الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 02 رجب 1441
سيد عبدالقادر
سيد عبدالقادر

سقطرى.. قنبلة الشرق الأوسط الجديدة

الإثنين 21/مايو/2018 - 05:03 م
طباعة
لعقود طويلة كانوا يطلقون عليها جزيرة النعيم المنسية، لروعة ما بها من ورود وأشجار وصخور ملونة وشواطئ ساحرة، رغم قلة عدد سكانها وزوارها.. لكن فجأة أصبحت جزيرة سقطرى اليمنية حديث كل الخبراء والمحللين فى العالم، وأصبحت تتصدر نشرات الأخبار، وصار هناك اعتقاد بأنها أصبحت قنبلة يمكن أن تهدد الشرق الأوسط بأسره.

وسائل الإعلام الغربية نشرت فى الأيام الأخيرة تقارير حول تواجد لقوات التحالف العربى لدعم الشرعية فى اليمن على الجزيرة، مع عتاد وقطع بحرية تضمن وضعًا آمنًا لهذه القوات، وهى أخبار أزعجت الإيرانيين وكل من يدور فى فلكهم.. لأن سيطرة التحالف العربى أو تأمينه للجزيرة يبدد كل المساعى الإيرانية لتهديد حركة الملاحة فى باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما هدد به الحوثيون «ذراع إيران» أكثر من مرة خلال الأسابيع الأخيرة.

ربما لم يكن العامة يسمعون عنها الكثير، لكن الساسة والعسكريين وحتى الغزاة والمستكشفين فى عصور سابقة كانوا يعرفونها جيدًا، وهناك مقولة شهيرة بأن «من يسيطر على سقطرى يتحكم عسكريًا وتجاريًا فى مفاتيح البحار السبعة الرئيسية فى العالم (تجاريًا وعسكريًا)، لأنها تمثل نقطة التقاء بين المحيط الهندى وبحر العرب»، وبالتالى فإن أى دولة تمتلك قاعدة عسكرية فى هذه الجزيرة يمكن أن تسيطر على مضيقى «هرمز وباب المندب».
ولهذه الأسباب احتلتها البرتغال عام ١٥٠٧، وبريطانيا ١٨٩٣، وكانت محل اهتمام الاتحاد السوفيتى عندما كان يمتلك النفوذ السياسى الأكبر فى دولة جنوب اليمن فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، ولهذا أيضا سعت الولايات المتحدة الأمريكية لبسط سيطرتها هناك بخطى ثابتة منذ عام ١٩٩٠، عندما وضعت فيها رادارات بالتنسيق مع نظام الرئيس السابق على عبدالله صالح.

سقطرى فى الحقيقة أرخبيل مكون من عدة جزر، أبرزها سقطرى وهى أكبر جزيرة عربية، بسواحل تمتد إلى ٣٠٠ كيلومتر، ويقطنها نحو ٤٥ ألف نسمة، يتكلم أغلبهم لغة خاصة ذات أصول حميرية (نسبة إلى حضارة مملكة حمير)، وهى تبعد ٨٠ كيلومترًا فقط عن شواطئ الصومال، أى أنها أقرب إلى الصومال منها إلى اليمن، وكانت تابعة إداريًا لمحافظة حضرموت ولم يصدر قرار رسمى باعتبارها محافظة قائمة بذاتها إلا بموجب مرسوم، أصدره الرئيس عبدربه منصور هادى فى ٢٠١٥. الاهتمام الأمريكى بسقطرى بلغ ذروته قبيل ما سمى بثورات الربيع العربى، لذلك عقد عام ٢٠١٠ ما عرف بصفقة «صالح- بتريوس»، بين الجنرال ديفيد بتريوس قائد القيادة الوسطى الأمريكية آنذاك، والرئيس اليمنى السابق على عبداللـه صالح.

وقد منحت هذه الصفقة الولايات المتحدة ميزات غير مسبوقة أهمها: السماح لها باستخدام طائرات دون طيار من قاعدة سقطرى فى حربها ضد القاعدة، واستخدام صواريخ بحر- بحر، وبناء مهبط طائرات حديث فى القاعدة العسكرية الجديدة يكون مهيأ لاستقبال الطائرات العسكرية التى قد تشارك فى مهمات عسكرية انطلاقًا من القاعدة.
صفقة صالح- بتريوس أغضبت الجانب الروسى، فقد أصدرت البحرية الروسية فى الأسبوع التالى بيانًا أكدت فيه أن روسيا لن تتخلى عن خططها فى امتلاك قواعد بحرية لسفنها فى جزيرة سقطرى اليمنية، وربما يفسر هذا حقيقة الدور الروسى فى الأزمة اليمنية، وكيف يهدف إلى تحقيق عدد من المصالح الروسية المباشرة تتعلق بتوازن القوى فى المحيط الهندى وبإجراءات تأمين حركة السفن الروسية عبر باب المندب، وليس مجرد الرغبة فى مساندة الموقف الإيرانى، كما أغضبت بطبيعة الحال الجانب الإيرانى، حيث قامت البحرية الإيرانية بتزويد الحوثيين بالأسلحة والذخائر، وتجوب سفنهم العسكرية بالقرب من سقطرى ومضيق باب المندب بزعم حماية السفن التجارية الإيرانية أثناء عبورها هذه المناطق من وإلى إيران.

نأتى لجانب آخر وهو الصراع الخليجى على سقطرى الذى ظهر فى السنوات الأخيرة، وقد برز عقب الزيارة الخاطفة التى قامت بها الشيخة موزة والدة أمير قطر فى ٥ مايو ٢٠١٣، والتى استمرت أربع ساعات فقط، وقيل إن هذه الزيارة جاءت على خلفية اتفاق تم بين السلطات القطرية وكل من اللواء على محسن الأحمر، ورئيس الوزراء اليمنى محمد سالم باسندوه بعد ثورة فبراير ٢٠١١، يقضى بأن تكون جزيرة سقطرى الحاضنة لأول استثمارات قطرية فى اليمن، وذلك ردًا لما قدمته قطر من مساعدات للتجمع اليمنى للإصلاح (إخوان اليمن) خلال ثورة فبراير والوقوف وراءه بكل قوة حتى إنجاحه فى السيطرة على الحكم وإزاحة على صالح.
زيارة الشيخة موزة كانت نقطة البداية التى كشفت عن أطماع قطر فى سقطرى، وتولى الأمر بعد ذلك جمعية قطر الخيرية (Qatar Charity) وهى جمعية ذات علاقة قوية بالأسرة الحاكمة وتوصف بأنها ذراع من أذرع المخابرات القطرية الخارجية، وبالفعل قامت الجمعية «المشبوهة» بتدشين عدد من المشروعات على الجزيرة، منها مركز صحى وترميم للمستشفى الوحيد، ومشروع لإنشاء مصنع للثلج، ووضع حجر أساس لإنشاء مدرسة ثانوية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففى صباح الإثنين ١٦ فبراير ٢٠١٥، هبطت فى مطار سقطرى، طائرة دون علامات قادمة من مطار الدوحة تحمل ٨٧ راكبًا وقد منعت سلطات المطار الجميع من الاقتراب من الطائرة، وتم إنزال الركاب ونقلهم إلى طائرتين من طائرات النقل التابعة للقوات اليمنية، أقلعتا متجهتين إلى قاعدة الريان الجوية اليمنية، وعُرف فيما بعد أن الطائرة كانت تحمل عناصر من تنظيم أنصار الشريعة وتنظيم داعش.
التحرك الإيرانى القطرى نحو سقطرى، يفسر أيضًا هذه الغضبة الشديدة لتواجد قوات وقطع بحرية تابعة للتحالف العربى فى الجزيرة، لأنه يخلط الأوراق ويفسد مخططاتهما.
هى إذن جزيرة «النعيم» التى كانت منسية، وأصبحت فجأة هدفًا للجميع، الدول الكبرى تسعى للسيطرة على سقطرى، لامتلاك مفاتيح بحور العالم السبعة، لتأمين تجارتها وتحركاتها ومخططاتها العسكرية، وكذلك تسعى قوى إقليمية لتحقيق نفس الهدف بأى ثمن.
فمن الذى سيحسم الصراع على سقطرى فى نهاية الأمر وكيف سيحسمه، وأى ثمن سوف تدفعه منطقة الشرق الأوسط الملتهبة منذ ٢٠١١ حتى يتم الإعلان عن حسم هذا الصراع؟، وإلى ذلك الحين ستظل سقطرى قنبلة كبيرة من قنابل الشرق الأوسط المهددة بالانفجار فى أى وقت.