رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

رأس السنة.. ساعة الأرض المشتركة



الاحتفال برأس السنة ليس احتفالا سياسيا، أو قوميا، أو وطنيا، أو دينيا، لكنه احتفال البشرية كلها بشعورها بالزمن الذى يجمعها على اختلاف شعوبها ولغاتها وعقائدها. وحين تدق الساعة الثانية عشرة ترهف الكرة الأرضية كلها آذانها إلى أجراس الزمن متوحدة فى شعور مشترك بالمصير، وبالآمال الجديدة.
يقول أحد العلماء إن كوكبنا الأرضى فى محيط الأجرام اللانهائية مجرد ذرة من غبار فى شعاع شمس. فما بالك بحياتنا وهى لحظة قصيرة للغاية؟. ومع ذلك فإن الإنسان محكوم بالأمل، وبالحياة، وبالحب، وبالتوقف فى مطلع كل عام جديد ليسأل نفسه: ماذا حققت؟ وفيم أخفقت؟ وما الذى أتطلع إليه؟. إنها لحظة الأمل، وأيضا لحظة الحساب.
ويخطئ الكثيرون حينما يحسبون ثمار العام المنصرم بما أنجزوه، ويتأسفون حين يجدونه خاليا من اللمعة والسطوع، لكن فى ظنى أن على الإنسان أن يحسب ما لم ينجزه بصفته إنجازا كبيرا. عليه أن يقول لنفسه: لم أسرق. لم أكذب. لم أنافق. لم أقل إلا ما أعتقده. هذه كلها إنجازات إنسانية كبيرة غير ظاهرة، وللإنسان أن يفخر بها.
البعض يترك كتابا، أو قصيدة، أو غنوة، أيضا فإن حماية الإنسان نفسه من الكذب إنجاز كبير، حماية النفس هذه كتاب قوى الأثر، وإن كان بلا طباعة، قصيدة وإن كانت بدون قافية، غنوة إنما بدون صوت، حماية النفس من شرور الكذب، الذى يأكل الروح عمل، وللإنسان أن يسعد به وهو يودع عاما ويستقبل عاما جديدا.
على المستوى العام، لا بد أن نتوقف ونسأل أنفسنا، ما الذى حققته بلادنا، وما الذى تتطلع إليه؟. فى عام ١٩٧٠ أجرت الإعلامية المرموقة الأستاذة سميرة الكيلانى لقاء مع عميد الأدب العربى طه حسين فى برنامجها «كاتب وقصة»، وهو فى الثمانين من عمره. سألته: «كيف تتصور، أو تأمل، أن تكون الحياة فى وطننا العربى وفى العالم عام ألفين؟ أى بعد ثلاثين عاما؟». أجابها العميد بنبرة صوته المشبعة بالطيبة والخير: «أرجو أن تكون خيرا من حياتنا الآن من النواحى الثلاث، الأدبية والعلمية والاقتصادية، أرجو أن يكون الناس أسعد فى حياتهم المادية منهم الآن، وأن يكون المصريون قد تعمقوا فى العلم وأصبحت لهم آثار جدية فيه، وأن يزداد إنتاجنا للأدب الرفيع». وكان العميد يتحدث بالفصحى طول الوقت، ويعطش الجيم عند نطقها.
لكن طبيعة المصرى، الذى تحكمه النكتة، تغلبت عليه حين قالت له السيدة سميرة: «نرجو أن تشاهد البرنامج فى التليفزيون»، فضحك وقال لها بالعامية: «معنديش تليفزيون»!. وبعد نحو نصف قرن من إفصاح طه حسين عن آماله، نسأل: أين نحن من أمانيه؟، هل صارت حياتنا أفضل - كما تمنى العميد - من النواحى الثلاث الأدبية والعلمية والاقتصادية، أم أننا سندخل العام الجديد بأمنيات جيل الرواد؟. جدير بالملاحظة أن أول ما تمناه طه حسين هو أن يكون «الناس أسعد فى حياتهم المادية»، هذا قبل حديثه عن العلم والأدب، أى أن يتمتع الناس بوفرة بكل ما يتعلق بالسكن والصحة والعمل والتعليم.
ندخل العام الجديد وفى نفس كل منا أنه صان روحه من النفاق، والخداع، ونأى بها عن الصغائر، أما عن بلادنا فإن أحلامها لا تفارقها فى غد أفضل، وأجمل، لأنها-أى مصر- تبقى زهرة العالم، وقد كتب فيها الشاعر والموسيقى العراقى الملا عثمان الموصلى حين استقر فيها يقول: «أأترك مصر أم أقيم بجوها؟ وما جوها إلا جوى يتدفع!.. نعم أهل مصر أنتم خير أمة وما الخير إلا منكم يتفرع»!. وتظل مصر بأحلامها هذا العام فى قلب الكرة الأرضية، تنصت مع البشرية إلى دقات العام الجديد، وتتأرجح فواحة مثل عود ريحان لا يذبل فى الزمن، وتعبر من لحظة إلى أخرى، ولا يفارقها عطر أحلامها.