رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

من «عاش الهلال مع الصليب » إلى المواطنة.. أزمة وطن


هل نستمر فى الحديث عن «الفتنة الطائفية» وننقسم بين مؤكد لوجودها ونافٍ لها، ونحن لا نعلم أن هذا المصطلح هو مصطلح دينى وطائفى بامتياز؟ ونفيه، أو حتى تأكيده، يعنى أن عقل الأمة يفكر بطريقة مخالفة لمفهوم المواطنة. هل آن الأوان لفتح ملف المواطنة بجدية؟، أم سنلجأ من جديد لسياسة المُسكِنات، ورفع الشعارات، وإذاعة الأغنيات الوطنية وتقبيل اللحى؟!

الغريب أن يستدعى البعض الآن شعار «عاش الهلال مع الصليب»، وهو الشعار الذى أبدعته ثورة 19 منذ ما يقارب المائة عام، وكأننا توقفنا عند هذه اللحظة الهامة ولم نتحرك للأمام بعدها!. كان شعار «عاش الهلال مع الصليب» استجابة وطنية فى زمنه للرد على الانقسام الوطنى الذى حدث بعد اغتيال بطرس غالى رئيس وزراء مصر فى عام 1910، وأيضًا شعارًا لثورة 19 نتيجة رفع بريطانيا شعار «حماية الأقليات»، فكان الرد عبر هذا الشعار. وتجلى الدور الوطنى للقمص سرجيوس على منبر الأزهر، وتطوَّع طالب الطب عريان يوسف سعد لاغتيال رئيس الوزراء يوسف وهبة «القبطى» حتى لا يتكرر الانقسام الوطنى الذى حدث فى عام 1910. كما وضح ذلك عند إعداد دستور 1923، حيث رفض المصريون جميعًا فكرة الكوتة، التمثيل النسبى، إيمانًا برفض فكرة الأقليات فى مصر، وتجلَّت القومية المصرية فى أبهى صورها. فهل آن الأوان لتجاوز شعار «عاش الهلال مع الصليب» إلى المواطنة؟

هل أعترف لكم أننى قضيت الأيام الماضية فى جدلٍ طويل مع الكثير من أصدقائى وطلابى الأقباط، سواء على صفحات التواصل الاجتماعى أو فى الجامعة أو الأندية العامة حول تداعيات الأحداث الأخيرة؟ هل اعترف لكم من جديد، أن هناك حالة احتقان شديدة فى أغلب الأوساط القبطية؟ حتى مقولتى التقليدية: «الإرهاب لا يُفرِق بين أحد» و«الإرهاب طال الجميع»، قوبلت بالرفض والاستنكار!!.

هل نفتح جميعًا كمصريين ملف المواطنة بجدية هذه المرة، ونعترف بخطايانا، ونتطهر منها، ونعيد رسم خارطة طريق للمواطنة؟، أم نستكين من جديد إلى الشعارات التقليدية وتقبيل اللحى، ونلتقى مرة أخرى عند حادثة جديدة فنلجأ إلى المسكنات التقليدية وهَلُمَّ جَرّا؟!.

هل نعترف أن هناك جيلًا من الشباب المسلم تربى على أن بناء كنيسة جديدة، أو حتى ترميم كنيسة، هو معصية لله تعالى ولابد من إزالة هذه المعصية؟!.

هل نعترف أن ذلك الأمر ترتب عليه ظهور تيار قبطى راديكالى يرى فى الكنيسة وطنًا وفى الصليب علمًا؟ اقرأوا معى هذه الأبيات الساخرة:

عايز تبنى كنيسة ليه؟ عارف لما هتبنى كنيسة إيه هيكون؟

وللا تفكر يوم تبنيها.. يا مجنون؟ نار.. نار هتقيد فى القطر المصرى.

كأن كنيستى شر يا ناس!.. هاصون إنجيلنا.. واعلِّم جيلنا

وكل شبابنا مجد صليبنا.. واسلِّم رايتى لابنى وبنتى رايتى العالية

هل بعد ذلك نتساءل ماذا حدث فى مصرنا؟ هل نُخفى رءوسنا فى الرمال كالنعام؟، هل نسأل أنفسنا كيف تركنا هذا الشاب الذى شاهدناه فى فيديو تفجير الإسكندرية، حريصًا على تفجير نفسه، حتى بعد منعه من الدخول إلى الكنيسة؟، نعم، نحن تركناه فريسة لمن يلعب بعقله وقلبه لفتراتٍ طويلة.

رحم الله أستاذنا الجليل والمؤرخ الكبير «يونان لبيب رزق» عندما كتب فى نهاية التسعينيات مُحذرًا من ظاهرة الإعلام الدينى، النافى لفكرة المواطنة: «فى الحقيقة لعبت الإذاعة المرئية والمسموعة دورًا خطيرًا ينبغى أن نعترف به فى هذا الصدد... التليفزيون فيه نجوم كثيرة من المشايخ وكم كبير من التحريض جعل الأقباط يُكوِّنون لأنفسهم إذاعة وتليفزيونًا خاصًا... لذلك أقول إن أجهزة التليفزيون والإذاعة قد قلَّلَت كثيرًا من حجم المشترك بين أبناء هذا الوطن وخلقت مجتمعين متباينين فى بيوت المسلمين والأقباط».

ورحم الله «أمين فخرى عبدالنور» عندما قال فى أواخر أيامه: «أنا ابن فخرى عبدالنور قطب ثورة 19... كيف نرتد إلى ما قبل ثورة 1919 ونحن نتطلع إلى القرن الحادى والعشرين؟!».

من جديد.. يا سادة... الطائفية فى الواقع هى جروح متقيحة منذ مدة فى الجسد المصرى بلا علاج. هل آن الأوان هذه المرة لنفتح جميعًا كمصريين ملف المواطنة بجدية، لنرسم خارطة الطريق إلى المستقبل؟