رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

إعلامنا.. غياب الاستراتيجية وسيادة الفوضوية


سألتْ الصحفية الألمانية المرافقة لمستشارة ألمانيا، أنجيلا ميركل، الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال المؤتمر الصحفى، الذى عُقد فى أعقاب مباحثاته مع ميركل، يوم الخميس الماضى، عن حقوق الإنسان فى مصر، ولماذا لا تتكفل القاهرة بإقامة معسكرات استقبال للاجئين على أراضيها، لتستضيف النازحين إليها، من مناطق الصراع فى الشرق الأوسط، مثلما فعلت تركيا، بموجب اتفاق مدفوع من الاتحاد الأوروبى، تحصل أنقرة بموجبه على مليارات اليوروهات.. فهل كان السؤال، جهلاً من الصحفية الألمانية، أم تقصيرًا من إعلامنا الخارجى؟، ودليل عجزه عن إيصال حقائق ما يجرى على أرض مصر، للرأى العام العالمى، كلٌ فى مكانه، وكلٌ باللغة التى يفهمها؟.

فى نظرى، أن مثل هذه الصحفية الألمانية، كغيرها، فى الغرب وأمريكا، لا يعرفون كثيراً عن مصر، وجُل ما يبثه مراسلوهم فى القاهرة، هو تلك التفجيرات الإرهابية، واختلال ميزان الأمن، فى نظرهم على أرض الكنانة، وهم بعيدون كل البعد عن الإنجازات التى تحققها مصر، وعن تلك التحديات التى تُجابهها، من أجل الحفاظ على أمنها القومى، وحماية أراضيها.

وكما قال الرئيس، فى معرض رده عليها: «لو سقط منكم، مثل ما يسقط منا من شهداء ومدنيين أبرياء، لفعلتم مثلما نفعل».. فمن المسئول عن قصور الرؤية الغربية، وعدم وضوح الصورة الحقيقية عما يحدث فى مصر، وجَعلتْ حقيقة وجود أكثر من خمسة ملايين لاجئ، يعيشون فى مصر كما يعيش المصريون، ويسكنون مثلما يسكنون، حقيقةً غائبةً عن الإدراك الغربى، لم يسوقها، معلومة، إلا الرئيس؟.

نحن فى حالة ارتباك إعلامى، أشبه بغابة كثيفة، نبتت أشجارها عشوائياً، فلم تصطف بما يسمح بالولوج إليها، والسير فى أرجائها، واستيضاح معالمها، بل اختلطت سيقانها، فأعاقت الحركة، وحجبت الرؤية.. نحن بين هيئة عامة للاستعلامات، ماتت منذ زمن الإخوان، فلم نعد نرى لها وجوداً، ولم نشعر لها بأثر بين الرأى العام العالمى، وبين إعلام داخلى، انشغل فى ذاته، واستغرقته مشاكله، فلم يعد قادراً على ممارسة دوره الوطنى، بكفاءة والتزام، ومؤسسات دولة، اشتبكت مع هذا الإعلام، فى عراك، ألهاها عن مساندته ودفعه إلى الأمام، وغياب معلوماتى، فتح الباب واسعاً أمام الشائعات والمغالطات، ودفع إلى سوء التفسير والتأويل.. ولم يتبق، فى النهاية، إلا جهود ذاتية، تقوم عليها مؤسسة الرئاسة، كانت كفيلة بتصحيح جانب من النظرة المغلوطة، عن مصر فى أعقاب 30 يونيو، واشتبكت مع قضايا أمتها، وخاصة دول الجوار، حتى أصبحت القاهرة، عاصمة الدبلوماسية.. فهل هذا يكفي؟.

دعونى أتمادى فى تساؤلاتى، لأسأل: هل قامت مؤسسات الإعلام، الرسمية والمستقلة، بما يجب عليها، تمهيداً لأول زيارة رسمية للرئيس السيسى إلى واشنطن، فى أعقاب انتخابات الرئاسة الأمريكية، التى أوصلت رجلاً يحترم مصر، ويقدر قيادتها، إلى سدة الحكم؟.. هل قامت الهيئة العامة للاستعلامات بتمهيد الأرض، أمام الرأى العام الأمريكى، قبيل هذه الزيارة، بما يحقق فهماً واسعاً، للمواطن الأمريكى، قبل مؤسساته، عما تقوم به القاهرة من تغييرات على الأرض، تستهدف حماية مواطنيها وتحسين سبل معيشتهم وحفظ كرامتهم، وتحقيق حريتهم، جنباً إلى جنب، مع مواجهتها إرهابًا أعمى، لا تنصب جرائمه على مصر وحدها، بل إنه يطال العالم برمته؟.. هل فعلت ذلك قبل أن يواجه الرئيس السيسى هناك، سيلاً من الأسئلة عن هذه الأمور كلها، وجماعة الإخوان لا تألو جهداً فى تزييف الحقائق، وصياغة صورة زائفة عن الحكم فى مصر، وسوء أحوال المواطنين، بعد ما أسموه «انقلاباً» على شرعية مزعومة، كادت تودى بالدولة إلى أتون حرب أهلية بين مواطنيها، والكائدون لمصر كثرٌ، لا يجدون من يدحض أكاذيبهم ويرد على افتراءاتهم؟

يقول أساتذة العلاقات العامة، «ليس مهماً فقط، أن تكون على صواب.. الأهم أن يعلم الآخرون أنك على هذا الصواب».. بدهية، ذهب إليها كل من يكيد لمصر، وعملوا بمبدأ مخالف: «ليس مهماً أن تكون كاذباً.. الأهم أن تجعل الآخرين يصدقون هذا الكذب»!.. فأنفقوا كثيراً من أجل أن تصير أكاذيبهم ضد مصر حقائق، لم تجد من يتصدى لكشفها وتعرية زورها.

ليس من العيب، والحال هكذا، أن يكون للدولة المصرية حملة مدفوعة، فى دول الغرب وأمريكا، تقوم على تصحيح صورتها المغلوطة، عبر وسائل إعلام هذه الدول، فتلك شريعة معروفة، وتكلفتها تهون فى مقابل الخسائر المتتالية على مصر، من جراء إحجام السياحة عن القدوم إلى منتجعاتها وآثارها، وفى مقابل المخاوف التى تنتاب البعض وتردده عن الاستثمار فى مشروعاتها، وغيرها من خسائر، هى نتيجة طبيعية، لصورة مغلوطة، نجح البعض فى رسمها لمصر بالخارج، وغاب من يصححها!

وعلى طريقة «وشهد شاهد من أهلها»، يأخذ الغرب من إعلامنا الداخلى، ويرد علينا.. وما إعلامنا هذا إلا تشابكات، بين خطأ الرؤية، وقلة المعلومة، وأجندات من كان عدواً للدولة.. مصالح ذاتية، تضافرت مع غياب للرؤية الوطنية، وفقدان استراتيجية إعلامية، ألقت بمصر، فى ثقب أسود، يلتهم إنجازاتها، ويطمس منجزاتها، ولا يستبين من هذا الثقب، سوى هذه الصورة الشائهة، عن بلد، تحدياته تفوق قدراته، ومع ذلك يظل هناك بطل مغوار، يخوض معركة البقاء والبناء، بصبر وجلد، هو الشعب المصرى، ومن وراءه قيادة رأت أن «آخر الدواء الكَي»، يفيق بعده المريض من غيبوبته، ليواصل مسيرة حياته.. فمن كان لكل هؤلاء، يعبر عنهم، ويعكس حقيقتهم؟.

لا نجد إلا خواءً إعلامياً.. كيانات ضخمة، فرغت من مضمونها الحقيقى، فتقاعدت أو تقاعست، وأصبح على رئيس الدولة أن يُجيب عن كل سؤال، ثار هنا أو هناك، لأن سائله لم يجد من يمده بما يكفيه من معلومات، أو أنه يعانى من «تراخوما النظر»، أو طرقت آذانه مغالطات، أتته من ألسنة بعض أبناء هذا البلد.. بسوء نية، نعم.. بقلة فى المعلومات، نعم.. بقصور فى الإمكانيات، نعم.. وتطول الأسئلة، حتى لا تنتهى.. لنتساءل نحن: أين الهيئة العامة للاستعلامات، من مصر والعالم الخارجى؟.. أين اتحاد الإذاعة والتليفزيون، من دوره فى التأثير ونقل الحقائق للمواطن، ومن قناة له، تتوجه للرأى العام العالمى، بلسانه وطريقة تفكيره؟.. أين الصحف المصرية الصادرة بلغات أجنبية، من قارئها الأجنبى على الأراضى المصرية؟.. وقبل ذلك وبعده.. أين هيئات الإعلام حتى الآن.. التى ترك غيابها، المؤسسات الصحفية القومية نهباً للترهل والانفلات والركون عن العمل، وترك الجميع الدولة المصرية تواجه مصيرها وحدها، دون استراتيجية إعلامية واضحة، يضعها من يكون مسئولاً عن تنفيذها، ويوجه دفتها نحو صناعة صورة مصرية حقيقية.. فهل نفعل؟.حفظ الله مصر.. من كيد الكائدين.