الجمعة 20 سبتمبر 2019 الموافق 21 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

مع تجدد التوترات: كوريا الشمالية تحت مجهر الثقافة الغربية

السبت 17/أغسطس/2019 - 03:38 م
جريدة الدستور
أ ش أ
طباعة
مع تجدد التوترات في شبه الجزيرة الكورية، باتت كوريا الشمالية موضع اهتمام مكثف تحت مجهر الثقافة الغربية، بينما تتوالى كتب جديدة في الغرب حول شخصية الزعيم الكوري الشمالي الشاب كيم جونج أون الذي قرر استئناف تجارب لإطلاق الصواريخ.

وتتصاعد التوترات مجددًا في شبه الجزيرة الكورية لتبدد موجة تفاؤل بعد اللقاء الثلاثي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونج اون ورئيس كوريا الجنوبية مون جيه- ان والذي عقد في الثلاثين من شهر يونيو الماضي بمنطقة حدودية بين الكوريتين.

والملاحظ أن أغلب الكتب التي تصدر في الغرب حول كيم جونج أون تعمد لإضفاء طابع غرائبي على شخصيته والتنقيب في خبايا طفولته وسنوات المراهقة كما فعلت آنا فيفيلد في كتابها الجديد الذي صدر بعنوان "الوريث العظيم: الصعود السري وحكم كيم جونج أون" فيما تتحدث المؤلفة وهي صحفية في جريدة "واشنطن بوست" الأمريكية عن عشقه أفلام جيمس بوند ولعبة "سوبر ماريو".

والمؤلفة الأمريكية التي ترى أنه "من قبيل الأوهام تصور إمكانية تخلي الزعيم الكوري الشمالي الشاب عن ترسانة أسلحته الفتاكة، وإن كان من الممكن وضع حد لمزيد من تعاظمها" ترسم في كتابها صورة منفرة لشخصية كيم جونج اون منذ طفولته المدللة في بلد يعاني شعبه من ظروف معيشية قاسية معيدة للأذهان أنه عندما بلغ سن الـ12 عاما أرسله والده الرئيس الراحل كيم جونج ايل إلى سويسرا للدراسة في مدرسة داخلية وانغمس في رحلات بفرنسا وإيطاليا في ملذات الحياة الأوروبية.

والكتاب الذي يحمل نوعا من السيرة الذاتية لكيم جونج اون يوضح أن المؤثرات الغربية التي تعرض لها في سنوات الصبا والمراهقة لم تؤد لأي تأثر حقيقي بالثقافة السياسية في الغرب، فيما يحظى هذا الكتاب باهتمام واضح في الصحافة الثقافية الغربية لتزامنه مع التوترات التي تتصاعد مجددا في شبه الجزيرة الكورية وتطورات ما يسمى "بالدبلوماسية النووية بين دونالد ترامب وكيم جونج".

وتلك النوعية من الكتب يواجه مؤلفها إشكاليات متعددة من بينها المعلومات الكاذبة لكن آنا فيفيلد التي زارت كوريا الشمالية 14 مرة تؤكد أنها اعتمدت في هذه السيرة الذاتية لكيم جونج أون على مصادر مقربة من أسرته الحاكمة فضلا عن أصدقاء كانوا على صلة وثيقة به أثناء دراسته في سويسرا.

وفيما وصف جوليان بورجر محرر الشؤون الخارجية في جريدة "الجارديان" البريطانية هذا الكتاب "بالدراسة الممتازة حول الزعيم الكوري الشمالي الذي ورث الحكم وهو في سن ال27 عاما" فانه يلفت لأسماء مستعارة لمصادر أوردتها المؤلفة الأمريكية ومن بينها كبير طهاة ياباني اسمه المستعار "كينجي فيوموتو" وقد عمل في خدمة عائلة كيم جونج اون.

واذا كانت الأسماء المستعارة تضفي أجواء من الإثارة والتشويق على كتاب الأمريكية آنا فيفيلد فالأسماء المستعارة حاضرة أيضا في الكتابات الأدبية حول الزعيم الكوري الشمالي المغرم بكرة السلة ومشاهيرها في الولايات المتحدة كدينيس رودمان الذي عرفه جيدا.

والصحافة الثقافية الغربية تحدثت عن مجموعة قصص قصيرة لمؤلف كوري شمالي مجهول بقدر ما أثارت هذه المجموعة القصصية فضولا لأنها أول عمل أدبي يكتبه شخص باسم مستعار داخل كوريا الشمالية ويناهض بوضوح هذا النظام.

ومع تجدد التوترات في شبه الجزيرة الكورية، راحت الصحافة الثقافية الأمريكية والغربية على وجه العموم تلفت الأنظار لما تصفه بقصص مهربة لمنشق عن النظام الحاكم في بيونج يانج دون ان تغفل الاشارة الى ان هذا المنشق مازال يعيش داخل كوريا الشمالية الأمر الذي ينطوي على مخاطر جسيمة يمكن ان يتعرض لها هو وعائلته حال اكتشاف هويته.

واذ صدرت هذه المجموعة القصصية القصيرة بعنوان:"الاتهام..قصص ممنوعة من داخل كوريا الشمالية" باسم مستعار للمؤلف الكوري الشمالي وهو:"باندي" أضفى نقاد في صحف غربية كبرى كنيويورك تايمز والجارديان صفات مثل الشجاعة والاقدام على هذا المؤلف المجهول.

وعلى حد قول الناقد الثقافي ميجان والش فان هذه المجموعة القصصية القصيرة تشكل "عملا أدبيا غير مسبوق وشجاعا" فيما كان مخطوط المجموعة قد جرى تهريبه من كوريا الشمالية عبر احد أقارب المؤلف الذي مازال يعيش في الداخل الكوري الشمالي.

وفي معرض التناول النقدي والتعليق على المجموعة القصصية القصيرة:"الاتهام" حرصت الصحافة الثقافية الغربية على وصف كوريا الشمالية بصفات مخيفة مثل "مملكة الخوف التي يعيش شعبها داخل سجن كبير منذ تقسيم شبه الجزيرة الكورية في عام 1945" مع التأكيد أن الأدب المكتوب والمنشور داخل هذه الدولة ان صح وصفه بالأدب- وظيفته الوحيدة تمجيد الحاكم والترويج لايديولوجية النظام الشمولي الحاكم في بيونج يانج.

وقامت ديبورا سميث وهي مترجمة بريطانية متخصصة في ترجمة الأدب الكوري للانجليزية بترجمة مجموعة القصص القصيرة "الاتهام" لمؤلفها المجهول فيما وصفت الترجمة في صحف غربية بأنها "حاذقة ومعبرة عن قدرات ثقافية رفيعة المستوى للمترجمة" التي حصلت من قبل على جائزة مان بوكر الدولية.

وفي هذه المجموعة من القصص القصيرة يلتقي القاريء بالخوف بمعانيه وألوانه المتعددة كما ترسمها صور قلمية للمؤلف الكوري الشمالي المجهول والذي يرى ان كل شخص وكل شيء "متهم" في بلاده بينما يسيطر الخوف على الجميع سواء كان مسؤولا كبيرا في الحزب الحاكم او طفلا صغيرا.

فالكل خائف من ارتكاب شيء غير مسموح به او جريمة غير مرئية والاتهام كامن دوما في جوهر الأشياء وألوان الحياة اليومية بكوريا الشمالية كما يراها المؤلف صاحب الاسم المستعار"باندي" معتبرا ان "الخوف يزعزع كل مواطنيه" والهلاك مصير من يرتكب أفعالا قد تبدو عادية في اماكن اخرى من العالم.

والصور المخيفة تتوالى في مجموعة "الاتهام" مثل مصير آباء وأمهات من قد يشعر أطفالهم بنوع من الخوف أو الذعر الظاهر على ملامحهم عند رؤية ملصقات وصور للزعيم الكوري الشمالي كيم جونج اون أو والده او جده فضلا عن ذلك الفتى الذي ضبط متلبسا بجرم الامساك بيد فتاة وقطف زهرة لها اثناء الحداد الذي امتد طويلا عقب رحيل الزعيم كيم ايل سونج.

وتبارى النقاد في الصحافة الثقافية الغربية في كيل المديح لهذا المؤلف الكوري الشمالي المجهول وهو يمضي في رسم صور الخوف ببلاده والكتابة عن العقوبات الشنيعة التي حلت بأشخاص ارتكبوا افعالا مثل الحاق اضرار دون قصد بشتلات أرز كانت مخصصة لمزارع جماعية او ذلك الشاب الذي توجه دون اذن او تصريح لزيارة امه التي تحتضر على فراش الموت.

ويبدو صوت المؤلف "باندي" متسائلا في مجموعته القصصية القصيرة عن حقيقة الجرم الذي ارتكبه شخص مثل ذلك الذي عجز عن كبح جماح رغبته في وداع امه قبيل رحيلها فيما يوميء عبر قصصه القصيرة الى ان مثل تلك التساؤلات محظورة تماما في كوريا الشمالية ولا يمكن ان يجهر بها اي شخص وإلا فان عقوبات قد لا تخطر بباله ستكون في انتظاره.

وتدور قصص مجموعة "الاتهام" بين عامي 1989 و1995 لتشمل السنوات الأخيرة من حكم الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم ايل سونج الذي مازال يجري الاحتفال في بلاده بيوم مولده باعتباره "يوم الشمس" بينما يوصف المؤلف المجهول لهذه المجموعة القصصية القصيرة بأنه "الممثل الوحيد لهؤلاء الذين كتبت عليهم الحياة في جب عميق من الظلمات".

وفي منطقة شرق أسيا التي تتداخل فيها توترات الحاضر مع ذكريات تاريخية أليمة ومحنة تقسيم الشعب الواحد فان كوريا الشمالية موضع جدل مستمر بين المثقفين في العالم كما ان اسم هذا البلد يثير الفضول والنزعة الغرائبية حتى لدى مثقفين يساريين مثل الكاتب والروائي الباكستاني الأصل والبريطاني الجنسية طارق علي.

وتتجلى هذه الحالة في طرح لطارق علي الذي ولد في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1943 في لاهور مستعيدا ذكريات دعوة كان قد تلقاها في شهر مارس عام 1970 لزيارة كوريا الشمالية التي لم يكن أي ود حيال نظامها الحاكم باعتباره "نظام حكم ستاليني الطابع ومفرط في القسوة".

غير أنه علي بحكم تكوينه الثقافي الثري لم يغفل في تناوله للمشهد الكوري الشمالي تأثير عوامل تاريخية مثل قسوة الاحتلال الياباني وعمليات نهب الموارد الطبيعية لشبه الجزيرة الكورية وحتى محاولات اقصاء اللغة الكورية خلال سنوات الاحتلال الياباني ما بين عام 1910 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

كما يتحدث الكاتب والروائي طارق علي بمرارة عن ممارسات قمعية أمريكية ضد الكوريين بعد الحرب العالمية الثانية لحد انهم استعانوا بعناصر من قوات الاحتلال الياباني السابق لاحكام السيطرة على القوى الوطنية الكورية بينما اكتظت السجون في سول بدعاة استقلال كوريا وتعرض كل من يشتبه في تعاطفه مع الأفكار الاشتراكية لمعاملة وحشية معتبرا أن التدخلات الأمريكية والسوفيتية معا في شؤون شبه الجزيرة الكورية هي التي حالت دون وحدتها الطبيعية.

والحرب الكورية التي بدأت في الخامس والعشرين من يونيو عام 1950 وأزهقت أرواح اكثر من مليوني كوري على الجانبين حتى توقفت نيرانها في السابع والعشرين من يوليو عام 1953 باتفاق للهدنة لم يتحول أبدا لمعاهدة سلام هي في حد ذاتها ثمرة مريرة من ثمار الحرب الباردة التي بدأت بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

ويقول طارق علي إن التدخل الأمريكي في الشأن الكوري ازداد ضراوة بعد نجاح الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونج عام 1949 حيث لم تكن واشنطن مستعدة بأي حال من الأحوال للسماح بانتشار هذا المد الثوري لبلدان أخرى في شرق اسيا ومن ثم فقد تصدت بقوة لقوات الشطر الكوري الشمالي بقيادة كيم ايل سونج لتندلع الحرب الكورية في العام التالي لنجاح الثورة الصينية.

وإذا كان طارق علي قد أعاد للأذهان أن العاصمة الكورية الشمالية بيونج يانج تعرضت إبان الحرب الكورية لقصف جوي أمريكي وحشي كاد يعيدها للعصر الحجري مع "غارات متوالية بالنابالم" دون أي احتجاجات من جانب دعاة حقوق الانسان في الغرب فان التوترات الحالية في شبه الجزيرة الكورية تجدد ذكريات أليمة في عالم لديه ما يكفي من الآلام.
ads