القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الأربعاء 06/ديسمبر/2017 - 07:19 م
ماجد حبته
ماجد حبته

وعاصمتها القدس

dostor.org/1651922

الأرجح، هو أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سيقوم بتأجيل القرار لستة أشهر، وأنه سيظل يكرر ذلك، حتى تنتهي فترة «أو فترتا» ولايته، كما فعل سابقوه. ليتأكد من جديد أن وعد (أو وعود) نقل السفارة الأمريكية إلى القدس «التي كررها السابقون أيضًا» مجرد كلام في الهواء!.

كانت تلك هي الزاوية، التي رأينا منها، في يناير الماضي، تصريحات تراجع عنها «ترامب» وقتها. وفي يونيو الماضي، قام بالفعل بتوقيع قرار التأجيل، الذي حان موعد تجديده الإثنين الماضي، لكنه أرجأ إعلان موقفه إلى الأربعاء في كلمة يلقيها في تمام الساعة ١٨ بتوقيت جرينتش، ٨ مساءً بتوقيت القاهرة، أي بعد ساعات من كتابة هذه السطور. ولن يخرج عن احتمالين: التأجيل للمرة الخمسين تقريبًا، أو المغامرة أو المقامرة بحسم الأمر وتحدّي إدانة ورفض المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتهديدات وتحذيرات رؤساء وزعماء عرب، وغير عرب، تلقاها في اتصالات تليفونية أو عبر بيانات رسمية.

موقف مصر الثابت، أكده الرئيس عبدالفتاح السيسي في اتصال تليفوني مع الرئيس الأمريكي، تبعه بيان رسمي، أوضح فيه تمسك مصر بالوضعية القانونية للقدس في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية، ودعا الرئيس الأمريكي إلى عدم تعقيد الوضع في المنطقة باتخاذ إجراءات من شأنها تقويض فرص السلام. كما حذر أحمد أبوالغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، ووصف تلك الخطوة بأنها «إجراء خطير ستكون له عواقب». وأيضًا، حذر الاتحاد الأوروبي من «تبعات خطيرة على الرأي العام في مناطق كبيرة من العالم». والاتحاد الأوروبي عضو في اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط، التي تضم الولايات المتحدة والأمم المتحدة وروسيا.

صحيح أن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، كان بين أهم القضايا المثارة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين ترامب وهيلاري كلينتون. وصحيح أن كليهما ذهب إلى اللوبي اليهودي وتعهد بتنفيذ القرار. لكن الواقع يقول أيضًا إن هذا القرار كان باستمرار، بندًا ثابتًا في تعهدات المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية، ديمقراطيين وجمهوريين. لكنهم جميعًا، بعد الفوز، يتعلقون بـ«القشاية» أو بالبند الذي يتيح لهم التأجيل لمدة ستة أشهر، لأسباب تؤثر على الأمن القومي أو تتعلق بالمصالح الأمريكية العليا.

النية مبيتة منذ سنوات طويلة، تحديدًا منذ قام الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، في اليوم الأخير لولايته «في ١٩ يناير ١٩٨٩» بالتوقيع مع الحكومة الإسرائيلية، على ما وصفوه بـ«اتفاق إيجار وشراء الأرض»، حصلت الولايات المتحدة بموجبه على قطعة أرض في القدس الغربية، لبناء السفارة الأمريكية عليها. وكانت الحكومة الأمريكية قبل التوقيع على هذه الوثيقة أو هذا الاتفاق، تعتبر القدس كيانًا منفصلًا، خارج نطاق السيادة الإسرائيلية. وجاء التوقيع اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بسيادة «إسرائيل» على المدينة المحتلة.

وقتها، كان ذلك القرار أشبه بـ«كرة لهب» رماها الرئيس، المنتهية ولايته، في حجر الرئيس الذي تلاه، «جورج بوش الأب»، إذ إن القانون الدولي يحول دون شراء أو استئجار الدول لأراضٍ محتلة. ومع ذلك، تحول الاعتراف الضمني إلى اعتراف صريح حين أصدر الكونجرس الأمريكي سنة ١٩٩٠ القرار رقم ١٠٦، بنقل السفارة من «تل أبيب» إلى القدس، ثم صدر قانون «سفارة القدس» سنة ١٩٩٥، ولم يكن قد مر شهر على توقيع اتفاقية طابا أو «أوسلو٢»، التي ألزمت الطرفين «الفلسطيني والإسرائيلي» بتأجيل النقاش حول وضع القدس إلى آخر مراحل مسار السلام أو مفاوضات الحل النهائي.

في قرار الكونجرس، ثم في قانون «سفارة القدس» ترجمة لكل المزاعم والأطماع الصهيونية في المدينة المحتلة، وتجاهل لتاريخها وواقعها، واستهانة بثلاثية أبعاد السيادة العربية عليها: فلسطينية، عربية، وإسلامية. إذ تضمن القرار، ثم القانون ثلاثة بنود: أن تبقى القدس موحدة غير مجزأة.. والقدس الموحدة هي عاصمة «إسرائيل». وألزم الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس وإقامة مبنى السفارة فيها، بحلول ٣١ مايو ١٩٩٩ أو متى يحين الوقت لذلك.

القانون ملزم، إذن، والتصويت لصالحه كان بأغلبية ساحقة: ٩٣ صوتًا «مع» مقابل ٥ أصوات فقط «ضد»، لكنه كما أوضحنا، يتضمن بندًا يسمح بالتأجيل، استند إليه الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون وقاموا بصورة منتظمة بتوقيع قرار التأجيل مرتين سنويًا. ولم يحدث الاستثناء، إلا في عهد بوش الابن «والبعيد كان مجنونًا وغبيًا وأمه عارفة.. وأعلنت ذلك»، ودفعه جنونه إلى محاولة القفز خطوة إلى الأمام في ٣٠ سبتمبر ٢٠٠٢ وقام بالتوقيع والتصديق على القانون، لكنه اضطر إلى التراجع، وعاد يؤجل ويؤجل. واستمرت قرارات التأجيل حتى نهاية فترة أوباما الثانية، الذي أضاف إلى قراره الصادر في ٤ ديسمبر ٢٠١٦، تحذيرًا للرئيس القادم «الرئيس الحالي» بأن تلك الخطوة قد تؤدي إلى تفجير الوضع بالمنطقة.

..ولا تبقى غير الإشارة إلى أن القدس الشرقية تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ يونيو ١٩٦٧، وأن الإسرائيليين جعلوا المدينة بكاملها، واقعيًا وعمليًا، عاصمة لهم. ولم يتوقفوا طوال نصف القرن الماضي عن إقامة المستوطنات في القدس الشرقية، دون أي التفات للقانون الدولي الذي لا يعترف بسيادتهم على المدينة المحتلة، ويرى تلك المستوطنات غير قانونية. وعليه، فإن «ترامب» لو غامر أو قامر، فإن قراره لن يعني، عمليًا أو واقعيًا، غير نقل علم دولته من فوق مبنى في تل أبيب إلى آخر في القدس التي ستظل تستوطن قلوب العرب، ولن يقبلوا غيرها عاصمة للدولة الفلسطينية، دون أي التفات إلى نعيق المنتقلين إليها، أو الغربان المستوطنين فيها.

ads
ads
ads