظ التليفزيون المصرى بنسخة منه.. لا يذيعه غالبًا.. يكشف عن قدرات صوتية فارقة لإسماعيل ياسين الذى بدأ حياته مطربًا.. لكن الجمهور لم يتقبله مطربًا فذهب إلى المونولوج.. لكنه فى هذا الاستعراض الذى لحنه الجاهلى بشكل تطريبى أعاده إلى مربعه الأول الذى كان يتمنى أن يستمر فيه طويلًا لكنه لم يستطع.
وربما لتطريب اللحن.. ونقلاته المقاماتية الكثيرة.. لم ينجح الاستعراض فى أن يصبح «لحنًا» سهلًا يحفظه الأطفال كما أراد صانعوه.. لكنه بقى من الأعمال النادرة التى توثق للطعام المصرى فى المائدة الرمضانية.

صوانى فؤاد حداد
بدايات الشهر الكريم.. سجلتها الأغنيات التى تتحدث عن أطعمة بعينها.. الفول والطرشى.. والبلح.. وقمر الدين.. والمكسرات.. وغيرها.. وكذلك جرى الأمر فى تسجيل نهايات الشهر الذى يبدأ المصريون فى تحضير أطعمة العيد فى أيامه الأخيرة..
وفى واحدة من تجلياته الرمضانية، كتب عمنا فؤاد حداد تلك الصورة المبهجة عن المصريات وهنّ فى حالة «العجين والخبيز والنقش» نقش الكعك.. كحك العيد طبعًا:
وقبل أن نذهب لسيد مكاوى.. نعود إلى زمن البدايات لفكرة كعك العيد لنفهم تلك المنمنمات التى نسجها حداد بعبقرية مصرية خالصة.
فقبل خمسة آلاف سنة.. اعتادت زوجات الملوك تقديم الكعك للكهنة الذين يحرسون هرم خوفو يوم تعامد الشمس.. وكان الخبازون فى بلاط فرعون يتقنون صنعه فى أشكال متعددة منها اللولبى والمخروطى والمستطيل.. وتوجد فى مقبرة «رخمى رع» من الأسرة الثامنة عشرة، صور تشرح أن عسل النحل كان يخلط بالسمن ويقلب على النار ثم يضاف إلى الدقيق حتى يتحول إلى عجينة يشكلونها وترص على ألواح «الإردواز» وكانوا يحشونها أحيانًا بالعجوة أو التين.. ويزخرفونها بالفواكه المجففة كالنبق والزبيب.
هل ابتعدنا كثيرًا عما يحدث الآن؟! الإجابة أبدًا.
وفى متحف الفن الإسلامى بالقاهرة.. هناك قوالب للكعك.. كتبت عليها عبارات «كل هنيئًا واشكر».. و«كل واشكر مولاك» بالبلدى.. كل واشكر.. أما فى أيام الفاطميين فقد خصص الخليفة مبلغ ٢٠ ألف دينار لصناعة كعك عيد الفطر.. وقيل إن مائدة الخليفة «العزيز الفاطمى» بلغت ١٣٥٠ مترًا عليها ستون صنفًا من الكعك والغُريّبة.. وأطلق على عيد الفطر فى وقته «عيد الحلل».. الملابس يعنى.. لأنه كان يوزع ملابس بقيمة ١٦ ألف دينار أخرى.
وأيام صلاح الدين الأيوبى حاول الرجل القضاء على عادة صنع كعك العيد.. وباقى عادات الطعام الرمضانى لكنه فشل. وظللنا ننقش.. ونأكل.. ونغنى مع فؤاد حداد:
«مسحراتى.. منقراتى على تل عجوه وعسل وسمن ولا مجلس الأمن سهرانين لت وعجين يبنوا الهرم قالت حماة المحترم يا كحك يا سيد الكرم يتغطى بس بمشمشى يا بنت قومى وفرفشى لا تحوشى ولا تختشى احمى الوابور واستحمشى.. إشى.. وإشى.. تلاقيه مشى وإشى نغبشى وإشى حبِّشى وإشى رطرشى وإشى انقشى.. سكر عليه.. بركت عنيه قال إيه وإيه.. المشى طابلى والدق على طبلى».

ads
ads
ads