القاهرة : السبت 16 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الخميس 12/أكتوبر/2017 - 06:11 م
د. محمد عفيفي
د. محمد عفيفي

كرة القدم والقومية المصرية

dostor.org/1585920

فى البداية تهنئة حارة لمصر على وصول منتخبنا الوطنى إلى كأس العالم بعد غياب طويل، هذا الغياب الذى لا يتناسب مع تاريخ ومكانة مصر على مستوى إفريقيا والعالم العربى. وكعادة المصرى الذى يسخر من أزماته عن طريق النكتة، أثار طول الغياب عواصف من السخرية لعل أشهرها ما ارتبط بضربة جزاء مجدى عبدالغنى فى كأس العالم ٩٠، وإصرار كابتن مجدى على تذكيرنا بهذا الأمر دائمًا، بشكل فكاهى ثقيل، أو سخرية محمد سعد «اللمبى» فى أحد أفلامه (بوشكاش) قائلًا: «إحنا مش هنروح كاس العالم، كاس العالم هو اللى هيجيلنا»، وحتى الإعلان ثقيل الظل عن الجيل الذى وُلِّد سنة ٩٠ ولم يشهد وصول مصر لكأس العالم حتى الآن!
لذلك كانت مشاعر المصريين ملتهبة أثناء التصفيات، وكانت مصر بحاجة فعلية إلى نصرة وفرحة، بعد سنوات صعبة مرت بنا منذ ٢٥ يناير ٢٠١١.
كل ذلك يفسر لنا حالة الابتهاج التى عمَّت مصر بعد وصولنا نهائيات كأس العالم، هذه الحالة التى رد عليها البعض بحملة مضادة عن «كرة القدم كأفيون للشعوب»، أو «هل نسينا مشاكلنا الاقتصادية والسياسية وتفرغنا للكرة؟!»، أو حتى من قبيل «كيف نحتفل بلاعب كرة ولا نحتفل بأديب أو عالم؟!».
وهنا تذكرت على الفور مقولات علماء السياسة والاجتماع وحتى الأنثروبولوجيا التاريخية، من أن الرياضة ولا سيما كرة القدم، والفن ولا سيما الغناء والسينما، بالإضافة لعوامل أخرى من أهم عوامل ترسيخ القوميات، بل ووحدة المجتمع.
وتذكرت رحلة المؤرخ المصرى الكبير محمد صبرى بك السربونى، صاحب الكتاب الشهير عن ثورة ١٩، رحلته إلى باريس فى عام ١٩٢٤ لحضور دورة الألعاب الأوليمبية، وكان لها فى ذلك الوقت رونق وصيت كأس العالم، وكيف فرح صبرى لانتصار الفريق المصرى، يقول صبرى: «كنت فى باريس فى عام ١٩٢٤ وشاهدت انتصار الفريق المصرى على الفريق المجرى، وكان الفريق المجرى من الفرق الأوروبية الأولى. كان هذا الانتصار دعاية كبرى لمصر، لأن الصحف الفرنسية أشادت ببراعة المصريين واقتدارهم الفنى. وقد رفعت رأسى كمصرى فى ذلك اليوم واستعدت أيام ثورة ١٩، ونشوة الفخر والشعور بأننا أمة حية تثبت حقها فى الحياة».
كما كتب السياسى والصحفى الشهير فكرى أباظة عن رحلته إلى برلين فى عام ١٩٣٦ لحضور دورة الألعاب الأوليمبية. وكيف أراد هتلر إبهار العالم كله بقدرة ألمانيا على تنظيم هذه الدورة، وكان هذا إعلانًا لصعود ألمانيا، المهم يحدثنا فكرى أباظة عن خيبة أمل مصر والمصريين أمام هزيمة الفريق المصرى من النمسا!
إن فرنسا التى تعانى دائمًا من مرض مزمن وهو العنصرية بسبب طفيليات اليمين المتطرف، احتفلت احتفالًا خاصًا بحصولها على كأس العالم بفضل فريقها الذى على رأسه زين الدين زيدان فى عام ١٩٩٨، وبطولة أوروبا ٢٠٠٠، ولم تكن الفرحة لمجرد الحصول على البطولات، ولكن لأسباب وطنية؛ فها هو زيدان المولود فى مارسيليا، من أبوين جزائريين يقود فرنسا إلى كأس العالم، كما أن أغلب لاعبى الفريق الفرنسى كانت أصولهم، بل أسماؤهم، غير فرنسية. وكان هذا الأمر تأكيدًا على أن الفرنسية ليست عِرقًا بل ثقافة وحضارة، وتم توظيف الانتصار الكروى فى معركة الوطنية الفرنسية.
كانت مصر بعد ٢٥ يناير ــ ٣٠ يونيو والأيام الصعبة، فى حاجة إلى نصرة وفرحة، وكان الوصول إلى نهائيات كأس العالم هو الحلم الذى تحول إلى فرحة، ولكن علينا التوقف والتبيُّن للوصول إلى الحلم الأكبر.. مصر الجديدة.

ads
ads