رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

العبودية في شكل جديد

تؤرق ظاهرة الاتجار بالبشر المجتمع الدولي، فهي جريمة عابرة للحدود. وشهد العالم مؤخرًا تناميًا لهذه الظاهرة، وبخاصة في المناطق التي تعاني من تزايد الاضطرابات السياسية، والتدهور الاقتصادي، بالإضافة إلى الصراعات المسلحة سواء الداخلية أو الحدودية، وهو ما سهّل للعصابات المنظمة الحصول على الموارد البشرية المتجددة اللازمة لحدوث عملية الإتجار، وجني الكثير من الأرباح. ومن ثّم تم تخصيص يوم 30 يوليو لمكافحة الإتجار بالبشر عام 2013، حيث أصبحت ظاهرة الإتجار بالبشر سوقًا كبيرًا يُدار بواسطة عصابات عابرة للقوميات والحدود، ويتعاملون فيه مع الإنسان كسلعة يتم نقلها بين الدول وفقًا لعوامل العرض والطلب، ويقوم هذا السوق في الجزء الأكبر منه علي تجارة النساء والأطفال دون رغبة منهم، ويصل عدد الأشخاص الذين يتم الإتجار بهم إلى ما يزيد عن 21 مليون سنويًا. وهنا أحب أن أفرق بين الإتجار بالبشر وتهريب البشر، فتهريب البشر يكون عن طريق اتفاق مسبق وفي الأغلب يقوم الفرد الراغب في الهرب، بدفع مقابل مادي إلى المنظمين لهذه العملية، وذلك من أجل الحصول على فرصة عمل من خلال الهجرة غير الشرعية، وربما فيما بعد يدخل بعض هؤلاء الأفراد في العملية الديناميكية للإتجار بالبشر، كما يحدث على سواحل ليبيا أثناء هجرة بعضهم إلى أوروبا، أما الإتجار بالبشر فيكون الفرد مجبرًا على القيام بأفعال رغمًا عنه، كبيعه في سوق للنخاسة أو بيع أعضائة البشرية.

يشكل الإتجار بالبشر شكلًا حديثًا من العبودية الناتجة عن العولمة وما أفرزته من تحرير للأسواق، وإنشاء الشركات العابرة للحدود، ورأسمالية قائمة على تعظيم الأرباح، حيث تقوم بنهب فائض المجتمعات النامية، والتعامل فيها مع البشر الذين يعيشون في أوضاع هشة وغير مستقرة، على أنهم مجرد أشياء قابلة للاستخدام، ومن ناحية أخرى؛ يدخل العرق بشكل رئيسي في عملية الإتجار، والذي بدأ مع تجارة الرقيق الأسود عبر المحيط الأطلسي، وهو ما تزامن فيه صعود للرأسمالية الأوربية، وازدهرت حينذاك العديد من المدن الأوروبية، واستطاعت تحقيق المكاسب الضخمة من الصناعات الزراعية، والتي تم بناؤها ودعمها بالعبيد الأفارقة، وفي هذا السياق أشار (يوجين جينوفيز) وهو مؤرخ أمريكي في كتابه (الاقتصاد السياسي للعبودية 1965)، إلى وضعية العبيد ودورهم في زيادة الإنتاجية، انطلاقًا من مساهمتهم في الاقتصاد الزراعي للولايات المتحدة، والتي أدت إلى زيادة إنتاجية المحاصيل مرتفعة الطلب كالتبغ والأرز، وكذلك دورهم الرئيسي في كوبا، في أن يصبح السكر سلعة استراتيجية.    

ما يثير للقلق هو زيادة عدد الشبكات والمنظمات التي تعمل في تجارة البشر، والتي ربما تكون قد ازدات في ظل كوفيد- 19 مستغلين في ذلك ازدياد العوز الاقتصادي لدي الكثير من الأفراد وتحديدًا في الدول النامية، كما تقوم المؤسسات المنظمة لهذه العملية، بأنواع أخرى من الأنشطة المخالفة للقانون في كثير من الدول، كتجارة المخدرات والأسلحة. تحقق تجارة البشر عوائد تقدر بـأكثر من 200 مليار دولار سنويًا، وتأتي في المرتبة الثالثة بعد تجارة المخدرات والسلاح، وفي نفس الوقت تقوم الدول بإنفاق ملايين الدولارات لمكافحة هذه التجارة، لذا بات العالم يعاني من تبعات اقتصادية، وإنسانية، وحتي سياسية من هذا النوع من الإتجار. تمثل التجارة  في البشر شكلًا من أشكال الاقتصاد السري، والذي يقدر حجم رأس ماله على مستوي العالم 2.2 تريليون دولار، وذلك وفقًا لمنظمة النزاهة المالية العالمية، وهذا النوع من الاقتصاد لا يتم حسابه ضمن البيانات الرسمية، وبالتالي لا يشكل جزءًا من الناتج المحلى الإجمالي، والذي قد يضيف في المتوسط 40%  إلىGDP  للاقتصادات الناشئة. 

     يأخذ الإتجار بالبشر أشكالًا متعددة ما بين الاستغلال الجنسي، ونزع الأعضاء، والعمل القسري، وأطفال من أجل التسلح، وهذا ما يأخذني إلى الوقوف على علاقة الجماعات الإسلامية الراديكالية المسلحة، بالإتجار بالبشر، والذي يعد من مصادر تمويلاتها الهامة، لذا نجد أن تجارة البشر ازدهرت في دول متأججة بالعمليات الإرهابية كسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، ولا سيما بعد التضييقيات الإقليمية والدولية والتي أثرت على حجم التمويلات المتدفقة إلى هذه الجماعات، وهو ما دفعها للبحث عن مصادر ذاتية للتمويل، فكان لتجارة البشر فيها نصيبًا أساسيًا، والتي جعلتها تجنى المليارات. ليس الجانب المادي فقط هو هدف الجماعات الإرهابية، فهي تهدف أيضًا إلى خلق حالة من الفزع والخوف بين المواطنين، بعرض صور لسبايا من النساء، أو مقاطع لمخطوفين من الرجال والأطفال، الأمر الذي يترتب عليه عدم الشعور بسيطرة الدولة، وضعف الجهاز الأمني، ومن هنا تتحقق نقطة التلاقي بين الهدف المنشود من الإتجار بالبشر، والعمليات الإرهابية. وقد أكد مجلس الأمن الدولي في هذا الصدد على أن "أعمال الإتجار بالبشر أثناء النزاعات المسلحة، وكذلك العنف الجنسي والجسماني، يعد جزءًا من الأهداف الاستراتيجية والأيدولوجية لبعض الجماعات الإرهابية". لا يمكن اقتصار عمليات الإتجار بالبشر، التي تقوم بها الجماعات الإرهابية على أنها انتهاك لحقوق الإنسان والقانون وتحقيق المكاسب المادية فقط، بل هي وسيلة أيضًا لاختراق الدول، بمساعدة الشبكات والمؤسسات المنظمة للإتجار بالبشر المنتشرة في كثير منها، وهو قد ما يسهل القيام بعمليات إرهابية في هذه الدول.