رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الحب أقوى من الموت.. فاغنموه


كتب جورج مسوح فى جريدة «النهار» اللبنانية: «من يحب الله تضحى حياته كلها مكرسة له.. ومن يحب الله يحب الحياة.. ويصبح الموت انتقالًا له من الحياة إلى الحياة.. كما تصبح الحياة عبورًا له إلى حيث الحياة الحق.. وتصبح الحياة على الأرض زمنًا وجيزًا للاستعداد لحياة أفضل»..
ويضيف الكاتب: «الحياة على الأرض زمن وجيز.. يكون فيه الإنسان محبًا لله والإنسان».. ونحن نضيف أن «محبة الله ترتبط بمحبة الإنسان - أى إنسان - أى لأخيه فى الإنسانية، وفى ذلك تتفق الأديان الإبراهيمية (نسبة لإبراهيم خليل الله أى الصديق لله)، وقد تميز إبراهيم بمحبة الغرباء، ولما جاءت ساعة الموت لإبراهيم قال لملاك الموت: «هل رأيت خَلِيلا يميت خليله؟» فكان الجواب: «وهل رأيت محبًا يكره لقاء حبيبه؟».
مع ذلك يظل الصراع قائمًا بين الحياة والموت.. لكن المحبة تكون دائمًا وأبدًا هى الأقوى من الموت.. والحب هو نقيض الكراهية والبغض، فهو مجموعة من المشاعر التى تختلج داخل الإنسان عند شعوره بالحب الذى يترجم إلى عطاء وبذل، دون انتظار لمقابل.. ولسوء استخدام الحب فى نقائه وطهارته وإخلاصه وتضحياته.. فقد استخدم الناس كلمة «المحبة» عوضًا عن كلمة الحب، مع أنهما متوافقتان فى المعنى والمغزى فنقول عن المحبة إنها الحب النقى الذى يقود صاحبه إلى التعلق بالمحبوب الذى هو فى الأصل شخص الله المعبود، وليس المستَعْبِد للحبيب، حتى قال الشاعر «إنى أحب الله لا طمعًا فى النعيم ولا خوفًا من الجحيم لكن أحبه طوعًا لأنه سبق فأحبنى وفوق كل المخلوقات رفعنى».
وانطلاقًا من محبة الله الذى أحبنا دون شروط ورعانا فى الحياة وما بعدها رحنا نرتبط بمصدر الحياة ومعطيها، لتمتد محبتنا إلى سائر البشرية، لأنها خليقته ذات اللغات المتعددة والعقائد المتنوعة، ومصير أبدى مؤسس على العلاقة الربانية التى لا ينتظر منها خالقنا إلا مخافته وحفظ وصاياه وحب الإنسان لأخيه الإنسان - أى إنسان - لأنه هو الآخر من صنع الخالق. كما أن هذه الرابطة البشرية ليست محبة مادية مؤقتة تزول بزوال المؤثرات، كما أنها ليست بيولوجية المصدر، بل هى نوع راقٍ ونقى وطاهر.
كما أن محبة الإنسان لإخوته فى الإنسانية تفوق المحبة الغريزية التى تتمثل فى حب الجوعى للطعام والعطشى للماء، كما تختلف عن المحبة الغريزية كمحبة الوالدين والأزواج والأبناء لبعضهم وكذلك حب الأوطان.. كما أن محبة الخالق لعباده والعباد للخالق لا تسقط أبدًا.. وقد ورد فى القرآن الكريم «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (٢١٦ من سورة البقرة).
وعن محبة المؤمنين بالله «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» سورة البقرة ١٦٥. كما جاء فى سورة آل عمران ١٥٩ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» وفى سورة آل عمران: ٧٦ «فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمتَّّقِينَ». كما جاء فى الإنجيل «المحبة لا تسقط أبدًا»، «ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التى لله فينا. الله محبة ومن يثبت فى المحبة يثبت فى الله والله فيه» يوحنا الأولى ٤: ١٦.. «أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن أعظمها المحبة» (كورنثوس الأولى ١٣: ١٣). والمحبة لها جوانبها العملية كقوله: «المحبة تتأنى وتترفق، المحبة لا تحسد، المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ».
أما السؤال الموجّه لكل نفس: «هل تدّعى أنك تحب الله وأنت تكره أخاك؟ كيف تقول إنك تحب الله ولم تره، فى حين أن أخاك فى الإنسانية موجود أمامك (والذى هو خليقة الله الذى خلقك) لا تحبه بل تبغضه وقد خلقه الخالق نظيرك؟».. عزيزى القارئ، المحبة لا تعرف الرياء، فلنكن بلا رياء، فالمحبة هى لغة الخالق الذى خلقنا على أفضل صورة ومع تعدد ألوانها ولغاتها، إلا أنها تظل خليقة الله، فلنثبت فى المحبة النقية الطاهرة التى لا تعرف الكذب ولا الخداع، فمن يحب الله يحب كل خليقة الله رغم كل التعددية وتعدد اللغات والأفكار، ولكن لنا الفكر الواحد فى طاعة الله الخالق.