رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

من الظاهرة إلى الكارثة «1»


وجود الدولة لا يعنى بالضرورة غياب الفوضى، إذ فى أحيان بعينها تكون الدولة والفوضى متلازمتين، عندما ينعدم الفكر المؤسسى الجمعى، الذى يرى فى الوطن منظومة كلية تحكمها استراتيجيات عمل تتقدم به يوماً بعد آخر..

فى أيام مبارك وجدنا الدولة، وتحدثوا عن المؤسسات، وكثر اللغط حول الفساد، خاصة فى المحليات، فنشأت العشوائيات تحت سمع وبصر الدولة، التى وقعت بين شقى الرحى، إما أن تعترف بها وتمدها بالخدمات، وإما أن ترضى عن سرقة هذه الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء، حتى استفحلت ظاهرة المجتمعات العشوائية وكثر عددها، وصارت قنابل موقوتة، وبؤراً تشهد كل مظاهر الانحراف الاجتماعى والأخلاقى، دون مواجهة لهذه التجمعات فى مرحلة النشوء لمنع استفحالها.. كذلك وقع الاعتداء على الأراضى الزراعية والبناء فوقها، دون قطع لشأفة هذا الاعتداء فى المهد، ناهيك عن السطو على أملاك الدولة، وغيرها من ظواهر نشأت على عين الدولة، ودون مواجهة حاسمة قاطعة مانعة.

وعندما قامت ثورة يناير، تاقت القلة إلى الحرية، وسعت الغالبية نحو الفوضى، حتى قوضت أركان الدولة، منذ ذلك الحين وإلى الآن، وهى الفترة التى أفرزت فى أولها، غياباً شرطياً كاملاً وتفككاً فى مفاصل الدولة ومؤسساتها، ونتج عنها سيطرة الباعة الجائلين على شوارع العاصمة وتحويلها إلى أسواق مفتوحة عرقلت المرور وأحالت الأرصفة إلى بوتيكات، حتى نهر الطريق لم يسلم من السرقة، وباتت لغة العنف سبيلاً لمواجهة أى معترض من أصحاب المحلات التى حجبتها البوتيكات الجديدة عن زبائنها، وكان من نتائج ذلك، أن قام أحد هؤلاء الباعة بإحراق محل للعطور اعترض صاحبه على الوقوف أمامه، فمات أصحاب المحل وزبائنهم.. وكم كانت مثل هذه الأسواق مثاراً للصدام بين الباعة ورجال الشرطة، وصلت حد تبادل إطلاق النار، فى مواجهات مفتوحة عبر الشوارع، كشفت مدى العجز فى مواجهة الظاهرة التى استشرت وباتت فى حاجة ملحة لمعالجة عاقلة، تستوعب ملابسات الواقع الذى بات على الأرض وارتباط أرزاق الآلاف به، وفى نفس الوقت، العمل على إعادة الشارع إلى ما كان عليه قبل يناير 2011، وذلك لن يتأتى إلا بتوفير بدائل لهؤلاء الناس، ينتقلون إليها من الشوارع إلى حيث محال الرزق الجديدة.

وهكذا.. نترك البدايات البسيطة لكل ظاهرة عشوائية حتى تستفحل ويستعظم خطرها ونصبح مسئولين عن إيجاد حل لها، تقع فيه الحكومة بين خيارين أحلاهما مر، إما دفع تكاليف علاج هذه المأساة، وإما الصدام العنيف مع من أفرزتهم هذه الظاهرة أو تلك.. وذلك ما كان مع التوك توك، التى كلّت ألسنتنا وملّت أقلامنا ونحن نحذر من الظاهرة الوليدة لما أطلقت عليه «صراصير الشوارع» التى بدأت على استحياء فى عدد من المناطق الشعبية، والتى وجد فيها سكان تلك المناطق ضالتهم فى التنقل، ووجد فيها الصبية والشباب، وحتى بعض كبار السن، مورداً للرزق، دون أن يفكر المسئولون فى مواجهة هذه الواقع الذى بات يهدد سلامة المجتمع وحياة أفراده، خاصة وأن هذه المركبات غير مرخصة ويصعب الوصول إلى أى منها إذا جاءت وسيلة لجريمة، حتى انضمت لها الدراجات البخارية بكل حوادث الاغتيال والقتل التى تفاقمت معها.. ولذلك حديث فى الغد، إن شاء الله.

العلاقات الدولية بين الدول بعضها والبعض الآخر ليست بدافع الحب أو من أجل سواد العيون أو سعياً لتحقيق مصلحة دولة دون الأخرى. ولكن هذه العلاقات هدفها المصلحة ودافعها المنفعة فلا شىء لوجه الله ولكن هى المصالح المتبادلة على أقصى تقدير.