القاهرة : الإثنين 20 نوفمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الثلاثاء 14/نوفمبر/2017 - 07:44 م
د-مينا-بديع-عبدالملك
د-مينا-بديع-عبدالملك

عُلا غبور.. أحد رموز العمل الخيرى الصادق

dostor.org/1625970

عُلا زكى، أو عُلا لطفى زكى الشهيرة بعُلا غبور، من مواليد مدينة القاهرة فى ٢٩ يناير ١٩٦٠. هى زوجة رجل الأعمال رءوف غبور، رائد صناعة السيارات فى مصر، ورئيس مجلس إدارة شركة غبور للسيارات، ولديها من الأبناء ثلاثة «كمال» و«دينا» و«نادر»، وهم جميعًا حاصلون على شهادات فى إدارة الأعمال ويعملون فى «غبور أوتو».
هى بصدق «أيقونة إنسانية»، هى سيدة مصرية أصيلة، نادرة الأخلاق والإنسانية والمشاعر.
لم تبحث – طوال حياتها القصيرة – عن أى منصب ولم تطمع فى جاه أو شهرة أو سلطة، حيث اهتمت بالأعمال الخيرية فقط، وأثرت فى الكثيرين وأثروا فيها. اختارت – فى حياتها – الطريق الصعب، طريق الآلام فكانت تجول تصنع خيرًا بلا شروط وبلا مقابل. قيمة عُلا غبور تنبع مما قدمته من عطاء مفعم بحب للناس، خاصة المتألمين.
يذكر د. عادل فؤاد رمزى، الأستاذ بطب القاهرة، أنها فى الثمانينيات أجزلت العطاء لدور الأيتام بالمال، والمُعاقين من مرضى العظام، وسارعت إلى استقدام جراح فرنسى لعلاج أمراض القلب الخلقية على فترات، وساهمت مع زوجها فى تجديد أقسام جراحة بقصر العينى.
بدأت عُلا غبور اهتمامها بالعمل الخيرى مع منتصف تسعينيات القرن العشرين، بالمساهمة فى مساعدة مرضى السرطان بالمعهد القومى للأورام، حتى أصبحت من أبرز شركاء الخير، وساهمت فى تأسيس جمعية أصدقاء أطفال السرطان بالسيدة زينب، وساعدت معهد الأورام كثيرًا بالتطوع والتبرع وجمع التبرعات، وخصصت جهودًا لمساعدة مرضى سرطان الثدى، ثم تفتق ذهنها وعقلها عن بناء مستشفى خاص لعلاج سرطان الأطفال مجانًا، ومن هنا بدأت أولى خطوات إنشاء الصرح العالمى المتمثل فى مستشفى ٥٧٣٥٧، أكبر مستشفى لسرطان الأطفال فى الشرق الأوسط، والذى تم افتتاحه فى ٧ يوليو ٢٠١٢. ورقم ٥٧٣٥٧ الذى أطلق على المستشفى هو رقم الحساب البنكى، الذى كان مُخصصًا للتبرعات. وقد تبنت الفكرة من بدايتها ودفعت أول مليون دولار لعمل دراسة جدوى عن المستشفى لمكتب دراسات أمريكى. بدأ حلمها يتحقق مع بناء أول مستشفى سرطان للأطفال فى العالم، فتبرعت بمبلغ ١٠ ملايين جنيه للبدء فى إنشاء المستشفى. على مدى عشرين سنة، حاربت عُلا غبور المرض بالعزيمة، وجسدته فى حلمها المتمثل فى مستشفى يحارب المرض لكل المصريين، ولايزال عمال وأطباء المستشفى يروون كيف كانت تحتضن الأطفال عقب خروجهم من غرفة العمليات لتجفف دموعهم وتخفف آلامهم، وتتحاور مع أمهاتهم، وتقدم لهن نصائحها المخلصة وإرشاداتها السديدة، وتتابع احتياجاتهن.
وكما تذكر المهندسة سامية أنطون سيدهم، الابنة الغالية للأستاذ أنطون سيدهم – مؤسس جريدة «وطنى» فى ديسمبر ١٩٥٨- فقد قدم المرضى وعائلاتهم شهادات مُفعمة بالعاطفة والحب تشهد على عمل عُلا غبور معهم، فقد كانت تهتم شخصيًا بالأطفال، واحدًا واحدًا، وتقوم بزيارتهم يوميًا وتغمرهم بحبها وحنانها، حتى إنها كانت تصر على اصطحاب بعض منهم أثناء جلسات العلاج للتخفيف عنهم. فقد وصفتها والدة إحدى الأطفال التى تلقت العلاج بالمستشفى بأنها: «سيدة مذهلة خليط من العاطفة الجياشة والحنان اللانهائى. كانت غاية فى الأناقة والثقافة وقوة الشخصية لكنها أيضًا غاية فى الرقة. كانت سندًا قويا لى طوال فترة علاج ابنتى التى كانت تبلغ من العمر ٦ سنوات ولم يُقدّر لها الشفاء. أتذكرها الآن كإنسانة ملائكية وأنا واثقة أنها انضمت للملائكة الصغار ومنهم ابنتى من الذين تعاطفت معهم». حاولت هذه السيدة أن تدفع ولو جزءًا من نفقات علاج الابنة ولكن عُلا غبور أكدت رفضها التام، لأنه إذا سُمح للمقتدرين دفع نفقات العلاج فإن ذلك سيسهم فى شعور غير المقتدرين بمدى عجزهم. وفى حالة إصرار أحد على الدفع فيمكنه التبرع بالمبلغ لصالح المستشفى، وكان الجميع يلقون نفس الاهتمام. واهتمت عُلا بأن يكون بالمستشفى أماكن يمكن للأمهات والآباء الصلاة بها، كانت تدرك جيدًا احتياجهم الشديد للمعونة الإلهية.
لم يسبق لى أن أتعرف على عُلا غبور، ولكن جمعتنى صلة طويلة بشقيقتها د. منى لطفى زكى منذ كانت مسئولة العلاقات الخارجية فى الجامعة الأمريكية حتى أصبحت أستاذة فيها، متمتعة برقة فائقة وعلم غزير ومحبة صادقة مع بساطة شديدة، فتولد لدى انطباع صادق عن طبيعة هذه العائلة فائقة الإبداع فى الخدمة والبذل والعطاء.
من تدابير الله أنه على الرغم من محاربتها مرض السرطان، اكتشفت عقب افتتاح المستشفى إصابتها بسرطان الرئة فى مرحلته الأخيرة، وانتقلت إلى مواضع الراحة فى يوم الثلاثاء ١٨ ديسمبر ٢٠١٢ بنفس المرض الذى كانت تحاربه، وأقيمت على جثمانها الصلوات الجنائزية بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية.
لقد تركت نموذجًا رائعًا يجب تدريسه لأبنائنا فى المدارس عن العمل التطوعى الحقيقى، وتركت ثمرة جهودها تتحدث عنها وتركت سيرة عطرة ستبقى معنا طويلًا. والإنسان ما هو إلا ذكرى.

ads
ads