رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الطلاق.. اختلاف على ما يستوجب الاتفاق


تبدو مصر، بفعل ما مرت به من سنوات عجاف، وقد عادت إلى عصر المجتمعات الأولى، التى لم تعرف نظاماً، ولم تخضع لعرف أو تقاليد، فما بالنا بالقانون، والقيم الدينية التى جاءت بعد ذلك. نعم، ما تعيشه مصر الآن، نتيجة حتمية لميراث طويل وثقيل من غياب الوعى وافتقاد الثقافة، وضحالة الفكر، وجهالة من تسربلوا بثياب الدين، على غير علم ولا معرفة، حتى بات السلوك الاجتماعى، الفردى والجمعى، أشبه ما يكون بتصرفات الإنسان البدائى، الذى خرج للحياة، فلم يجد حوله زرعاً ولا ماء، اللهم إلا صحراء جرداء، خلت من كل قيمة إنسانية وتجردت من كل فضيلة أخلاقية.. حتى ذلك الإنسان، لا يمكننا ظُلمه حتى النهاية، بتشبيه حالنا اليوم بحاله، لأنه فى كل حين، وعند مواجهته أى أعباء أو تحديات، كان يستعين بعقله وحيله، للاستمرار فى الحياة، ومنه نفسه بدأت المجتمعات الإنسانية فى النشوء والارتقاء، لتضع، بعد ذلك، ضوابط انتظامها.



أقول ذلك، بمناسبة تنبيه الرئيس السيسى، بين حين وآخر، لضرورة اتخاذ تدابير بذاتها، غابت عن أذهان مسئولين كُثر، مع أن فيها صلاح حال المجتمع وسلامة الأمة، وكأن هؤلاء المسئولين لم يعودوا مهتمين، أو لم يتعودوا قراءة الواقع، أو الاطلاع على ما تقدمه هيئات ومؤسسات مختلفة، من إحصائيات واتجاهات سلوكية، باتت تهدد سلامة المجتمع واستقراره، وراحت تفت فى عضد الأسرة المصرية، وتهدد بقاءها واستمرارها.. وما كان على الرئيس السيسى القصد إلى تلك التنبيهات، لو أنه رأى كل مسئول وقد قام بما عليه، خاصة أولئك الذين تتصل مهامهم بالمجتمع، فكرًا وثقافة وعقيدة.. لكن يبدو الرئيس ـ فى هذه الحالة - وكأنه «مُجبرٌ أخاك لا بطل»!.

فى الاحتفال بليلة القدر، رمضان الماضى، وجد الرئيس نفسه مضطرًا للقول لوزير الأوقاف، د. مختار جمعة، إنه عندما طلب ـ أى الرئيس ـ ضرورة تغيير الخطاب الدينى، لتصحيح الكثير من المغالطات بشأن الدين الحنيف، لم يجد تحركاً ـ من الوزير الذى تعددت خلافاته مع مؤسسات أخرى ــ أكثر من حصر الموضوع فى الخطبة الموحدة، دون أن يدرك الوزير ، أن تغيير الخطاب الدينى، مفهوم أوسع وأرحب مما ذهب إليه.. ولو كانت الخطبة الموحدة، واحدًا من الإجراءات التى تتراص إلى جوار إجراءات أخرى، لغدت هذه الخطبة مقبولة من الجميع، لكن يبدو أننا نعمد إلى «سد الخانات»، حتى نكون قد «سمعنا وأطعنا»، دون أن نفكر فيمن نتوجه إليهم بتغيير الخطاب الدينى، وأين نجدهم، وما هى الوسائل المناسبة للوصول إليهم، بتواصل فاعل، وأخيراً نفكر ـ وبناءً على خصائص كل نقطة مما سبق ـ ماذا نقول لهم.. وفى رأيى أنه كان على وزارة الأوقاف التعاون، فى هذا الصدد، مع مختصين بالإحصاءات الديموجرافية، وخبراء فى علوم التربية والاجتماع، وآخرين من المعنيين بفنون الاتصال، ثم يأتى دور علمائنا الأجلاء، فى صياغة الأفكار المناسبة لكل وسيلة، ولكل بيئة، ولكل إنسان، حسب ثقافته ومستوى معرفته، ومن ثم صياغة القالب المناسب واللغة الكفيلة بتحقيق الفهم، وتؤدى إلى تغيير السلوك.

أما ما كان من الرئيس فى الاحتفال بالعيد الـ65 للشرطة، بضرورة دراسة - وأكرر «دراسة» - إجراء يحد من تفاقم حالات الطلاق، بشكل بات يهدد سلامة الأسرة واستقرار المجتمع.. ودعونى بداية أشير إلى تفاؤل الإحصائيات التى تقول بأن قرابة نصف حالات الطلاق خلال العام الماضى، وقع فى غضون السنوات الخمس الأولى من عمر هذا الزواج، لأن الذى أعرفه، يقول بأن هناك حالات طلاق كثيرة وقعت على زواج لم يكتمل عمره العام الأول.. وعلى عكس ما يذهب إليه البعض من أن تدهور الاقتصاد وعدم سلامة الأداء الحكومى، وراء كثير من حالات الطلاق هذه، وكأنها فرصة لتصفية الحسابات مع الحكومة، سادت بعض الشاشات الفضائية، التى حولت الأمر ـ فى نفس الوقت ـ إلى معركة للخلاف بين الفقه والشريعة، مع أن حفظ سلامة المجتمعات بإجراء يُنظم ما هو معروف من الدين بالضرورة، قد ذهب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لكن ما يهمنا هنا، أننا اختلفنا على ما يجب أن يجمعنا، حرصاً على استقرار المجتمع وسلامة أفراده النفسية والأسرية.. على عكس ذلك، أرى أن غياب المسئولية لدى بعض شبابنا، وافتقادهم الإيمان بأن الزواج مؤسسة تقوم على السكن والمودة والرحمة، والتوق إلى عمارة الأرض واستمرار الحياة، بتكاليف لابد أن يتحملها الزوج أولاً، مقابل أن تقوم الزوجة على الراحة والاحتواء وتقدير الظروف التى قد تكدر صفو هذه الحياة الزوجية.. وتلك ليست مسئولية دينية بحتة، لكنها مسئولية كل جهة ذات علاقة بالسلوك الإنسانى وبناء عقل الفرد وتهذيب وجدانه وترسيخ قيمه الإنسانية والدينية مثل وزارات الثقافة، الشباب والرياضة، الأوقاف، التضامن الاجتماعى، التنمية المحلية، المالية، وسائل الإعلام، المسجد، الكنيسة، الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى ذات الرسالة الاجتماعية السليمة، وغيرها من كل التجمعات التى تحتك بالشباب، من قريب أو بعيد.. والتى مازال دورها منقوصًا، إن لم أقل غائبًا بالكُلية!.

لم يكن نداء الرئيس إلا صيحة، لعلها تُحدث نوبة صحيان، عند أولئك الغافلين عن أدوارهم فى حماية الشباب، وتوجيه فكره إلى ما يبنى أسرته ويحمى مجتمعه، ويحول دون تشرذم الأسرة وتشرد الأبناء، النتيجة الحتمية لبعض حالات الطلاق.. أولئك الذين يصبحون، مع الأيام، قنابل موقوتة، تهدد المجتمع، عندما يصبحون أسارى للانحراف وعناصر للإرهاب.. فهل نعى الرسالة؟!.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.