الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

حكايات 4 آلاف ضريح وهمى فى أرض مصر

الأحد 10/مارس/2019 - 08:59 م
جريدة الدستور
عمرو رشدى
طباعة
تشير القصة التراثية، إلى أنه فى ليلة ما دفن رجلان حمارًا ميتًا فى قبر ظاهر، وفى الصباح سأل الناس عن سر القبر، فأخبرهم الرجلان «مقام أحد الأولياء»، فبدأ الناس يتباركون به، ويقسمون بكراماته، ودار حوار بين الرجلين، أقسم أحدهما بـ«حياة الولى»، فرد الآخر: «ده إحنا دفنينه سوا».
القصة التى تسخر من «المقامات المزيفة» و«الأضرحة الوهمية»، تبدو دالة على انتشار مثل هذه الأضرحة التى تتسبب فى إثارة الجدل داخل الحركات الصوفية نفسها، والتى تطالب بهدمها وتعقبها، لأنها أبنية غير ذات أصل، ولا تتبع وزارة الأوقاف المصرية أو لجنة الأضرحة التابعة للمجلس الأعلى للطرق الصوفية.
ووفق إحصائيات غير رسمية، يصل عدد الأضرحة الوهمية فى ربوع مصر إلى نحو ٤ آلاف مقام، ويتركز وجودها فى محافظات الصعيد، خاصة سوهاج وقنا وأسوان والمنيا، إضافة إلى الغربية من محافظات الدلتا، وتعد وسيلة للتكسب، إذ يقدر البعض حصيلة صناديق نذورها بمليونى جنيه سنويًا، الأمر الذى دفع «الدستور» إلى فتح الملف الشائك، ورصد أبرز أماكن وجودها فى المحافظات، والبحث عن الأسباب الحقيقية والغرض من إنشائها.

تنتشر فى سوهاج والمنيا وأسوان.. ومصادر: حصيلة صناديق نذورها 2 مليون جنيه سنويًا
بداية، تثير عبارة «الأضرحة الوهمية» تساؤلات بشأن أصلها، ومن أين بدأت والأهداف التى بنيت من أجلها. إذ لا تتبع أى جهة، ويتحكم فيها دجالون ونصابون يستغلون الفقراء والبسطاء، لاستنزافهم، بعد إيهامهم بقدرة صاحب المقام على شفاء المرضى أو جلب الرزق، دون أن ينتبه أحد إلى كونها أضرحة مصطنعة.
بداية، كشف حمودة المغازى، المتخصص فى التاريخ والآثار الإسلامية، عن أن عددًا كبيرًا من الأضرحة الوهمية خالية، ولم يدفن فيها أحد، وبعضها دفنت فيه «رفات حيوانات»، بهدف جمع المال تحت زعم «بركات المقام»، مشيرًا إلى أن هناك شبهات حول الكثير منها.
وقال «المغازى»: إن المقامات المزيفة تبدأ غالبًا من رؤية أحدهم منامًا بأحد الصالحين، يأمره ببناء ضريح أو مقام له، فيأمر الشخص الذى رأى الرؤية بإنشاء الضريح على الفور، وهو ما تكرر حتى وصل عدد الأضرحة إلى نحو ٤ آلاف مقام، غير مسجلة بالأوقاف أو المجلس الأعلى للطرق الصوفية.
من جهتها، كشفت مصادر عن أن حصيلة صناديق النذور التابعة للأضرحة الوهمية تصل إلى نحو مليونى جنيه سنويًا على أقل تقدير، دون أى نوع من الرقابة، ويتحصل عليها القائمون على هذه المزارات، ما يعنى وجوب منع الأبنية غير المعترف بها، والحد من استغلال المواطنين.
ولا يتوقف أثر المقامات الوهمية على الاستغلال المادى، بل يمتد إلى نشر الخرافة والخزعبلات، ويشدد عابدين هارون، عضو الطرق الصوفية بمحافظة سوهاج، على «رفض أهل التصوف الخروج عن التصوف السنى الصحيح، لذلك يجب على المشيخة العامة للطرق، ودار الإفتاء المصرية، أن توضحتا للناس أن زيارة الأضرحة الوهمية أمر يخالف الدين والشرع، لأن هناك من يذهبون للتبرع ويذبحون الذبائح أمام هذه المزارات التى يعتقدون أنها تحوى أولياء وشيوخًا صالحين، والأمر بالطبع ليس كذلك، وإنما هو تجاوزات يجب التصدى لها».
وذكر أن محافظات سوهاج وقنا وأسوان والمنيا والوادى الجديد، تشهد أكبر عملية انتشار للأضرحة الوهمية، ما يعنى وجود مخاوف كبيرة من انتشار البدع والخزعبلات والجهل بين المواطنين، وفى ظل غياب التوعية بمخاطر الأضرحة غير المعترف بها، والخالية من الأولياء.
وفى سياق متصل، قال الدكتور سيد مندور، نائب الطريقة السمانية: «إن الأضرحة الوهمية أُنشئت بغرض التبرُّك، لكن البعض استغلها على نحو خاطئ، لذلك وجبت مواجهة الجماعات والأشخاص الذين فعلوا ذلك، والضرب على أيديهم» كاشفًا عن تحذير الطرق الصوفية أتباعها من الذهاب للمقامات المزيفة، ومطالبة شيوخ الطرق من مريديهم فى الكثير من الجلسات واللقاءات، بالاكتفاء بأضرحة أهل البيت وشيوخ الطرق والأولياء المعروفين.
وبيّن الدكتور أحمد لقمة، وكيل وكلاء الطرق الصوفية، أن هذا النوع من المقامات لا يخضع لقانون الأضرحة الخاص بالطرق الصوفية، موضحًا أن «الأضرحة المسجلة هى تلك الخاصة بشيوخ الطرق وآل البيت وبعض الصالحين، ما يعنى أن المقامات الوهمية ليس للمشيخة العامة للطرق الصوفية أى علاقة بها، وغير معروف منشئوها، وطالبنا مرارًا وتكرارًا من نواب ووكلاء الصوفية، بتبليغ الأجهزة الأمنية والمسئولين عنها حال وجود عمليات إنشاء الجديد منها».

«مريم» و«كحراتة» و«راكب الحجر».. مقامات خالية من البشر تجذب «المغيبين» بمختلف المناطق
حكايات أضرحة المحافظات مضحكة مبكية، تبدو طريفة شكلًا، لكنها أدوات للاستغلال فى جوهرها. هنا يشير على صالح، عضو الطرق الصوفية بالفيوم، إلى ضريح «الشيخة مريم» الذى يقع بمسجد صغير لها بوسط البلد، ويعتبر من أشهر الأضرحة بالمحافظة، لكن الناس يتداولون المكان اسمًا، دون أن يعرفوا منْ الشيخة مريم؟ ولماذا بُنى ضريح لها؟ إلى درجة عدم علم إمام المسجد شيئًا عن هوية صاحبة الضريح، ويذهب الكثيرون إليها للتبرُّك بكرامات القبر ويطوفون حوله.
ومن ضريح «الشيخة مريم» إلى ضريح «الشيخ سعد وسعيد» الذى يقع على رأس شارع يحمل الاسم نفسه، على حد قول عضو الطرق الصوفية بالفيوم، وهو من الأماكن الوهمية التى لا دليل على أصحابها. يتدخل حينها محمد أحمد، من سكان المنطقة، بقوله: «يعود الضريح إلى القرن التاسع عشر، ومدفون به الأخوان سعد وسعيد». وعند سؤاله عن هويتهما قال ضاحكًا: «والله ما حد عارف».
يستزيد حمودة المغازى المتخصص فى التاريخ والآثار الإسلامية، من حكايات المقامات المجهولة بالفيوم، على غرار ما سبق ذكره، ليسرد لنا أسماء أضرحة منها «الشيخ عيد» فى مركز سنورس، و«الشيخ حسن» بقرية الأعلام التى تقع على مشارف مركز الفيوم. بينما يعتقد الأهالى فى كرامة المقام الأخير، وتشرح «منى» من سكان قرية الأعلام، أن الضريح «يرجع إلى شيخ صالح تقى، يُقال إن كفنه طار بعد موته ليهبط فى المكان الذى بُنى عنده المقام».
أما فى سوهاج، فيوضح عابدين هارون، عضو الطرق الصوفية بالمحافظة، انتشار المقامات الوهمية على نحو كبير فى كل محافظات الصعيد، منها أضرحة «الشيخ جماعة» و«الشيخ هارون» و«الشيخ كحراتة»، وغيرها التى لا يعرف الناس حقيقتها، لذا طالب صوفيو المحافظة من الأوقاف بهدمها، بوصفها «أضرحة خالية».
القاهرة بدورها لم تخل من حكايات المقامات المجهولة، ويشير «المغازى» إلى وجود مسجد «الشيخ غراب» فى حى حدائق القبة، ويعتبر من أكبر المساجد فى المنطقة ويفد إليه الآلاف، وبسؤال الناس عن تاريخ الشيخ غراب وسبب تسميته بهذا الاسم، كانت الإجابة واحدة من الجميع: «لا نعرف»، ما دفع الحى إلى تغيير مسمى المسجد إلى «الرحمن».
ولا يفوت الأهالى طبعًا ذكر قصة طريفة، يحكى «المغازى» عن اعتقاد البعض فى دفن ولى من أولياء الله الصالحين بالمسجد، وسمى بـ«الشيخ غراب»، بعد أن حط غراب عقب وفاة الولى وأخذ يحفر مطرح المسجد، فظن الناس أنها علامة وبُنى الجامع ودفن فيه الشيخ.
من «غراب» إلى القدرة على الشفاء من العقم، يعرفنا المتخصص فى التاريخ والآثار الإسلامية، ضريح «راكب الحجر» الذى يقع فى شمال القاهرة بجوار بئر مخصصة لعلاج العقم فقط، وتدور النساء حوله سبع مرات لشفائهن، بخلاف طلبات أخرى شاذة.
وعن سبب تسمية الضريح «راكب الحجر»، يذكر سكان المنطقة، أن الاسم الحقيقى لصاحب المقام «محمد راتب الحجر»، وأن أجداده قالوا إنه كان يسكن فى قرية مجاورة للمكان الحالى، ثم توفى ودُفن، وفى صباح اليوم التالى حدثت معجزة، حين فوجئ الأهالى بأن «محمد طار بقبره واستقر فى المكان الحالى، فأطلقوا عليه راكب الحجر».
وتتعدد المقامات المزيفة، فى أنحاء العاصمة والقاهرة الكبرى. ففى إمبابة ضريح الإمام أحمد التجانى، المنشأ منذ فترة طويلة رغم ثبوت وجود ضريح القطب الصوفى التجانى بالمغرب وليس فى مصر كلها. كذلك ضريح الإمام أحمد الرفاعى فى أسوان مع العلم أنه موجود بالعراق، ناهيك عن ضريحى الصحابيين عثمان بن عفان فى الأقصر، وعمر بن الخطاب فى قنا.

جابر طايع: معظمها غير مسجل والغرض منها غير معلوم
مؤكد أن الانتشار الكثيف للأضرحة الوهمية، يستدعى معرفة موقف وزارة الأوقاف المصرية من الظاهرة التى يرفضها الصوفيون أنفسهم، والتعامل الأمثل معها، هل يمكن فعلًا هدمها؟.
بالنسبة للأوقاف، نفى الدكتور جابر طايع، وكيل وزارة الأوقاف، علاقة الوزارة بالأضرحة الوهمية، نظرًا لأن معظمها غير مسجل ولا يقع بجوار مساجد الأوقاف، ودون الأضرحة الموجودة داخل مساجد الوزارة لا تُسأل، فمنشئو هذه المزارات «مجاهيل» والغرض منها غير معلوم.
من جهته، قال الداعية السلفى محمد على موسى إن وجود أضرحة صوفية وهمية يمثل خطرًا كبيرًا على الشباب المصرى، الذى يعتقد خطأ أنها أماكن مباركة ويستجاب فيها الدعاء، مضيفًا أن لديه معلومات بأسماء المقامات الوهمية فى عدد كبير من محافظات مصر، من التى لا تضم أى جسد أو أثر لأى من الأولياء والصالحين، كما يدعى القائمون عليها.
وأضاف «موسى»، أن هذه الأضرحة تستغل فى خداع المواطنين الغلابة الذين لا يعرفون حرمانية هذه الأماكن، ولو علم الناس حقيقتها لانصرفوا عنها، مطالبًا الدعاة والمشايخ بصعيد مصر والأزهر الشريف ودار الإفتاء، بالتصدى لها.
كما طالب بهدم الأضرحة الوهمية، خاصة تلك الفارغة من الجثامين، نظرًا لكونها تشوه صورة الدين الحنيف، وتجعل مريدى الصوفية يتبركون بمجموعة من الأحجار التى لا يوجد أى دليل على شرعيتها أو قدسيتها.
من جانبه، بيّن الشيخ محمد عبدالخالق الشبراوى، شيخ الطريقة الشبراوية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية سابقًا، أن بعض الناس دشنوا الأضرحة الوهمية بغرض التبرُّك من الشيخ المنسوب إليه المزار، وهى اعتقادات قديمة سادت لفترات طويلة، معتبرًا مطالب هدمها حلولًا تتسبب فى نشوب الفتنة.
وتفاديًا لحدوث الفتن، يقترح «الشبراوى» ترك هذه الأضرحة، بخاصة أن الطرق الصوفية تجرى توعية دائمة بعدم زيارتها، وتحذر منها، وهى مقامات قديمة، وقائمة بالفعل، ولا يبنى منها الجديد أو المزيد، من ثم يشدد «شيخ الطريقة الشبراوية» على سد باب الذرائع وعدم فتح باب التناحر وإغلاق أبواب الحرب على التصوف على نحو عام.
ويرى «الشبراوى» أن أهل التصوف الحاليين وجدوا هذه المزارات على هيئتها منذ سنوات طويلة، وظل الناس يذهبون إليها بغرض التبرك طيلة عقود، معتبرًا الحديث عن عمليات الاسترزاق منها كلامًا فارغًا ليس له أى أساس من الصحة، ومطلقوه يهاجمون الأضرحة والمقامات جميعها، سواء كانت أضرحة عادية حقيقية أو مقامات فارغة، وسواء دفن بها صاحبها أو لا.
ads