رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الأزهر وغياب التفكير


يحتاج التفكير كغيره من المواهب الربانية إلى تنمية وتطوير وتنشيط، ولا يكون ذلك إلا فى مجتمع يساعد الفرد على إعمال العقل فى كل ما يواجهه من تفاصيل حياته اليومية.. وقد كان الاجتهاد فى مسائل الدين من الأمور التى خلقت مناخًا علميًا وفكريًا نشطًا فى القرون الأولى للإسلام، وكانت أمهر العقول وأذكاها هى التى تتصدى لما يسمى حاليًا التعليم الدينى، ولا ينضم لهذا المجال إلا من أوتى الكثير من الذكاء والنجابة وسرعة البديهة والقدرة على الحفظ.. وبمرور السنوات، ومع غلق باب الاجتهاد واقتصار التعليم الدينى على النقل والحفظ وترديد ما بين صفحات الكتب القديمة، لم يعد التعليم الدينى يحتاج إلى مفكرين ومبدعين، بل صار لمن هم أقل حظًا فى الابتكار.
وفى مصر، ومع انقسام التعليم حتى فى مراحله الأولى إلى تعليم عام وتعليم دينى أو أزهرى، أصبح من الملاحظ أن من يتجه للتعليم الدينى إما من أبناء الجماعات الدينية المتأسلمة من السلفيين والإخوان وغيرهما.. أو ممن يجدون أن التعليم الدينى أسهل وأن أبناءهم يستطيعون الحصول منه على شهادة جامعية بيسر وسهولة عن التعليم العام ومعضلة الثانوية العامة.
لذا ليس من المستغرب أن نجد أن هناك اتجاهًا عامًا يرى أن خريجى جامعة الأزهر حتى فى العلوم الشرعية هم الأقل كفاءة.. وقد كانت ظاهرة الدعاة الجدد التى استشرت فى المجتمع المصرى مع بداية الألفية الجديدة كاشفة لضعف آليات وإمكانيات الدعاة من خريجى الأزهر، الذين يعتمدون على الحفظ والتلقين، ولا يتفاعلون مع معطيات وواقع وسائل نشر الدعوة الحديثة.. فالهوة أصبحت شديدة بين ما يدرسه الطالب من علوم ومسائل فقهية تجاوزها الحاضر، وفى الوقت نفسه عجزت آلية الحفظ والرواية عن الأئمة السابقين فى تقديم تفكير عصرى وفتاوى واجتهادات تناسب اللحظة الراهنة.
فغلق باب الاجتهاد لا يقتصر، كما يروّج الأزهريون، على عدم السماح لغير المتخصصين فى الفقه والشريعة بالدلو بدلوهم فيما يخص ما يستجد للمسلمين من أمور، لكنه مغلق أساسًا فى وجه أهل الاختصاص الذين يقتصر دورهم على رواية ما قاله الأئمة السابقون، لذا فليس من المستغرب أن يكون التحريم والحظر هو الرد على كل ما هو جديد، وليس الاجتهاد أو التفكير والتدبر.. فلدى الأزهريين كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار.
يروّج الأزهريون أن هناك ضوابط للاجتهاد يجب الالتزام بها حتى يكون مقبولًا، وأن علماء الإسلام وضعوا هذه الضوابط صيانة للاجتهاد حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى وتلاعب بالنصوص، ولكن ألا تعد هذه الضوابط اجتهادًا من علماء تتناسب مع منهج عصرهم فى التفكير، وقد كان هؤلاء العلماء سباقين فى عصرهم وقدموا اجتهادات تتناسب مع روح العصر الذى عاشوا فيه، وكانوا تقدميين بالنسبة إلى كثير من الأفكار الرجعية التى كانت سائدة فى العالم المحيط بهم، وهى قواعد كانت ملائمة تمامًا لعصرها، ألم يحن الوقت للتفكير بعقلانية واستخدام المناهج العلمية الحديثة لوضع آليات جديدة للاجتهاد تتناسب مع التفكير العلمى الحديث؟!، فغلق باب الاجتهاد هو الضربة القاصمة التى أصابت المسلمين فى مقتل، وحبست عقولهم وتفكيرهم فى ظلمات سحيقة.