القاهرة : الأحد 22 أبريل 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الثقافة
السبت 13/يناير/2018 - 03:09 م

من «منيرة المهدية» لـ«الشحرورة».. عندما كان توت عنخ آمون أشهر شاب في مصر

من «منيرة المهدية»
خلف جابر
dostor.org/2020170

اكتشف كارتر مقبرة توت عنخ آمون، وفجأة أصبح الشاب الصغير ملء السمع والبصر، وراحت الأغاني تدور هنا وهناك ومن بين كلماتها ما يمجد الملك الشاب، وأصبح الفتى من أشهر شباب مصر.

فجأة اكتشف كل مطرب ومطربة وكل شاعر وأديب وكل ممثل وممثلة أنه من أحفاد هذا الملك المصري القديم الذي اكتشف اللورد البريطاني سر كنوزه الدفينة الرائعة.

- «شوقي» يقود سرب الشعراء في مدح الملك الشاب
كان أحمد شوقي أمير الشعراء أول من نظم له القصائد، فكتب تنويها بتوت عنخ آمون
قِفي يا أُختَ يوشَعَ خَبِّرينا
أَحاديثَ القُرونِ الغابِرينا
وَقُصّي مِن مَصارِعِهِم عَلَينا
وَمِن دولاتِهِم ما تَعلَمينا

كما كان له قصيدة أخرى بديعة، وهي التي أشاد فيها بتوت عنخ آمون وحضارة عصره، وبكى على حال مصر في عهد الملك فؤاد:
درجت على الكنوز القرون
وأتت على المدن السنون

ونسج على منوال شوقي شعراء تلك الأيام فأكثروا حتى خلطوا ما بين الجيد والرديء ولم ينسَ شوقي أن يرثى اللورد كار نافون الذي عضته بعوضة في مقبرة توت عنخ آمون فمرض ثم شفي ولكن لعنة الفراعنة لاحقته فمات.

- سلطانة الطرب تواجه الاحتلال «احنا أبونا توت عنخ آمون»
ودار مؤلفو الأغاني على المطربين والمطربات بأزجال عن الملك الشاب الذي بهرت كنوزه الدنيا، وقتلت بعودته اللورد البريطاني، وكان يحميه جيش احتلال أقوى بكثير من تلك البعوضة.

وذهب أحد المؤلفين إلى منيرة المهدية -سلطانة الطرب- قال لها بخشوع:
جئت إليك يا ست بكلمات طقطوقة لم يسبق لها مثيل، طقطوقة وطنية تتحدث عن جدنا الكبير رحمه الله
سألته منيرة بفضول مشوب بلا مبالاة ودلال:
ومن يكون جدنا الكبير يرحمه الله ؟!
قال المؤلف وأدهشه أنها لا تعرفه:
- توت عنخ آمون يا ست
قال: هذا الذي يتكلمون عنه وعن كنوزه

ولم تمض أيام حتى كانت منيرة قد سجلت على أسطوانات شركة بيضافون هذه الطقطوقة، وقد امتلأ فيها صوتها حماسة، وفرقعت بحتها الشهيرة كالقنبلة في عدة مواضيع من اللحن، وذلك حسبما ذكر في كتاب «الغناء المصري.. مطربون ومستمعون» للكاتب الصحفي كمال النجمي.

وتقول في مقطع منها:
ما يجيش زيي إن لف الكون
وإحنا أبونا توت عنخ آمون
أسأل من التاريخ ينبيك
عن مجدنا وبعدين أماشيك
أنت توري الناس حتاويك
وإحنا أبونا توت عنخ آمون.

خاطبت تلك الطقطوقة شعبًا في تلك الأيام وقد طوي صفحات ثورة 1919 بلا نتيجة كبيرة ولم يظفر بعد الثورة إلا بتصريح فبراير 1922 فلما كشف الإنجليز في أواخر 1922 وأوائل 1923 كنوز الملك المصري، أثار هذا الكشف المفاجئ كبرياء قومنا كأنهم يقولون للإنجليز: انظروا إلى تاريخنا العظيم واخجلوا منه وارحلوا عن بلادنا.

لكن الإنجليز نظروا بكل صلافة وبرود فلم يخجلوا ولم يرحلوا، وبقى مطربونا ومطرباتنا يتغنون بكنوز توت عنخ آمون.

وفي كل ليلة كان جمهور منيرة المهدية يطلب منها أن تتغنى بالملك الصغير فتغنى:
ظهرت غرايب في الآثار
خلت جميع الناس تحتار
ووصفي كم حير أفكار
وإحنا أبونا توت عنخ آمون

ثم تخاطب المحتل البريطاني متحدية فاخرة:
وليه تزيد أنت عليا
وبلادي مهد الحرية
ومصر أم المدنية
وإحنا أبونا توت عنخ آمون

- الست نعيمة المصرية.. تطوف بالملك كباريهات وسط البلد
أما المطربة الست نعيمة المصرية فلم تشأ أن تتحدى الإنجليز ليرحلوا، أو تستصرخ المصريين ليقاوموا، بل نظرت إلى الناحية المرحة الخفيفة في الموضوع، مزجت بين المعاني الوطنية ومعاني الخلاعة، التي كانت طابع الطقاطيق في وقتها.
وذهبت نعيمة إلى شركة اسطوانات «بوليفون» لتسجيل أغنيتها عن توت عنخ آمون، وهي تقول هامسة لنفسها:
أسجلها حتى تكون لي أسطوانة وطنية كأسطوانة منيرة المهدية، ولا تكون منيرة أكثر مني معرفة بالأصول عند أهل النظر.

وبعد أيام كانت أسطوانة نعيمة تكتسح مقاهي عماد الدين والأزبكية ووجه البركة وما يتفرع عنه من شعاب، ثم اندلعت في جميع مقاهي القاهرة والإسكندرية والأقاليم، وعبرت البحر والبر إلى الأقطار الشقيقة، ورقصة عليها فتيات الملاهي والكباريهات، فقد تفننت نعيمة في أدائها بنبرات بين الغزل والحماسة:
قوم هات لي بدلة لازم تكون
لونها بديع توت عنخ آمون
الله عليها مالهاش مثيل
قوم اشتريها وأعمل جميل
اضحك وهزر وابدى الدلال
والبس واخطر زي الغزال

- الشحرورة ترسل سلامها للملك الشاب
تنافست أغنية نعيمة وأغنية منيرة في التغني باسم توت عنخ آمون والإشادة بأمجاده وكنوزه، وشيئًا بعد شيء انهمك الناس في الجدل والنقاش حول الأغنيتين: أيهما أظرف وأحلى وأوقع في النفس وأبعث على الطرب وأي المطربتين كانت منسجمة في أداء أغنيتها متسلطنة رائقة المزاج؟!
ونسوا جميعًا توت عنخ آمون وكنوزه وأمجاده، وبعودته التي قتلت اللورد، حتى تذكرته الشحرورة «صباح» في أغنية من كلمات حسين السيد وألحان محمد الموجي، تعبر فيها عن شوقها لمصر، أم الدنيا، التي صنعت نجاحاتها وشهدت على مجدها، وكانت أغنية «سلمولي على مصر» والتي تقول في إحدى مقاطعها:
وأمانة لما تفوتوا من جنب الحسين
تجبولي شوية من اللولي اللي على الصفين
خان الخليلي على يمينكم هداياه وحشانى
تبقوا تجبولى توت عنخ المنقوش فى صوانى
ابقوا افتكرونى من الصاغة باسورة لولى
سلمولى على مصر سلمولى
سلمولي على الحبايب وابعتولي.