القاهرة : الثلاثاء 26 سبتمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
مرايا الابداع
الإثنين 17/يوليه/2017 - 02:42 م

وسواس قهرى

وسواس قهرى
محمد عبده باشا
dostor.org/1473533

للرسام النرويجى ادفارت مونك (1863 - 1944)

- عندما عاد الشىء ينخر رأسه من جديد، وما كاد يشعر بقدومه، ويدرك فى شبه هلع، أن هواجسه تجاوزت مرحلة مجرد الهواجس العادية، وبدأت تلح وتلح وتكرر نفسها فى إصرار عجيب مشبوب لا مبرر له..، عندما حدث هذا ـ وكما يحدث فى كل مرة حقيقة - بدأ يتوتر.. مفاصل وعضلات صغيرة هنا وهناك فى أنحاء جسده تتقلص وتتحفز لا شعوريًا.. وترتفع حرارته بسرعة مفاجئة..

ازدرد لعابه فى قلق وقال لنفسه، وقد أدرك أنه يوشك أن تتملكه إحدى نوبات وسواسه القهرى المقيتة، تماسك.. يمكنك دحره مبكرًا قبل أن يبدأ.. كلما أوغلت فى شباكه وطاوعته واستسلمت له ستنجرف أكثر... دع الفكرة اللعينة التافهة جانبًا وتجاهلها. فقد كان لا بد أن يصيبه وسواسه على أشياء تافهة، لا منطقية.. بالغة التفاهة.

كان يعرف كل ما يتعلق به تقريبًا من حقائق، بالتجربة، وبالمعرفة.. حاول أن يسترخى فى نومته أكثر ويغير من وضعه، وهو يرددها فى رأسه.. مرارًا.. (والغرفة شبه مظلمة، يأتيها نورها الشحيح من مصباح الردهة الصغير «السهارى»)..: «الوساوس من الشيطان.. وغالبًا ما يفترس الوحيدين.. مثلك.. لا تطاوعه.. خالفه.. رطب لسانك بذكر الله.. إنه يهاجم المؤمنين أكثر من سواهم.. مثلك أيضًا، ولو لم تكن صالحًا لم أبه لك..»

لابدّ أنه ظل يردد خواطر مثل هذه وأكثر.. والعضلات الصغيرة فى جسدة تتقلص أكثر وجسده يسخن أكثر... وتلاحقه الهواجس التافهة أكثر وأكثر، ترغمه إرغامًا على أن يفكر فيها ويقلبها فى ذهنه...

حتى ندت رغمًا عنه آهة، كالتنهيدة، بصوت مسموع، أتبعها بآخر هامس: «يــارب.. أرجوك.. انقذنى.. أعوذ بالله من الشيطان الرچيم.. أعوذ بالله من الشيطان الرچيم....» وتكرمش وجهه فى يأس وتوسل.. فهو يعرف حق المعرفة إذا تملكته النوبة المرضية ما ستفعل به! إنه يفضل أى عذاب آخر عن هذا.. يمكنه أن يقوده للجنون والصراخ وجرح نفسه لكى يخرج من براثنه... لا لن تصل لحد قتل النفس، وإن كان قد أوشك أن يفكر فيه ذات نوبة أخرى ثقيلة. عذاب نفسى لا مثيل لـهُ.

ثم اعتدل بنصف جلسة فوق الفراش وتناول الهاتف من فوق «الكومودينو»، وكما اقتضت النصيحة، فتح الراديو وحوّله على إذاعة «القرآن الكريم». وحاول أن يهدئ من روعه.

وضع الهاتف من جديد فوق «الكومودينو»، وياللأسف، فقد لمحه يزاح بمقدار سنتيمترات بشكل غير منظم إلى إحدى الزوايا فوق الزجاج. ورأى بعين الخيال الشيطان وقد التقط الخيط فى حذق وظفر.

ضايقه منظر الهاتف، فمد يده وعدّل من وضعه وهو يزدرد لعابه بصوت يكاد يسد أذنه، ويدرك من جديد، فى ارتياع، أنه سينزلق إلى دوامة جديدة... يتحلى بكل ما عرفه وحفظه من نصائح لتلك الحالة.. يحاول تجاهل الصوت اللعين الذى ينخر أذنه.. يريد أن يعدّل من وضع الهاتف ثانيةً. فقام سريعًا يحمله ويضعه مرة أخرى فى وضع منتظم يحاول به أن يرضى عينيه، ويهرب بهما بسرعة لحالته الأولى فوق الفراش، وكأنه يهرب من نفسه ومن ضعفه.. ومن شيطانه. بل يفعل هذا حقًا.

وينام. يغمض عينيه فى استسلام، ويخامره داخل أعماقه اليأس.. من تحت المقاومة، يشعر أنه لا جدوى.. لقد أمسك بتلابيبه فعلًا وأصبح تحت رحمته... ها قد عاد ينخر فى رأسه.. أن يخفض قليلًا من صوت الهاتف.. حتى يستطيع النوم على الأقل.. فأى صوت مرتفع، وإن كان قرآنًا، سيعوقه عن الاستغراق فى النوم. فقام من جديد فى جلسة كاملة فوق السرير يحاول- بهدوء- يمسك بالهاتف ويخفض صوته ويهدئ من حركاته المتوترة.. وأغمض عين عقله عن التقاط أية إشارات لا أهمية لها.. وهو يتخيل أن شيطانه وطبيعته الحساسة المتحفزة القلقة دائمًا امتزجوا على هيئة شخص على صورته، أمسك بتلابيبه ودفع به إلى حائط ما بقوة ارتجت لها أعضاء جسده الداخلية، يكاد يفترسه غضبًا. لمحة خاطفة مرت بذهنه يبث بها بعض غيظه، وهو يضع الهاتف فى مكانه.. لا، مازال عاليًا! حسنًا سوف أضعه فى مكان أبعد حتى أكسل عن القيام له.. أخفض صوته أكثر ووضعه على أريكة فى ركن الغرفة.. وقبل أن يصعد السرير مسح قدمه ثلاث مرات فى السجادة؛ حتى ينظفها من أية أوساخ عالقة. ومسحها ثلاثًا أخرى.. وألح على نفسه بثلاث ثالثة! تسع مرات عدها عدًا، وجسده يكاد يتأجج بالسخونة.. نيران من الداخل والخارج تنهشه، لأنه يضغط على أعصابه.

صعد أخيرًا وألقى بنفسه متعبًا.

وبدأ يهدأ.. قال لنفسه، سوف أتجاهل أية أصوات يوسوس إلىّ بها الشيطان اللعين.. مهما كانت قوية ملحة... نعم.. ها هو يذكره بأن وضع الهاتف فوق الأريكة مائلًا نسى أن يضبطه. لا.. دعه ينخر فى أذنى.. لن آبه له.. وضع التليفون غير منتظم.. عادى.. سأفكر فى شىء آخر.. شىء آخر... ومضى يبحث فى عقله عن أشياء يشغل بها نفسه.. وجد أشياء كثيرة على سطح كل منها منظر الهاتف فى وضع معووج يدهس أعصابه.. يجز على أسنانه.. لن أقوم مهما حدث.. والله لن أقوم! وارتاح. لأنه لن ينزل قسمه. لا.. هل تذكر الشيخ فى المسجد عندما قال إنه إذا قلت وراء القسم «إن شاء الله» جاز إنزاله؟ فالله لم يشأ.. تذكُر هذا الكلام أليس كذلك؟ تذكر. لا أنت الشيطان توسوس لى بهذا.. لن أقوم.. والله لن أقوم إن شاء الله!

وقام! للأسف قام.. يائسًا يكاد يبكى.. يارب ساعدنى لا أستطيع التخلص من براثنه..

مضت نصف ساعة فى دوامة جنون حدّث فيها نفسه بصوت باكٍ ولعنها والشيطان «فى ساعة واحدة» وأخفض صوت الهاتف إلى أقصى درجة.. ثم كتمه... لا يطيق سماع أى صوت.. ثم رفعه... «لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى» يسمع الآيات من بين تشتت وازدحام رأسه، «وأن هذا صراطى مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيلى» يارب ارحمنى.. ويضع ثيابًا فوق سماعة الهاتف إمعانًا فى خفض الصوت... يريد الشيطان أن أغلق الراديو.. أسمع الصوت يتردد بوضوح.. بصوتى أنا ليخدعنى....

كلما تجاهله عاد، وأثار جنونه وأعصابه. عدل من وضعه مائة مرة، وغير درجة الصوت وأرجعها مائة مرة... وحاول أن يتحلى باللامبالاة.. ربما تفلح.. وردد آيات وكل ما يحفظ من أذكار لدرء الشيطان ووساوسه، بلا فائدة.. حتى بدأ يعتقد أن وسواسه القهرى من نفسه وليس للشيطان يد فيه.

وكاد يمسك بالهاتف ويضربه بأقوى ما يستطيع فى الحائط، مودعًا إياها كل غيظه وحنقه. لكنه تعقل.

وكأن الغمة انقشعت فجأة كما جاءت.. هدأ.. وشعر بعضلاته لأول مرة تسترخى.. وتهدأ.. إنهاك مضنٍ كأنه خارج من مباراة مصارعة.. ملأ رئتيه عن آخرهما وتنهد وسع صدره..

لقد انتصرت... أخيرًا! أخيرًا ذهب!.... وتأهب للنوم... على جانبه الأيمن.

لولا تلك العضلة.. تلك العضلة التى لم يشعر بها.. فى فخذه.. ظلت على صلابتها وانتصابها... وتلك العضلة فى أسفل جدار بطنه.. شدت باقى عضلات بطنه.. استند بيده ونهض... ناحية الأريكة.. أقفل إذاعة القرآن الكريم.

وهدأت الأصوات تمامًا.. واستلقى فوق الفراش وقد استرخى جسده بالكامل لأول مرة حقيقةً. تقافز النُعاس فوق جفنيه يهبط بهما شيئًا فشيئاً، إلى أن غلبه وتسرب منه الوعى- كالمُخدَر- ونام.

وسواس قهرى

وسواس قهرى

وسواس قهرى

وسواس قهرى

وسواس قهرى

وسواس قهرى

ads