القاهرة : الجمعة 23 يونيو 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الإثنين 19/يونيو/2017 - 09:38 م

محمد الباز يكتب.. الله في مصر «25»: لماذا لا يصطحب الفلاسفة الله إلى قاعة المحاضرات؟

محمد الباز
محمد الباز
dostor.org/1440852

قد تستسهل القضية كلها، وتقول عندما يسألك البعض عن الله عند الفلاسفة: هو موضوع دراسة.
لو أجبت بهذه الإجابة فلن يلومك أحد، فهى إلى حد بعيد صحيحة جدًا، هذا على السطح فقط، لكن عندما تدخل فى أعماق الفلاسفة وتستعرض ما قالوه عن الله، ستجد أنه عندهم حيرة ولا أكثر من ذلك.
يمكنك أن تحسم قضية الله فى داخلك.
فإذا كنت مؤمنًا به، منطلقًا من أرضية الأديان، فستكون صورته عندك كما شكلها الدين الذى تدين به، لن تخرج عنه شبرًا واحدًا، ولو جرب أحدهم وحاول أن يجرك إلى أرض الشك، فستبعده عنك، لأنك حسمت الأمر داخلك.
وإذا كنت مؤمنًا به، من أرضية عقلك الذى يرشدك إلى الصواب، ويجعلك لا تتخيل أبدًا أن يكون هذا الكون كله مخلوقًا من تلقاء نفسه، بل لابد أن يكون هناك خالق، فإنك ستدافع عن وجود هذا الخالق، ولن تقبل تشكيكًا فيه من أى نوع، لأن إيمانك بهذه الطريقة يكون لك سندًا ومانعًا فى الدخول فى دوامات العبث، التى تتكون على هامش الأسئلة الوجودية العظيمة.
وإذا كنت منكرًا لله من الأساس من أرضية رفضك الأديان، فإنك ستقضى حياتك كلها بحثًا عن دليل يؤكد صحة كلامك، ويجعل من الأديان مجرد أكاذيب، فأنت لن تستقر أبدًا وأنت تعرف أن هناك ما يؤكد أنك لست على صواب، بل حتى تستريح وتطمئن، فلابد أن تنسف هذه الأديان نسفًا، بل تنسف كل ما جاء فيها ليقول إن الله موجود، أو إن لهذا الكون خالقًا من الأساس.
وإذا كنت منكرًا لله منطلقًا من حجة عقلية فإنك ستلجأ إلى العلم المادى، ولا مانع عندك من أن تطوف الأرض كلها، أو على الأقل تستمع لمن طافوا الأرض ليثبتوا بنظرياتهم أن هذا الكون انبثق من تلقاء نفسه، ولم يكن فى حاجة أبدًا ليد تحركه.
أما إذا كنت خارجًا عن كل هذه الدوائر، تتحرك فى الكون دون أن تشغلك قصته، لا من أين بدأ ولا إلى أين سينتهى؟، فأنت غالبًا لن ترهق نفسك فى البحث، ولن تتحمل عناء إثبات أو نفى وجود الله.
يمكننى أن أصدع رأسك الآن، وأضع أمامك عبارات منسوبة لفلاسفة كبار فى كل دول العالم عن الله، وبالطبع سيكون من بينهم فلاسفة مصريون – رغم أنك من الصعب جدًا أن تعثر على فيلسوف مصرى كامل صاحب نظرية متكاملة – لكننى لن أفعل ذلك، بل سأتوقف عند كاتب مصرى عملاق، له كتاب واضح وصريح عن الله.
أحدثكم عن عباس محمود العقاد وكتابه «الله... كتاب فى نشأة العقيدة الإلهية».
أرهق العقاد نفسه فى هذا الكتاب، كما أرهق نفسه فى بقية كتبه، فلم يكن يكتب شيئًا إلا ويتوافر له تمامًا، لكننى أعتقد أن إرهاق العقاد فى حديثه عن الله، كان مختلفًا، لأنه حاول على طول الكتاب وعرضه أن يثبت ما هو موجود، ويحُاجج من ينكرون وجود الله بحجج منطقية، لا يعتمدها المنكرون لأنها مرهقة لهم، وليس أكثر من ذلك.
فى الطبعة الثالثة للكتاب يستوقفنا ما قاله العقاد قليلا.
يقول: فى نهاية الطبعة الثانية من هذا الكتاب لخصنا زبدة الآراء الراجحة فيما تستطيعه العلوم الحديثة من الحكم الصادق فى مسألة الحقيقة الإلهية، فقلنا إن العلوم الطبيعية ليس من شأنها أن تخول أصحابها حق القول الفصل فى المباحث الإلهية والمسائل الأبدية، لأنها من جهة مقصورة على ما يقبل المشاهدة والتجربة والتسجيل، ومن جهة أخرى مقصورة على نوع آخر من الموجودات، وهى - بعد هذا وذاك - تتناول عوارض الموجودات ولا تتناول جوهر الوجود، وهو لا يدخل فى تجارب علم من العلوم.
ويواصل العقاد تلخيصه لما ذهب إليه، فيقول: العالم الطبيعى يحق له إبداء الرأى بحق العقل والدليل والبديهة الواعية، لأنه إنسان يمتاز حقه فى الإيمان بمقدار امتيازه فى صفات الإنسان، أما العلم نفسه فلا غنى له عن البديهة الإنسانية فى تلمس الحق بين مجاهل الكون وخوافيه، فكيف تسرى المقررات العلمية بين العلماء فضلًا عن الجهلاء دون ثقة البديهة؟
كيف يعرف المهندس صدق الطبيب فى مباحثه العلمية، ولا نقول كيف يعرف الجاهل بالطب والهندسة؟ فما من حقيقة من هذه الحقائق تسرى بين الناس بغير ثقة البديهة وثقة الإيمان، وما من حقيقة من هذه الحقائق يعرفها جميع المنتفعين بها معرفة العلماء أو يمكن أن يعرفها جميع الناس كما يعرفها بعض الناس، وهى مع ذلك مسائل محدودة يتاح العلم بها لمن يشاء، فلماذا يخطر على البال أن حقيقة الحقائق الكبرى تستغنى عن ثقة البديهة الإنسانية، لا يتأتى أن تقوم فى روع الإنسان إلا بتجارب المعامل التى يباشرها كل إنسان.
كان العقاد يكتب مقدمة الطبعة الثالثة من الكتاب فى العام ١٩٥٩، بعد سنوات من صدوره الأول، ووقتها كان يستعرض كتابًا حديثًا للبروفيسور «ه. د. لويس»، اسمه «تجربتنا الإلهية» أو «تجربتنا عن الإله».
نقل العقاد ما نقله عن كتاب لويس، ثم قال: وعلى الجملة يمكن أن تدل فلسفة لويس، ونظائرها من الفلسفات الدينية فى هذا العصر على نتيجتين:
الأولى.. أن أدلة المنكرين غير كافية للإنكار، فليس عندهم من دليل مقنع يستند إليه العالم أو المفكر فى الجزم بإنكار وجود الله.
والأخرى.. أن أدلة المؤمنين كافية لبعض الإثبات، ولابد من ملاحظة الفرق بين القول وبين القول بأن تلك الأدلة لا تكفى للإثبات على وجه من الوجوه، فإن ما يثبت بعض الثبوت بالعقل، ويتم ثبوته بعد ذلك بالبديهة غير الدعوى التى ليس لها ثبوت على الإطلاق، خاصة حين نعلم أن الاعتماد على البديهة سند معوّل عليه فى الدراية الإنسانية، كما يعوّل الطبيب على حقائق الهندسة ويعوّل المهندس على حقائق الطب، ويعوّل الناس جميعهم فى الحكم ببديهتهم على الحقيقة التى لا يحيطون بها كل الإحاطة.
طاف العقاد كثيرًا بين الأمم والعلوم وأصحاب الفلسفات، وأعتقد جازمًا أنه لم يسترح أبدًا، ولم يصل إلى مرفأ آمن أبدًا، لأنه جعل الله موضوع بحث مطلق، لم يجعل منه حتى موضوع بحث ليصل إلى حقيقة.
ولذلك سأترك هذا الكتاب جانبًا، يمكنك أن تعود إليه فى أى وقت، فهو متاح وبكثرة، وصدرت منه طبعات عديدة، وإن كنت أعتقد أن من قرأوه أو صبروا على قراءته كاملًا من كل طبعاته عدد قليل جدًا.
سأبقى مع العقاد فى مساحة أخرى مع الله.
وأعترف لكم بأنه كان واحدًا ممن كونوا صورة الله عندى، ليس بكتابه ولا بدراساته العديدة، ولكن بواحدة من كلماته التى يمكن أن تعتبرها بليغة وحكيمة ومخلصة وغارقة فى العمق، فمن بين ما يُنسب إلى العقاد قوله: «كلما رأيت جمالًا فى الكون قلت لا يليق هذا الجمال إلا بإله... وكلما رأيت نقصًا فى الكون قلت لا يستطيع أن يُكمَّل هذا النقص إلا بالله».
هل رأيتم تلخيصًا لقصة الله أوفى من هذا، إن كل شىء هو من الله ولله، الخير منه والشر أيضًا، الجمال منه والنقص أيضًا، يمكن أن تفتح القوس وتضع كل المتناقضات على كثرتها، وستجد أنها جميعًا من يد الله، فلا شىء لنا ولا شىء بأيدينا، فنحن لسنا أكثر من أوراق تحركها رياح القدرة الإلهية أنى شاءت، لا نعرف أين نستقر ولا متى؟ لكننا نعرف أننا يومًا ما سنستقر، والكلمة النهائية فى ذلك لله وحده، فليس بعد كلمة الله ولا قبلها كلمة، وما علينا إلا أن نسمع ونطيع، رضينا بذلك أو لم نرضَ.
هل قرأتم كتاب أنيس منصور «فى صالون العقاد.. كانت لنا أيام».
ستذكرنى بأننى قلت قبل ذلك إن ما نشره أنيس منصور عن العقاد فى كتابه لم يكن إلا أكاذيب مطلقة، وإنه لم يكن أبدًا من رواد الصالون، سأقول لك: لقد قلت هذا بالفعل، ومازلت أصر عليه، لكننى لم أقل إن ما جاء فى الكتاب لم يقله العقاد، جمعه أنيس بطريقة أو بأخرى، ولذلك فالكتاب ينسب فى الغالب لأنيس، رغم أن ما جاء فيه كله عن العقاد، وتلك براعة كان يمتلكها أنيس، ولا يمكن أن نلومه عليها.
من صالون العقاد ننقل هذا الحوار الذى كتبه أنيس فى مقدمة فصله الذى وضع له عنوان «وجلسنا نعذب أنفسنا»، وهو حوار للوهلة الأولى لا تعرف يدور بين من على وجه التحديد.
- سؤال: هل تؤمن بالله؟
- ما هذا السؤال؟ هل من الممكن أن يجىء هذا السؤال عن الدين هكذا؟ كأنك ضربت «يافوخى بشاكوش»، ألا يوجد أسهل وأبسط من هذا؟
- كل الأسئلة متشابهة الصعوبة، بل ليس أسهل من الأسئلة، مثلًا ما عدد الرمال على شاطئ المعمورة؟ ما عدد الذكور والإناث بين أسماك المحيط الهادئ؟ هل أنت ابن شرعى لوالديك؟
- أريد أن أعرف كم عدد الأسئلة لكل واحد منا، وهل سيجىء دورنا لكى نسألك أنت أيضا، وإن كنت أجد أن من الظلم أن نسألك عن الذى دار بينك وبين طه حسين والحكيم والزيات أمس الأول، وما دار بيننا جميعا أمس، وقبل أن أجيب عن هذا السؤال أجدنى مشغولًا باختيار عنوان جذاب لهذا الحوار، مثلًا: صالون العقاد فى غياب العقاد، أو بجوار العقاد وليس معه، أو على مقربة من العقاد، أو على مرأى من العقاد وليس على مسمع منه، أو مهما حاولنا أن نتحلل منه، ارتبطنا أكثر، أو أنت مع العقاد تتعب دائمًا ما رأيك؟
ينتقل أنيس إلى مساحة أخرى من الحوار.
- أجب عن السؤال: هل أنت مؤمن بالله؟
- ولكن ما علاقة هذا بالأستاذ العقاد؟
- كل شىء له علاقة بالعقاد.. أجب.
- نعم.. وأرى أن هذا هو الفارق بين الإنسان والحيوان!
- وأنت؟
- لا...
- وأنت؟
- بالله؟ نعم ولكن ليس من الضرورى أن أؤمن بكتبه ورسله.
- وأنت؟
- بأنه الأب والابن والروح القدس إله واحد آمين، ولكنى أرى فى الإسلام مزايا لا أجدها فى ديننا.
- وأنت؟
- أرى أن السؤال لا معنى له، لأنك تسأل عن شىء لا وجود له، فالله ليس إلا الأب أو شيخ القبيلة أو الحاكم، وقد أطلنا عمره ملايين السنين وأطلنا ذراعه ملايين الكيلو مترات، ووضعناه فى السماء لكى يسيطر على الأرض وسكان الأرض، ولذلك فليس غريبًا أن نجد فى الديانات القديمة أن الإله هو الأب، وفى العصور الحديثة أن الزعيم هو أبوالشعب، وأن الأب هو رب العائلة، فليس الإله إلا صورة مكبرة للأب، وكما أن الأب يحمى الأسرة ويخيفها ويخيف أعداءها أيضًا، فالإله هو الذى يحمى ويخيف، أو هو الذى نعتقد أنه يفعل ذلك، لا لأنه بالفعل كذلك، إنما لأننا نريده أن يفعل ذلك، فهو صورة لآبائنا، وتجسيد لأحلامنا، وهو أيضًا القوة الكبرى التى تخيف وتعاقب وتعذب، ونحن الذين صنعنا الخوف والعذاب والعقاب، ولكى نجعل كل هذه المخاوف منطقية فإننا أعطينا لهذا الإله كل اختصاصات الأب والمدرس والجندى والعمدة والإمبراطور، وهو يكبر معنا، فعندما كنا صغارًا كنا نرى الجندى هو أقوى رجل فى العالم، وعندما نكبر قليلًا نرى أن العمدة أقوى من الجندى، وبعد ذلك نرى المحافظ والوزير ورئيس الوزراء والملك أو رئيس الجمهورية، ثم نرى أن بلادنا هى أجمل وأعظم البلاد، وأن شعبنا هو أحسن وأطيب وأذكى وأعظم شعب، أى أننا أعظم الناس، وأن كل واحد منا هو أحسن من كل الآخرين فى أى بلد، ومعنى ذلك أننا نعطى كل العظمة للإله، ثم نسحبها منه، ونوزعها على أنفسنا، وكل ذلك اختراع مصالحنا ومخاوفنا وأوهامنا، وهذا السؤال هو واحد من عشرات الألوف من الأسئلة الوهمية الخرافية.
- وأنت؟
- أنت تعرف ربى، فأنا أكثركم تواضعًا، وإن كنت أقلكم راحة للنفس والعقل، فأنا لم يتسع وقتى لكى أفكر فى كل هذه القضايا، وليس معنى ذلك أننى أؤجل النظر فى هذه القضية الخطيرة، إنما أنا لا أنظر فيها مطلقًا، لسبب بسيط جدًا هو أننى لست مؤهلًا عقليًا ودينيًا لدراسة مثل هذه القضية الخطيرة، وأنا لا أعتقد أن المحامى الذى إذا طلبوا إليه أن يعالج مريضًا، فاعتذر، يكون جاهلًا أو كافرًا أو رافضًا، إنما لديه سبب معقول وهو أنه ليس متخصصًا فى علاج الأمراض، كما أن الطبيب ليس متخصصًا فى المرافعة أمام المحاكم أو الجلوس للقضاء، فأنا فقط لا أدفع ببطلان القضية، إنما أنا أدفع ببطلانى أنا محاميًا وقاضيًا، وقد استرحت إلى ذلك، فأنا أؤمن بالله معتمدًا على وجدانى، وعلى شىء فى أعماقى يقول إنه موجود، وإن وجوده يحتمه العدل، أى العدل الذى سوف يعاقب الظالم والقاتل واللص.
لا تعرف على وجه التحديد، بين من يدور هذا الحوار، هل بين أنيس منصور والعقاد، أم بين أنيس وأحد الذين كانوا يشاركون فى صالون العقاد، أم أنه كان بين أنيس منصور ونفسه، وهذه الأخيرة جائزة جدًا، لكن على أى حال فهو يدور فى فلك العقاد، ومن بين أفكاره، ويشير من بين ما يشير إلى فكرتنا الأولى التى انصرفت إلى أن الله عند الفلاسفة حيرة وراءها حيرة.
وأغلب الظن أن هذه الحيرة مبعثها إخضاع الله للدراسة خارج منطق الإيمان والتسليم، وهو ما أثبته الدكتور صلاح فضل فى مقدمة كتابه «وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن»: يقول: «وفى لقاء مع آخر الفلاسفة العرب الدكتور زكى نجيب محمود فى منزله بالقاهرة مطلع الثمانينيات، أخذت عليه صمته عن صناعة الزعماء الفراعين فى مصر، فحكى لى قصة صراعه مع السادات حتى منعه من الكتابة قبيل مصرعه، ثم أخذت عليه أنه قد أخذ يمالئ الشعور الدينى فى شيخوخته بعد أن كان فى شبابه يقول لتلاميذه فى الجامعة: اخلعوا من أذهانكم فكرة الله قبل أن تدخلوا قاعة الدرس حتى تتأهبوا للتفكير الفلسفى».
هذه هى القاعدة إذًا...إنهم يفكرون فى الله منطلقين من كل المساحات وكل التخيلات وكل الاحتمالات، ولا يقتربون أبدًا من الحقيقة التى تحكم الله لدى الله.
يقولون إن الضد يظهره الضد، ولأن الله ليس له ضد، فهو يظل مخفيًا، هذا قدرنا معه، وهو ما يجعلنا حائرين حوله، فاختر الأرض التى تنطلق منها وإليها، إما أن تكون مؤمنًا به كما يريد، وإما أن تظل حائرًا حوله كما تريد.. لك أن تختار...المهم دائمًا أن تدفع ثمن اختيارك.

ads
ads