< سمير صبرى.. دموع هذا المساء
جريدة الدستور
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
وائل لطفى

سمير صبرى.. دموع هذا المساء

لم يكن ذات يوم شخصية عادية.. قدرات كبيرة ومتنوعة امتلكها سمير صبرى لم يتوقف تدفقها حتى وفاته، أكثر من ١٥٠ عملًا فنيًا شارك فيها كممثل صاحب طلة محببة للجمهور فى أفلام تعيش فى ذاكرتنا، حتى الآن، مثل «بالوالدين إحسانًا» «ومضى قطار العمر» و«البحث عن فضيحة» وغيرها، خفة روح قدم بها أدواره وخفة حركة أيضًا.

فهو أحد الممثلين الرجال القلائل الذين قدموا بإتقان تام الغناء والاستعراض، للدرجة التى لا يمكن معها تحديد هل هو مغنٍ يمثل أم ممثل يغنى، المهم أن الناس أحبته فى الحالتين، ليس رأيًا بل حقيقة، فهو الذى ظل، على مدار سنوات طويلة، النجم المشترك فى كل أفراح مصر التى كانت تملأها بهجة وهو يشدو بأغنيته الأشهر «حلوة الدنيا سكر». 

أحبه الناس فى كل ما قدمه لهم، بدوره لم يبخل هو عليهم بأعمال يقدم من خلالها كل ما أحبوه منه، مثل فوازير «إحنا فين» الاستعراضية الدرامية وبرنامج «كان زمان»، الذى جمع بين الدراما والحوار والاستعراض. 

فى التليفزيون كان الملايين ينتظرون حلقات برامجه الشهيرة سواء «النادى الدولى» أو «هذا المساء»، أطباء، مهندسون، شعراء، حرفيون، وطلاب، من كل مجال كانوا ضيوف حلقاته، لكن سر نجاحها ظل دائمًا هو قدرته على إدارة حوار شيق مع الجميع، ببساطة وحرفية وذكاء شديد. 

شاهد مثلًا إحدى أشهر حلقاته مع الجاسوسة المصرية انشراح، فى الإعلام قاعدة مهمة تقول إنه يجب ألا تتعامل بعنف مع الشخصيات التى تمت إدانتها حتى لا يتعاطف معها الجمهور، سمير صبرى فى تلك الحلقة كان على وعى تام بتلك القاعدة، بهدوء شديد واتزان واعٍ أدار حواره مع الجاسوسة، والذى يعد اختبارًا صعبًا لذكاء من يحاورها.

حيث إن المطلوب هو المكاشفة والتنقيب عن مشاعرها الحقيقية ليراها الناس، وفى الوقت نفسه دون إظهار التعاطف معها، معادلة نجح فى ضبطها تمامًا تثبت أنه لم يكن مجرد مذيع يجيد برامج المنوعات أو التسلية، بل محاور ذكى وجاد نجح فى ضبط أدائه، رغم امتلاكه الفرصة الكاملة للصراخ والمزايدة، التى كان يمكن إنهاؤها بطرد ضيفته من الاستديو على طريقة بعض مذيعى هذه الأيام. 

فقط سمير صبرى من يستطيع أن يحاور صدام حسين وموسى الصدر بنفس البراعة التى يدير بها حوارًا مع مطرب يشاركه فيه الغناء والرقص، ثم يقدم عن مقتل سعاد حسنى حلقات، هى نموذج للتحقيق الصحفى الجاد، الذى أثبت من خلاله وعيًا وقدرة على تقصى الحقائق، وتقديمها بشكل متقن وحيادى، ليست مبالغة أن نعتبر تلك الحلقات وثيقة للتاريخ.

ليس فقط بالنسبة للحادث الهام الذى عرض شهادات جميع أبطاله وأطرافه، بل لأنها تؤكد أن مُقدمها كان صاحب قدرات كبيرة فى تناول ملفات ساخنة، بمهنية خالصة، بعيدة عن الإثارة أو الفرقعة الإعلامية. 

إنسانيًا كان سمير صبرى متدفقًا بعطاء لا ينتهى، لم يعرف عن مرض أو احتياج فنان أو إنسان إلا وكان له سندًا وظهيرًا، بخلاف تكفله بعدد كبير من الفنانين الذين جار عليهم الزمن وأصبحوا بلا عائل أو مصدر دخل، بدون طلب منهم أو إعلان منه، حيث صرح بذلك الكثير ممن كان متكفلًا بهم صراحة فى وسائل الإعلام، إضافة إلى أدوار كاملة فى عدة مستشفيات، أنشأها من ماله الخاص فى سرية تامة، بل إن أحد الإعلاميين أكد رفض النجم الكبير تصويره وهو يتبرع لصالح لبنان فى حفل خيرى أقيم فى السفارة اللبنانية بالقاهرة، رغم ضخامة المبلغ المتبرع به. 

«سعيد باللى أنا عملته.. أعتقد ربنا كرمنى وخلانى كل حاجة حبيتها عملتها.. بحب الغنا من صغرى.. غنيت.. أنا مش كروان الشرق.. لكن بعتبر نفسى مؤدى مش مزعج للودن.. مثلت كل الأدوار اللى أى ممثل يتمنى يعملها.. أكشن.. كوميدى.. رومانسى.. ميلودراما.. حبيت الإذاعة فقدمت برامج حبها الناس.. قدمت كمان فى التليفزيون..»، بهذا التواضع والصدق يحكى عن مشوار يزخر بأكثر من ١٥٠ عملًا فنيًا، ومئات الحلقات التليفزيونية المضيئة بكبار رموز العالم، وعشرات الأغانى الناجحة، المهم أنه أحب كل ما عمل كما قال فى آخر حواراته التليفزيونية قبل أن يختمه بقوله «حياتى كانت رحلة حلوة أوى..».