القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
تحقيقات
الثلاثاء 14/فبراير/2017 - 08:26 ص

«الدستور» زارت 200 جامع فى 5 محافظات وكشفت الكارثة

هكذا يخرج الإرهابيون من قلب «مساجد الأوقاف»

عملية إرهابية ـ ارشيفية
عملية إرهابية ـ ارشيفية
حماد الرمحى وإسلام الشرنوبى رمضان حسن ووليد خطاب
dostor.org/1307403

منذ عامين تقريبًا، ألقى الرئيس عبدالفتاح السيسى حجرًا فى المياه الراكدة، حين طلب من المؤسسات الدينية ضرورة تجديد الخطاب الدينى.


وفى محاولة منها لتنفيذ طلب الرئيس، لجأت وزارة الأوقاف لنظام الخطبة الموحدة لأئمة المساجد، وعمل الأزهر على تنقية مناهجه التعليمية من الأمور التراثية المتشددة، لكن ثمة أمر نساه الجميع، وهو ما يعد قنابل مسكوتًا عنها للإرهاب، خصوصًا فى القرى والمحافظات، وهو «الكتب الدينية الموجودة بمكتبات المساجد» التى من المفترض أنها تدخل إلى تلك المساجد عن طريق تبرع المصلين والأهالى.


«الدستور» زارت نحو 200 مسجد تابع لوزارة الأوقاف، فى 5 محافظات: القاهرة والجيزة والمنوفية والقليوبية والفيوم، وجردت ما يزيد على 500 مكتبة بتلك المساجد على مدار أسبوعين متتاليين، وكانت النتيجة كارثية بالمعنى الحرفى للكلمة، خاصة بعد أن عثرنا فيها على كتب لسيد قطب وشقيقه محمد قطب، وكتب لإمام الوهابية محمد بن عبدالوهاب، وكتاب «الجهاد فى الإسلام» لأبى الأعلى المودودى، مؤسس الجماعة الإسلامية فى باكستان، وكذلك كتب لابن باز وابن عثيمين، وكثير من الكتب الأخرى الممتلئة بالأفكار المتشددة والجهادية التى يتربى عليها الإرهابيون.


بالإضافة إلى الأفكار المتشددة والجهادية، تحوى صفحات تلك الكتب فتاوى بتكفير الغير، وأخرى تُظهر التطرف الفكرى والإرهابى لمؤلفين معروفين بفكرهم المتشدد، وهى كتب موجودة وسط المصاحف داخل مكتبات عدد من مساجد بعض المحافظات، وغايتها استهداف الشباب والزج بهم إلى الجماعات الإرهابية والتنظيمات الجهادية، فى غياب رقابة مؤسسة الأوقاف على مساجدها، وعدم التفتيش الدورى لتطهير تلك المساجد من هذه الكتب التى تعد بمثابة قنابل ومفخخات فكرية، لا تقل خطورة عن القنابل العنقودية شديدة الانفجار.

هكذا يخرج الإرهابيون

الفيوم.. أوراق من «دماغ الإخوان» تغزو بيوت الله

«ابنى ضحية مش إرهابى.. كان أملنا فيه كبير لما دخل كلية العلوم.. ولكن كتب مشايخ الجماعة غيرت فكره ودمرت حياته».. هذه خلاصة حياة الإرهابى محمود شفيق، مفجر الكنيسة البطرسية، كما لخصتها والدته الفلاحة البسيطة.


ببساطتها المطلقة، أكدت «الأم»، فى تحقيقات النيابة، «أن ابنها خريج كلية العلوم بجامعة الفيوم، وأنه لم تكن له أى علاقة بالجماعات الإرهابية، ولكن شيوخ الجماعة نجحوا فى تلويث فكرة بعد إمداده بالكتب التكفيرية التى تحرض على العنف والإرهاب».


ما قالته والدة الإرهابى محمود شفيق هو تقريبًا نفس ما قالته شقيقة الإرهابى «عادل حبارة»، منفذ مجزرة رفح الثانية، التى راح ضحيتها 25 شهيدًا من جنود الشرطة فى سيناء، حين أكدت أن «شقيقها حبارة كان مواطنًا عاديًا، ولكنه تحول فكريًا بعد أن استمع إلى أشرطة شيوخ السلفية، وقرأ كتبهم التى تحرض على العنف والكراهية».


بدأت «الدستور» جولتها من مساجد محافظة الفيوم، حيث قررنا زيارة عدة مساجد تقع تحت هيمنة وسيطرة الجماعات الأشد خطورة فى مركزى أبشواى، ويوسف الصديق، وهما أخطر مركزين يضمان أخطر الجماعات الإرهابية على مستوى الجمهورية، فمنهما خرج الدكتور عمر عبدالرحمن، أمير الجماعة الإسلامية، والمعتقل حاليًا فى سجن جوانتانامو بأمريكا، والشيخ شوقى عبداللطيف أخطر إرهابى فى فترة التسعينيات، الذى نجح فى تشكيل جماعة مسلحة قوامها 900 مجاهد، وأعلن بعدها الخلافة الإسلامية فى قرية كحك.


الزيارة الأولى كانت لمسجد بقرية «أبوشنب» بمركز أبشواى بالفيوم، وبرغم أن المسجد يقع تحت ولاية وزارة الأوقاف، إلا أنه يحمل اسم الجماعة الإرهابية التى شيدته وأسسته منذ أكثر من ربع قرن تقريبًا، حيث يحمل اسم مسجد «الأخوة الغربى» وهو من أخطر المساجد، التى أنتجت مئات العناصر التكفيرية فى مصر، ومنه خرج الشيخ محمد عبدالستار الشهير بالشيخ شلتوت، أحد رموز التكفير بالفيوم، والشيخ سامى محمد عبدالغفار، والشيخ عمر عبدالسلام منتصر، وجميعهم من قيادات الحركات الإسلامية الأولى التى بذرت البذرة الأولى لفكر الجهاد بقرى الفيوم.


داخل المسجد يتواجد «كتاب التوحيد» للشيخ السعودى محمد الفوزان، تلميذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب، مؤسس الفكر السلفى الجهادى فى العصر الحديث، وهو كتاب يعتمد بشكل كبير على الأفكار الجهادية للإمام ابن تيمية.


ويتكون «كتاب التوحيد» من عدة أبواب، أخطرها على الإطلاق الباب الأول، وهو باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، لأنه يقسم المجتمع إلى فرقتين «فرقة مؤمنة» و«فرقة كافرة»، وهو ما يوضحه الباب الثانى: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب»، و«باب الخوف من الشرك»، فضلًا عن «باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، وباب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما» وهو تكفير صريح لكل من تبرك أو توسل بأى شجر، أو بشر ولو كان النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أفرد لهذه العقيدة عدة أبواب منها «باب ما جاء أن سبب كفر بنى آدم وتركهم دينهم هو الغلو فى الصالحين، وباب ما جاء من التغليظ فيمن عبدالله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده، وباب ما جاء أن الغلو فى قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله، وباب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان»، وهى نفس الأبواب التى تعتمد عليها الجماعات المتطرفة فى مصر وسوريا والعراق لهدم مقابر الأولياء والصالحين، ولو كانت تنتمى لآل البيت عليهم السلام.


أما باب «الذبح لغير الله، وباب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله»، فهى أبواب فقهية اعتمدت عليها الجماعات الإرهابية فى «أبوشنب» لتحريم لحوم الجزارين.


وخطورة هذا الكتاب هو تركيزه الشديد على ما يطلق عليه «أمراض الأمة» مثل السحر والتبرك والاستشفاء وزيارة القبور والأضرحة والأولياء والتوسل بالصالحين والتطير والتنجيم، وهى قضايا متغلغلة فى المجتمع المصرى، والتركيز عليها وتكفير أصحابها يحدث أزمة كبيرة داخل المجتمع، وهذا هو دأب الجماعات الإسلامية، وفى مقدمتها جماعة الإخوان.


ويمكن الإشارة هنا إلى ما ورد فى هذا الكتاب من تشدد واضح خاصة فى «باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وباب من أطاع العلماء والأمراء فى تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا»، وهى أبواب تعتمد عليها الجماعات التكفيرية فى الخروج على الحاكم.


كما يمكن رصد ذلك فى «باب ما جاء فى المصورين» وهو باب يحرم مهنة التصوير على الإطلاق، وتعتمد عليه الجماعات المتطرفة فى استباحة دم الإعلاميين والصحفيين حيث يقول: «وأما من صور العباد فلاشك أنه فعل جرمًا كبيرًا وأنه معين على الكفر والإثم والعدوان» مستشهدًا بحديث أبى هريرة، رضى الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى؛ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة».


وينتهى الباب بتحريم التصوير، وبأى وسيلة وجد، وأن المصور من أظلم الظالمين يوم القيامة، وهو ما يتنافى تمامًا مع رأى الأزهر الشريف بأن التصوير حلال شرعًا، وأنه لا إثم ولا حرج فيه.

أما المحطة الثانية لـ«الدستور»، فى محافظة الفيوم، فكانت فى مسجد الرحمة بقرية «جيلانى» التابعة لمركز إبشواى، ورصدنا فيه عددًا من الكتب التابعة لجماعة الإخوان، وفى مقدمتها كتاب «فقه السنة» للقطب الإخوانى الشيخ السيد سابق، أحد قيادات الرعيل الأول لجماعة الإخوان، ومن تلاميذ حسن البنا، الذى قدم للمحاكمة وأسندت إليه تهمة التحريض على قتل النقراشى باشا بوصفه من أفتى الشاب القاتل عبدالمجيد حسن بإهدار دم النقراشى وجواز قتله، وحمل منذ هذه الواقعة لقب «مفتى الدماء».


أما كتابه «فقه السنة» فهو الكتاب الفقهى الأخطر فى تاريخ جماعة الإخوان، حيث إنه مستقى بالكامل من كتب ابن تيمية، وهما من أبرز المؤسسين لفقه الجهاد فى التاريخ الإسلامى.


ويعتبر «باب الحدود» من أخطر الأبواب فى كتاب فقه السنة لمفتى جماعة الإخوان، وفيه يدعو صراحةً إلى تطبيق الشريعة الإسلامية فى جميع الحدود، وفى مقدمتها حد السرقة بقطع اليد، وحد الزنا بالرجم، وحد الحرابة على المفسدين فى الأرض.


وعلى سبيل المثال يقول السيد سابق فى عقوبة الزنا، متحدثًا عن المرأة: «فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا.. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم» أى الموت بالحجارة.


ويقول فى عقوبة جريمة الفساد فى الأرض: القتل، أو الصلب، أو النفى، أو تقطيع الأيدى والأرجل من خلاف، حيث يقول الله سبحانه: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم».


وقد ألف أحد المشايخ كتابًا للرد على كتاب السيد سابق تحت عنوان «تمام المنة.. فى التعليق على فقه السنة» كشف فيه العديد من المغالطات والأخطاء التى وقع فيها مفتى جماعة الإخوان، ومنها الاعتماد على الأحاديث الضعيفة لإثبات حجته، فضلًا عن اعتماده على أحاديث أخرى منكرة ومحاولته رفعها وتقويتها لإثبات صحة أقواله، وخاصة فى قضايا الجهاد، بالإضافة إلى نسبه لأحاديث للصحيحين برغم عدم وجودها بالفعل فيهما، وزد على ما تقدم اعتماده على أحاديث لا وجود لها فى شىء من كتب السنة.


وأكد كتاب «تمام المنة.. فى التعليق على فقه السنة» أن الشيخ السيد سابق يقدم المسائل الفقهية دون دليل يؤيدها، وأحيانًا يحتج لها بالقياس مع أنه يوجد فيها حديث صحيح، وتارة يستدل بالعموم وفيها دليل خاص، وهذا خطأ فادح فى الفقه الإسلامى، فضلًا عن إيراده فى المسألة الفقهية الواحدة أقوالًا متعارضة، دون أن يرجح أحدها على الآخر، كما أن لديه العديد من الأحكام المتعارضة والمتناقضة.


كما عثرنا فى المسجد نفسه على كتاب حمل اسم «تحفة الإخوان» للعالم السعودى عبدالعزيز بن باز، ويعد تأصيلًا واضحًا وصريحًا للفكر السلفى الوهابى الذى تعتمد عليه جماعة الإخوان والجماعات التكفيرية فى منهجها.


والكتاب، وإن حمل اسم «الإخوان» صراحة، فإنه لا يتحدث عن الجماعة بذاتها، ولكن يصب مباشرة فى مصلحتها، ويؤصل لفكرها المتشدد فى جميع أبوابه التى تخالف المنهج الوسطى للأزهر الشريف.

هكذا يخرج الإرهابيون

القاهرة.. تفخيخ المسيحيين فى مدينة نصر

وعلى بُعد مسافة قريبة من جامعة الأزهر دخلنا عددًا من المساجد، ومن أهمها «مسجد الشهداء» و«مسجد آل بدر» و«مسجد المصطفى»، الأول يُعد من أكبر المساجد التى تضم عددًا كبيرًا من الكتب المختلفة، ما بين المصاحف والأذكار، وبالبحث فى هذه المكتبة عثرنا على كتب يظهر فيها الفكر المتشدد، وتكفير الغير، مثل «كتاب التوحيد.. الذى هو حق على العبيد» لكاتبه محمد بن عبدالوهاب، وهو كتاب له قدسية خاصة عند أتباع الفكر السلفى الوهابى.


ويحتوى هذا الكتاب على فتاوى بتكفير الفرق الأخرى من المسلمين، ويرى أن التبرك بالأولاياء والصالحين كفر بالله، مطالبًا بوجوب قتال أتباع الفرق الأخرى، وهو منهج السلفية الجهادية، ووجوب هدم الأضرحة والقبور لأن من يأتى إليهم يعبدهم دون الله، والتهجم على أتباع المنهج الشيعى خاصة والقول بكفرهم وبخرجوهم من الإسلام، بجانب عدد من الكتب للكاتب نفسه، أهمها «كشف الشبهات فى التوحيد» الذى يحمل أيضا فكرًا متطرفًا تجاه أتباع المنهج الشيعى والقول بكفرهم ومحاربتهم.


ارتبط اسم محمد بن عبدالوهاب بالسلفية الجهادية أو الوهابية، خاصة بعد ظهور تنظيم «داعش»، واتخاذهم من الفكر الوهابى الجهادى غاية لتحقيق حلم الخلافة، ويعتمد هذا الفكر على تكفير الغير ما دام غير تابع لهذا المذهب، كما أنه يؤمن بأن العقيدة الصحيحة هى التى جاء بها ابن تيمية، وانتهت بعد وفاته، وعاش المسلمون ستة قرون فى جهل وضياع إلى أن ظهر محمد بن عبدالوهاب وأحيا هذه الدعوة، ولذلك فإن النصوص التى كتبها ابن عبدالوهاب، سواء فى رسائله العقائدية أو كتبه الفلسفية، كانت دائمًا تحتوى على تكفير الآخر، بل القول بعدم انتسابه إلى الإسلام ومحاربته.


وفى مسجد «آل بدر» الذى لا يبعد سوى أمتار قليلة عن أسوار جامعة الأزهر، عثرنا بداخله على كتاب «الأحكام الملمة.. على الدروس المهمة.. لعامة الأمة» وفيه ما فيه من تكفير لأتباع الديانات الأخرى، والقول بعدم معاملتهم أو تهنئتهم بأعيادهم، وهذا الكتاب من إصدارات هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالمملكة العربية السعودية، وتعد ممارسات الهيئة داخل المملكة وخارجها أساسًا للفكر المتطرف، بداية من إجبار الناس على الصلاة، وتغطية وجوه النساء، واتخاذها من فتاوى ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب منهجًا لها، وهذا لا يختلف كثيرًا عن الفكر الداعشى.


وعلى بعد أمتار قليلة من المجالس الطبية، يقع مسجد المصطفى، وبالبحث داخله عثرنا على بعض الكتب التى تحمل غلوًا وتشددًا فى الدين، ومنها كتاب «حقوق دعت إليها الفطرة وقرتها الشريعة» لكاتبه محمد بن صالح العثيمين، وفيه يدعو الكاتب إلى عدم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، وأن يُحكم فيهم بحكم الإسلام، ولا يظهروا شيئًا من شعائر دينهم كالنقوس والصليب، وألا يكون لهم دور عبادة خاصة بهم.


كما عثرنا على كتاب «حراسة التوحيد» لكاتبه عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وما فيه من تكفير لأتباع الفرق الإسلامية الأخرى، وعدم جواز الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، أو يوم عاشوراء، والقول بكفر من يتبرك بالأولياء، أو يزور الأضرحة أو يصلى فى مساجدها باعتبارهم خارج الملة.


وفى منطقة حلمية الزيتون، التابعة لمحافظة القاهرة، وبالقرب من مدرسة الزيتون الإعدادية الحديثة بنات يقع مسجد «عباد الرحمن» الذى يضم عددًا من المكتبات، وبالبحث فيها تبين وجود عدد من الكتب التى تحمل الفكر المتشدد، وتكفير الغير، ككتاب «اقتضاء الصراط المستقيم.. مخالفة أصحاب الجحيم» لمؤلفه ابن تيمية، ويحمل هذا الكتاب بين صفحاته كفرًا بواحًا ليس فقط لأصحاب الديانات الأخرى، بل للمسلمين أيضًا، حيث يقول: «إن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، من النصارى، إنما هى بدعة ولا يجب أن نهنئهم بأعيادهم»، وقال فى كتابه بتكفير الفرق الأخرى من المسلمين، كالشيعة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة، باعتبارهم خوارج ويجب قتالهم، على حد وصف الكاتب.


وقد أفتى ابن تيمية فى كتابة بعدم الاستماع إلى الموسيقى أو النظر إلى الصور، والعمل على محاربة أهلها، كما أفتى أيضًا بعدم تعلم اللغات الأخرى، أو التحدث بها، لأنه مخالفة لمنهج الإسلام من وجهة نظره، وأفتى بهدم الآثار والأضرحة، ولا يفرق بينهما لاعتبارهما من المحرمات، فضلًا عن أنه كفّر المسلمين الذين يقومون على رعاية الآثار، أو عمل المزارات لارتيادها أو الحفاظ عليها.


وعلى مسافة ليست بعيدة، وبالتحديد فى شارع سليم، بمنطقة الحلمية، يقع مسجد «ذكر الرحمن» الذى يحتوى أيضًا على عدد من الكتب، وبالبحث داخلها وجدنا عددًا منها يحمل فكرًا متشددًا تجاه الفرق الأخرى من المسلمين، مثل كتاب «زيارة القبور.. والاستنجاد بالمقبور» لمؤلفه ابن تيمية، وفيه كفّر معظم البلاد الإسلامية التى تقيم الموالد والأعياد والاحتفالات، ويرى فى ذلك خروجًا عن الإسلام الصحيح.

ويعد ابن تيمية من أخطر أئمة الفتنة الذين نشروا الفكر المتطرف والإرهابى فى الأمة الإسلامية، من تكفير المسلمين واستحلال دمائهم على أبسط المسائل فى أداء العبادات، ومن فتاواه «قتل المسلم الذى لا يحضر صلاة الجماعة بالمسجد إن كان يسكن قريبًا».

واللافت للانتباه أيضًا أن تنظيم داعش الإرهابى نقل عن «ابن عثيمين» فتوى لحرق الطيار الأردنى معاذ الكساسبة حيًا، لدى أسره بعد سقوط طائرته خلال الحرب الدولية على معسكرات التنظيم.


وفى المطرية راحت «الدستور» تنقب بين كتب مساجدها، ففى مسجد «بلال» المعروف هناك، كانت المكتبة الخاصة بالجامع مليئة بالمصاحف، فيما الكتب قليلة، لكن بعد فحص تلك الكتب تبين أن غالبيتها لأساتذة الأزهر الشريف، وكبار العلماء، غير أن بين كل ذلك وجدنا كتاب «الجهاد فى الإسلام» لأبى الأعلى المودودى، الذى اشتهر بالفكر المتطرف والدعوة إلى العنف، كما أنه أحد أبرز قادة التيار الإسلامى الذى كان يرفع شعار الدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية، لكنه انحرف فى بعض أفكاره، ليتحول بعد ذلك إلى المرجعية الفكرية للكثير من جماعات التكفير، حيث اعتقل أكثر من مرة بسبب أفكاره، وحكم عليه بالإعدام بتهمة التأجج الطائفى ثم خُفف الحكم للسجن المؤبد.


وأسس المودودى «الجماعة الإسلامية» فى الهند، على غرار تأسيس الإمام حسن البنا لجماعة «الإخوان» فى مصر، ولا تختلف كثيرًا عنها من حيث استخدام القوة لتحقيق الأهداف، وتكفير غير المسلمين، والسمع والطاعة دون تقبل الرأى الآخر، والتغيير بالقوة، والخضوع للأوامر والنواهى، وغيرها من الأهداف التى تشير إلى رفض الآخر.

هكذا يخرج الإرهابيون

المنوفية.. «فى ظلال القرآن» يدعو لهدم الدولة المدنية

المحطة الثالثة كانت فى المسجد القديم، بمنطقة كوم أوشيم، ويضم مكتبة صغيرة بها عدد كبير من الكتب القديمة والمتهالكة، كان أبرزها كتب الجمعية الشرعية السلفية، وكتاب «فى ظلال القرآن» لسيد قطب، أحد أبرز قيادات جماعة الإخوان ومفتى الجماعة الأخطر فى تاريخها، والمعلم الأول للفكر الجهادى فى تاريخ مصر الحديثة، والمتهم الأول فى «تنظيم 65»، حيث قدم للمحاكمة العسكرية التى جرت لقيادات الإخوان فى عهد جمالعبدالناصر، فى القضية رقم 12 لسنة 1965، بتهمة تشكيل خلايا عسكرية سرية لقب نظام الحكم.


ويعتبر كتاب «فى ظلال القرآن» أول تفسير للقرآن الكريم من منظور سياسى، فهو محاولة للتأكيد على وجود علاقة شرعية بين الدين والسياسة، لدرجة أن سيد قطب وصل فى كتابه إلى أن العلاقة بين الدين والسياسة علاقة تطابق، وليست علاقة ارتباط، ليصل من خلال هذه الفكرة إلى أن الوصول إلى السياسة هو وصول للدين نفسه، وأن الوصول للحكم هو تمام الدين، وهو تفسير لم يأت به أحد من علماء المسلمين.


ومن أبرز المغالطات التى دسها سيد قطب فى تفسيره، هو تغيير بعض الألفاظ الشرعية، وصبغها بمسميات سياسية تتفق مع دولة الخلافة التى تسعى جماعة الإخوان لتأسيسها، مثل تسميته «الزكاة» بالضريبة، وإطلاق لفظ القانون على الأحكام والحدود الشرعية.


ومن أخطر أقوال سيد قطب فى تفسيره: «إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة، ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هى شريعة الله، والفقه الإسلامى»، وقوله «إن هذا المجتمع الجاهلى الذى نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم»، وقوله «إن المسلمين الآن لا يجاهدون! ذلك أن المسلمين اليوم لا يوجدون! إن قضية وجود الإسلام ووجود المسلمين هى التى تحتاج اليوم إلى علاج».


ذهب فريق «الدستور» فى جولة أخرى لمحافظة المنوفية، لرصد عدة مساجد يظهر فيها التطرف الفكرى والإرهابى لعدد من المؤلفين المعروفين بفكرهم المتشدد، فعلى قرابة 100 متر من مستشفى جنزور بمنطقة القاصد، يوجد مسجد «القاصد الجديد» فى أول قرية جنزور، التابعة لمركز بركة السبع بالمنوفية، وإذا وقفت أمام باب المسجد سترى مكتبة تملؤها الكتب والمصاحف على الجانب الأيمن من المسجد، وبالبحث فى هذه المكتبة يتضح وجود عدد من الكتب يظهر فيها التشدد الفكرى، وأحيانًا تكفير الغير، مثل «البيان والإيضاح.. بأن ترك الصلاة كفر بواح» لمنصور بن عبدالعزيز السمارى، المحسوب على الفكر الوهابى المتشدد، ويتناول فيه حكم تارك الصلاة بالكفر مباشرة، دون دعوته بالمعروف، طبقًا لفتوى دار الإفتاء بهذا الشأن.


وبالتنقيب بين كتب مسجد القاصد، وجدنا أيضًا كتاب «هل نحن مسلمون» لمحمد قطب، شقيق القيادى الإخوانى وأحد مؤسسى تنظيم الجماعة سيد قطب، وهو رئيس سابق لقسم نشر الدعوة فى الجماعة، ورئيس تحرير جريدة الإخوان، واشتهر بأنه من أوائل منظرى فكر السلفية الجهادية، وكتب دائمًا تأكيدًا بأن أعظم الناس تأثيرًا فى حياته كلها هو أخوه سيد، فهو الذى أشرف على تعليمه وتوجيهه وتثقيفه، وكان بالنسبة إليه بمثابة الوالد والأخ والصديق، وبجانب الكتابين وجدنا بعض أذكار وكتيبات تحتوى على الفتاوى المتشددة للشيخ ابن عثيمين.


وبجوار مدرسة جنزور الإعدادية، يوجد مسجد «مسعود»، وفيه عثرنا على مجموعة من الكتب، جميعها للشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، من بينها كتاب «التحذير من البدع» ويحرم فيه الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، مشيرًا إلى أنه «بدعة»، محذرًا أيضًا خلاله من الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ويأتى هذا مخالفًا لفتوى دار الإفتاء المصرية، وكتاب «التحذير من الغناء والسفر لبلاد الكفرة وشرب الدخان»، ويستهل الكتاب بفتوى تقول: «إن الاستماع إلى الأغانى حرام ومنكر، ومن أسباب مرض القلوب وقسوتها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة»، كما أنه حرم حلق اللحية لأنها معصية للرسول، محذرًا المسلمين من السفر إلى بلاد الكفرة، ناصحًا إياهم ـ من وجهة نظره ـ بعدم الاستجابة لسفر أبنائهم إلى الخارج لما فى ذلك من الأضرار والمفاسد الأخلاقية، وتأتى هذه الأفكار جميعها مخالفة لما صدر عن دار الإفتاء المصرية من فتاوى، ومخالفة أيضًا لأغلب علماء الأزهر الشريف.


ويعرف الشيخ «بن باز» بأنه من أنصار الفكر الوهابى، حيث تتلمذ على يد حفيد الشيخ محمد بن عبدالوهاب آل الشيخ، وبعث رسالة إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بعد إعدام سيد قطب، منظّر الإخوان فى مصر، فى 29 أغسطس 1966، قائلًا فيها: «من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى الرئيس جمال عبدالناصر، السلام على من اتبع الهدى. يقول الله عز وجل (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا)».


كما عثرت «الدستور» على بعض كتيبات تشبه الأذكار بعنوان فتوى الشيخ ابن عثيمين عن الكريسماس، ويرى فيها أن تهنئة الإخوة الأقباط تعد من المحرمات، بل أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتـل النفس، محرمًا كذلك الاحتفال بعيد الميلاد، وعيد الزواج وغيرهما من الأعياد، لأننا من وجهة نظره نتشبه فيها بالغير، ومن ثم فهى فتاوى مخالفة تمامًا، فى هذا الشأن، لفتوى دار الإفتاء المصرية التى تؤكد دومًا أنه «لا مانع شرعًا من تهنئة غير المسلمين فى أعيادهم ومناسباتهم، وليس فى ذلك خروج عن الدين كما يدَّعى بعض المتشددين، بل إنه مستحب، وكذلك فإن احتفال المسلمين بميلاد السيد المسيح أمرٌ مشروع لا حرمة فيه؛ لأنه تعبير عن الفرح به».


وفى مسجد «السنة المحمدية»، الموجود فى مركز الباجور بالمنوفية، وجدنا كتابًا للشيخ محمد بن عبدالوهاب، مؤسس الفكر الوهابى، الذى يرى أغلب كبار علماء الأزهر والمشايخ أن فيه تشددًا وتطرفًا كبيرًا.

هكذا يخرج الإرهابيون

الأزهر: نحارب الأفكار المتطرفة والمرتزقة باسم الدين

قال الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، إن الدين الإسلامى برىء تمامًا من كل قول أو فعل يحرض على العنف أو التطرف أو الإرهاب، وإن الأزهر الشريف يحارب كل الأفكار المتشددة، سواء كانت مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة، استنادًا إلى وسطية الإسلام التى دعا إليها النبى، صلى الله عليه وسلم.


وأضاف «شومان»، فى تصريحات خاصة لـ«الدستور»، أن الفكر المتشدد والتكفيرى لابد وأن يواجه بالفكر الوسطى المستنير الذى يتبناه الأزهر الشريف، لأن مقصد الشريعة الإسلامية هو تحقيق الأمن والطمأنينة فى حياة الأفراد والمجتمعات، وحفظ نفوسهم.


وشدد وكيل الأزهر الشريف على أن الجماعات التكفيرية، باختلاف أيديولوجياتها وأفكارها، تنقسم إلى ثلاث جماعات، الأولى «الجماعات السياسية» وهى جماعات لها توجهات سياسية تتخذ من الدين وسيلة للسيطرة على مقاليد الحكم، لنشر مبادئ وأفكار ترى أنه ينبغى على الجميع أن يعتنقوها، فيروجون لأفكارهم من خلال الكتب المغلوطة التى يدسونها داخل مكتبات المساجد والمدارس والجامعات، ويوزعونها سرًا على أعضاء الجماعة والمريدين، وهذا الفصيل يضم جميع جماعات الإسلام السياسى فى مصر والوطن العربى.


أما القسم الثانى، يواصل «شومان»، فهو «جماعات التكفير» التى تتلقى علومها الشرعية على أيدى قادة التيارات الأصولية المتشددة التى تتمسك بظاهر النصوص، دون فهم أو تدبر لبواطنها، ودون ربط بينها وبين ما يقابلها من نصوص مخصصة لعمومها أو ناسخة لأحكامها.


أما القسم الثالث فهم «المرتزقة» الذين يحاربون باسم الدين من أجل تحقيق الأموال والأرباح، وتحقيق أهداف المنظمات والدول المعادية للإسلام والمسلمين، والذين يسعون دائمًا إلى السيطرة على ثروات المنطقة العربية تحديدًا، مستخدمين فى ذلك بعض «المرتزقة» من العاطلين أو المهمشين أو الضالين فى مجتمعاتهم، وذلك لتحقيق أهدافهم الخبيثة ضد الدول الإسلامية باسم الدين، وفى مقدمة هذه الجماعات، «تنظيم داعش» الإرهابى الذى صنعه الغرب وزرعه فى المنطقة العربية.


 وأشار وكيل الأزهر الشريف إلى أن قادة هذه الجماعات لا تحمل أى خير للبشرية، وأن جميع كتبهم وأفكارهم التى يروجونها سرًا فى المجتمعات الفقيرة، هى كتب وأفكار رجعية وظلامية، تعتمد على روايات مدسوسة، وأخرى ضعيفة وردت فى تراثنا، من باب إضفاء الشرعية على أفعالهم الإجرامية كذبح وحرق ضحاياهم، وهو زعم باطل وتأويل ساقط، يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

هكذا يخرج الإرهابيون

الأوقاف: مسح شامل لجميع مكتبات المساجد لتنقيتها

واجهت «الدستور» وزارة الأوقاف بكل تلك الكتب المحرضة على العنف والإرهاب فى مكتبات المساجد التابعة لها، وجاء الرد عبر الشيخ محمد عيد كيلانى، المدير العام للمساجد الحكومية بوزارة الأوقاف، الذى قال إن جماعات الشر، وجماعات التكفير والظلام لم يعد لها وجود داخل هذه المساجد.


وأكد «كيلانى» أن وزارة الأوقاف نجحت تمامًا فى إنهاء أى وجود لعناصر الإخوان، أو الجماعات المتطرفة، فى مساجد وزارة الأوقاف على مستوى الجمهورية، كما منعت دروسهم وخطبهم التى كانوا يؤدونها داخل هذه المساجد، وخاصة بعد وصول جماعة الإخوان للحكم.

وأشار الشيخ محمد عيد كيلانى إلى أنه عقب سقوط دولة الإخوان فى 30 يونيو أصدر الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، تعليماته بضم جميع المساجد الأهلية لوزارة الأوقاف، ومنع إلقاء الخطب الدينية إلا من خلال الخطباء والأئمة الأزهريين المعتمدين، وعمل مسح شامل لجميع مكتبات المساجد على مستوى الجمهورية لتطهيرها من الكتب التى نجحت الجماعات المتشددة، خلال فترة حكم مرسى، فى دسها داخل مكتبات المساجد، وتمت مصادرة جميع هذه الكتب للحفاظ على وسطية المنهج الإسلامى الذى تتبناه وزارة الأوقاف والأزهر الشريف.


 وأضاف «كيلانى» لـ«الدستور» أن مؤامرات هذه الجماعات مكشوفة، وأن هناك بعض العناصر من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين يدسون من وقت لآخر كتب الجماعة داخل المساجد، ولكن وزارة الأوقاف تقف لمثل هذه المحاولات بالمرصاد، وتصادر أى كتب فور العثور عليها، فضلًا عن إحالة المسئولين للتحقيق. واختتم «كيلانى» بقوله: إن مساجد الأوقاف مؤمنة تمامًا وتحت السيطرة الكاملة لأئمة ومفتشى وزارة الأوقاف، وأن الوزارة لن تسمح بعودة خفافيش الظلام من أصحاب الفكر الرجعى والتكفيرى الذى يقود الأمة إلى الهاوية.

ads