رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الأمن والسياسة.. اغتيال السادات


٦ أكتوبر ١٩٨١ يوم مشهود فى التاريخ المصرى، لأول مرة فى القرن العشرين يتم اغتيال حاكم مصر، ومتى؟ فى يوم عُرسه، احتفاله بانتصار أكتوبر، وأين؟ فى العرض العسكرى! من الناحية التاريخية، ربما الآن وبعد عقود من هذه الحادثة، تم كشف معظم تفاصيل هذا الحادث الأليم. لكن مذكرات اللواء حسن أبوباشا تُسلِّط الأضواء على خلفيات هذا الحادث وتبعاته.

بداية يُبرئ أبوباشا الأمن المصرى من تهمة خروج المارد من القمقم، ونقصد به التشجيع على عودة التيار الدينى فى السبعينيات، لا سيما فى الجامعات لضرب اليسار. إذ يوضح أن هذا الأمر كان اختيارًا سياسيًا من جانب السادات، ويساعده فى ذلك عثمان أحمد عثمان، وأيضًا محمد عثمان إسماعيل. وأن أمن الدولة لم يكن راضيًا عن الأمر، ولكن الأمن هنا ينصاع للسياسة. ويوضح أبوباشا ذلك قائلًا «إن السادات وقع بدوره تحت تأثير ذلك الوهم فى لعبة التوازنات السياسية عندما يلجأ الحاكم إلى ضرب قوى سياسية بقوى أخرى تختلف معها فى الفكر والمنهج، تصورًا بأن ذلك يمكن أن يؤدى إلى نوع من التوازن السياسى الذى يحقق له استقرارًا فى الوضع السياسى العام».

وواضح تمامًا اختلاف اللواء حسن أبوباشا مع السياسة الأمنية للواء النبوى إسماعيل، وزير الداخلية فى سنوات السادات الأخيرة. إذ أُبعِّد حسن أبوباشا عن رئاسة جهاز أمن الدولة، وأصبح مساعدًا للوزير للأمن العام، بينما أبوباشا رجل أمن دولة منذ البداية. ويشير حسن أبوباشا إلى أخطاء فى السياسة الأمنية التى كان يديرها النبوى إسماعيل، من أهم هذه الأخطاء قرارات الاعتقال الشهيرة التى أصدرها السادات فى سبتمبر ١٩٨١، وكانت بداية ما أطلق عليه هيكل «خريف الغضب».

يرى أبوباشا أن قرارات الاعتقال التى شملت نحو ألف وثلاثمائة من معارضى السادات، وأيضًا من القيادات الدينية، كان مُبالغًا فيها، وأن الأمر لم يكن فى صالح النظام: «بدا الأمر فى النهاية وكأن جميع القوى الشرعية قد التحمت مع القوى غير الشرعية فى موقفٍ واحد ضد النظام والقيادة السياسية».
ويشير أبوباشا بجرأة شديدة إلى ما أطلق عليه «تردٍ أمنى» فى تقدير الموقف فى يوم ٧ سبتمبر، فى اجتماع حضره أبوباشا كمدير عام للأمن العام، وحضره أيضًا رئيس جهاز أمن الدولة ورأسه وزير الداخلية النبوى إسماعيل، حيث قال رئيس الجهاز «لا توجد تنظيمات سرية مسلحة أو تسعى للحصول على أسلحة». ويرى أبوباشا أنه بعد أقل من شهر يكتشف الجميع، بمن فيهم وزير الداخلية، عكس ذلك. يقول أبوباشا فى شهادته: «فوجئ الجهاز بذلك التنظيم المسلح، كما لم يحدث من قبل، وتمكن من اغتيال رئيس الجمهورية إلى آخر الحلقات التى قام بها. وليس هناك أدنى شك أن تلك الإجابة كانت ترجمة واقعية عن التردى الأمنى الذى وصلت إليه الأمور فى ذلك الوقت».

جدير بالذكر أن اللواء حسن أبوباشا يتولى وزارة الداخلية فى أعقاب اغتيال السادات.

الأمر المهم والمثير فى مذكرات أبوباشا، أنه بعد اغتيال السادات، سأل أحد معاونى السادات المقربين منه، ماذا لو كان السادات قد كُتِبَت له النجاة من حادث الاغتيال؟، وأجاب على هذا المسئول: «أن مياه النيل كانت ستتحول إلى اللون الأحمر، قاصدًا بذلك أن الرئيس الراحل كان سيتخذ من الإجراءات العنيفة ما يقضى على هذا التيار من جذوره».