رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

هل نعيد الثقة المفقودة.. مع القراء؟!


... «إحنا بنقدم نفسنا للعالم إزاى؟!، ومن غير ما حد يفهمنى غلط، الإعلام بيقدم للعالم الوضع فى مصر إزاى؟!.. خلونا نستفيد من لقاءات زى دى، نقول إحنا محتاجين إيه، والناس تعرف إيه عن دولة عايزة تتقدم وتطلع للأمام».. مضيفاً أن «المشروعات مش بتتحقق كده، وإحنا بنتكلم كده، مشاكل البلد مش بتتحل باتنين قاعدين بيتكلموا قدام ميكروفون أو فى جرنال، فى هم كبير البلد بتشيله وبتتحمله، ولازم نبقى عارفين إن الدولة حاجة تانية، مش على قد كلمتين بيتقالوا».. وهذا عين ما سبق وأن طالب به الرئيس «ما تسمعوش إلا منى أنا».. وقتها دُبجت المقالات ورُسمت الكاريكاتيرات عن منع حريات تداول المعلومات، واحتكار الرئيس وحده للكلام!.. لكن بعد أباطيل وأكاذيب وافتكاسات وادعاءات صحفيين وإعلاميين عن أسباب سقوط «الطائرة الشهيدة»، كما يسميها زميلى الأستاذ مؤنس زهيرى، طائرة مصـــر للطيران.. ليتنا نكون قد عرفنا معنى كلمة الرئيس التى قالها قبل أكثر من شهر.. وما قالها إلا عندما نظر حوله فلم يجد إعلاماً ينتصر لإرادة الدولة، يعكس أحلامها ويعبر عن طموحاتها، فحاول هو القيام بالدور الذى كان ينبغى أن يندفع إليه الخُلصاء من أبناء هذا الوطن، لكنهم لم يفعلوا، إلا قليلاً، آمنوا واتقوا، ورعوا حق الوطن.

والحقيقة التى لا مراء فيها، أننا ربما وجدنا أنفسنا نتوقف طويلاً أمام مأساة الطائرة المنكوبة، بالشرح والتحليل، ليس عن أسباب سقوطها، بل عن تداعيات ذلك السقوط، ومواقف الأطراف المختلفة منه، فى الداخل والخارج، لا نبرئ أنفسنا من وهدات تنزلق أرجلنا فيها، بحسن نية، ربما قليلاً، وكثيرٌ من الناس عن سوء قصد.. فعلى طريقة «يكاد المريب يقول خذونى»، جندت أمريكا كل أجهزتها الرسمية وآلتها الإعلامية، لتؤكد أن سقوط طائرة مصر للطيران كان نتيجة لخطأ فى الطائرة أو خطأ من الطيار أو خطأ من شركة مصر للطيران، وقد أعادت نسج الرواية القديمة المكذوبة، عبر شبكتها الكاذبة C.N.N، عن انتحار الكابتن جميل البطوطى فى تحطم بوينج B 767 - 300 فى المحيط، قبالة السواحل الأمريكية عند نيويورك، برحلة مصر للطيران رقم 990، فى 31 أكتوبر 1999 والتى قتل فيها 217 شخصاً، وكانت واشنطن تدافع وقتها عن سمعة طائرة خرجت من مصانعها، ونفياً لما تردد عن صاروخ، ضمن قبة حديدية أمريكية، أصاب الطائرة فى مقتل!.

اليوم يعيد التاريخ نفسه، لتطلق الشبكة التليفزيونية نفس الأباطيل عن انتحار الطيار وانبعاث الدخان.. وربما كان للنبضة الكهرومغناطيسية الأمريكية، فوق الأراضى الإسرائيلية، دخل فى هذه الكارثة، كما أنها فرصة مواتية للإجهاز على اقتصاد مصر، عبر المزيد من الضربات الموجعة للسياحة بها.. ومدخلاً للولوج نحو الوقيعة بين القاهرة وأكبر الداعمين العسكريين لها الآن، وهى باريس.. فانبرت الشبكة الأمريكية للطنطنة حول الكارثة، بالرغم من أن مصر تأتى فى المرتبة الثانية والأربعين فى قائمة كوارث الطيران، التى تتصدرها أمريكا ذاتها، ومعها بعض دول أوروبا، التى تطنطن هى الأخرى، دفاعاً عن طائرة الإيرباص التى تنتجها مصانع الاتحاد الأوروبى!.. رغم أن «من كان بيته من زجاج، لا يقذف الناس بالطوب»!

وهنا، لابد أن نتوقف أمام الخبر الذى نشرته الصحف يوم الجمعة الماضى، عن شخص كان يحمل مسدساً قرب البيت الأبيض الأمريكى، رفض إلقاءه، فردت الحراسة عليه وأصابته، بينما كان الرئيس أوباما يلعب الجولف بعيداً وقت إطلاق النار.. الخبر جاء غفلاً من أى تفاصيل عن الواقعة، ولم يذكر أى معلومات أولية عن الرجل، كما هو معتاد!.. الولايات المتحدة التى تتواجد بهامحطة تليفزيونية داخل كل ساندويتش هامبورجر، لم تزد حرفاً عن خبر إطلاق الرصاص، ولولا أن إطلاق الرصاص كان مسموعاً من المارة، ما كان الخبر قد نشر من الأساس!.. لو كان هذا الأمر عندنا فى مصر، لانطلقت الحنجوريات متسائلة: أين تداول المعلومات؟.. أين الشفافية؟.. أين حق الشعب فى المعرفة؟.. وغيرها مما يصب فى خانة التشهير بمصر عند أى حادث والسلام.

بلاش ده.. اقرأوا ما كتبته الصحفية الفرنسية «فنسيان جاكويت»، مراسلة صحيفة LE SOIR البلجيكية بالقاهرة، على حسابها على فيس بوك، تحت عنوان «اعتباراً من اليوم.. لم أعد مراسلة»، والتى فضحت مؤامرة الإعلام الدولى على مصر وتصيده للأخطاء.. قالت «بالأمس، وعقب اختفاء طائرة مصر للطيران بين باريس والقاهرة، طُلب منى ألا أُقدم مقالاً عن الوقائع، والتركيز بدلاً من ذلك على حزن عائلات الضحايا والكلام عن الأمان فى شركة الطيران المصرية»، فى إشارة منها إلى تكليفها بعدم تغطية الحادث بحيادية، وتوجيه الاتهام إلى مصر للطيران، وإبراز ثغرات الأمن فيها.. واستكملت جاكويت فى «بوست» لها بالعربية والفرنسية: «رفضت قائلة إننى لم أستطع لقاء الأهالى، الذين رفضوا الحديث مع الإعلام، وبما أن سبب الحادث غير معروف وليست لدينا حتى مؤشرات، لم أكن أستطيع توجيه الاتهام، ولا حتى التلميح بمسئولية مصر للطيران عن الحادث».. وتضيف: «واليوم يشكروننى، ويخبروننى أننى لم أعد على قوة العمل»!.. واختتمت كلامها بالقول: «فى هذا الوقت الذى يتهم فيه الناس الصحفيين بالكذب، بالمبالغة، بالتزييف، بالتغطية على المسئولين.. باختصار، لا يثقون فيهم، قررت أن أقول لا.. قررت ألا أستسلم لصحافة التلاعب بالمشاعر ولتجاهل صحافة المعلومة وأخلاقياتها من أجل مرتب أياً كان.. أنا لست نادمة على ذلك بل فخورة».. الصحفية الفرنسية اتهمت الجريدة بأن هذه لم تكن المرة الأولى التى يطلبون فيها مثل هذا التقرير، تقارير تتجاهل الواقع وتبحث عن الأخطاء فقط، تركز على الإثارة بدلاً من الحقائق، «ولكن كانت الأمور تتعلق بموضوعات أقل أهمية، فلم ألتفت لها.. لكن من الضرورى أن نستطيع نحن، كصحفيين، أن نقول: لا، وأن نتذكر أن كلماتنا ومعالجاتنا يمكن أن يكون لها آثار كارثية على الجماعات والأفراد».. وأضيف أنا: وعلى الأوطان، قبل الجميع.. فهل نكون نحن من يعيد ثقة القراء المفقودة بالتعامل مع صحافة المعلومات؟.. هذا ببساطة، ما نادى به الرئيس.