< أفلام حرب أكتوبر.. الوطنية أعلى من الفن والمشاعر أعلى من الإمكانات
جريدة الدستور
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
وائل لطفى

أفلام حرب أكتوبر.. الوطنية أعلى من الفن والمشاعر أعلى من الإمكانات

أفلام حرب أكتوبر
أفلام حرب أكتوبر

العمر لحظة.. أبناء الصمت والرصاصة لا تزال فى جيبى عرّفت مواليد السبعينيات وما بعدها على حرب أكتوبر

محمد راضى قدم ثلاثة أفلام عن المعركة آخرها حائط البطولات 

تكتسب أفلام حرب أكتوبر، والتى أُنتجت بعد المعركة بسنوات قليلة، قيمة عاطفية وتاريخية كبيرة، إذ من خلالها تعرفت الأجيال، التى ولدت بعد الحرب، على ما دار فيها، وعرفت معانى الوطنية من خلالها.. هذه الأفلام صُورت فى ظروف صعبة، فلم تكن السينما قد عرفت الخِدع السينمائية، أو فنون الجرافيك وغيرهما من الفنون التى تجعل تصوير المعارك سهلًا ومبهرًا.. بل إن صناع الأفلام كانوا يصورون معارك حقيقية، بمعنى إعادة تمثيل المعارك مرة أخرى.. وهكذا لم تكن الأفلام كبيرة، كما كانت الحرب كبيرة.. لكنها مع الوقت اكتسبت قيمة عاطفية وتاريخية عند مواليد السبعينات وحتى التسعينات.

عبدالقدوس والسباعى وطوبيا كتبوا قصص أهم الأفلام.. و«الممر» ملحمة الرجال فى حرب الاستنزاف

كان أبرز المخرجين الذين ناقشوا فى أعمالهم السينمائية حكايات نصر أكتوبر، المخرج الراحل محمد راضى، الذى بدأ مسيرته الفنية فى ستينيات القرن الماضى، وقدم أعمالًا مهمة ومتنوعة، شكلت ملامح مشوار شديد الخصوصية والثراء فى نفس الوقت.

ورغم توقفه عن الإخراج منذ أن أنجز فيلمه الأخير «حائط البطولات» عام ١٩٩٨، لا يزال اسم «راضى» حاضرًا فى الدراسات النقدية التى تناقش فنون جيل السينما الجديدة، التى ظهرت عقب هزيمة ١٩٦٧، وتحكى تلك الدراسات كيف حمل هذا الجيل حلم الحرية فى قلبه حتى تحقق انتصار ١٩٧٣. لا يمكن قراءة أو تحليل أفلام محمد راضى دون ربطها بهزيمة ١٩٦٧، سواء الأفلام التى تناولت الهزيمة العسكرية والسياسية بشكل مباشر، أو الأفلام التى تعرضت لآثارها على المدى القريب والبعيد.. يكفى أن نضرب مثالًا بأفلام «أبناء الصمت» من إنتاج عام ١٩٧٤ و«وراء الشمس» من إنتاج عام ١٩٧٨ و«العمر لحظة» فى نفس العام، وهى الأفلام التى تناقش الهزيمة سياسيًا وعسكريًا بشكل واضح وبصورة مباشرة. أما عن الأفلام التى ناقشت فكرة النكسة بشكل غير مباشر، فمنها «الأبرياء» ١٩٧٤ و«أمهات فى المنفى» ١٩٨١. قدم «راضى» ثلاثة أفلام تنتمى إلى نوعية الفيلم الحربى، سلط خلالها الضوء على حكايات هزيمة ١٩٦٧ وحرب الاستنزاف ونصر أكتوبر، هى «العمر لحظة» ١٩٧٨، و«أبناء الصمت» ١٩٧٤، و«حائط البطولات» الذى يعتبر آخر أفلامه ١٩٩٨. «أبناء الصمت» من تأليف مجيد طوبيا و«العمر لحظة» من تأليف يوسف السباعى، بينما «حائط البطولات» كتب قصته اللواء مصطفى بدر، الذى استثمر خبراته فى كتابة سيناريو الفيلم استنادًا إلى خبرته السابقة كضابط دفاع جوى فى الجيش المصرى.

فيلم «العمر لحظة»، من بطولة ماجدة وأحمد مظهر، وتأليف عطية محمد، ويحكى عن نعمت، الصحفية التى تحدث خلافات فى وجهات النظر بينها وبين زوجها، رئيس تحرير الجريدة التى تعمل بها.

وكانت مشاهد الحرب فى هذا الفيلم واقعية، كإعادة تصوير معارك جزيرة شدوان وحرب الاستنزاف وكذلك مشاهد قصف مدرسة بحر البقر، وكانت هناك مشاهد تناقش قضايا السياسة، تدور بين «نعمت» وزوجها، كما ضم العمل مشاهد رومانسية بين الجندى أحمد زكى، وحبيبته الفنانة ناهد الشريف، بحسب الأحداث.

وانتهى راضى من فيلمه الأخير «حائط البطولات» عام ١٩٩٨، وهو ثالث أفلامه عن حرب أكتوبر ١٩٧٣، وعرض من خلال شاشة عرض مهرجان القاهرة السينمائى فى دورته الخامسة والثلاثين عام ٢٠١٤، ثم عرض على شاشة التليفزيون المصرى فى ذكرى ٦ أكتوبر فى عام ٢٠١٦.

وإلى جانب أفلام «راضى»، صدرت ٣ أفلام عن انتصار أكتوبر عام ١٩٧٣، هى «الرصاصة لا تزال فى جيبى»، من إخراج حسام الدين مصطفى، عن قصة إحسان عبدالقدوس، وكتب له السيناريو والحوار رأفت الميهى، وفيلم «بدور» من تأليف وإخراج نادر جلال، و«الوفاء العظيم» من تأليف فيصل ندا وإخراج حلمى رفلة. وفى العام التالى ١٩٧٥، صدر فيلم «حتى آخر العمر»، من تأليف نينا الرحبانى ويوسف السباعى وإخراج أشرف فهمى. 

وتناولت هذه الأفلام الحرب كسيرة هامشية، أو فصلًا من حياة أبطال قصصها، دون تناول الحدث نفسه بشكل أساسى، كما نرى فى الأفلام الحربية العالمية. وبعد عشرين عامًا من الحرب، فى عام ١٩٩٣، شاهد الجمهور فيلم «الطريق إلى إيلات»، من تأليف محفوظ عبدالرحمن وإخراج إنعام محمد على، وفى عام ٢٠٠٤ أنتج فيلم «يوم الكرامة». وظهر فيلم آخر تناول الحرب من منظور إنسانى، والذى خرج من كتابات الأديب الراحل جمال الغيطانى، وهو «حكايات الغريب» الذى عُرض فى عام ١٩٩٢، وكان سيناريو وحوار محمد حلمى هلال وإخراج إنعام محمد على. أما أحدث الأفلام التى ناقشت حرب أكتوبر، فهو فيلم «الممر» من إنتاج العام الماضى ٢٠٢٠، والذى يروى قصة ملحمة حقيقية خاضها مجموعة من رجال الجيش المصرى إبان فترة حرب الاستنزاف

بكائيات إسرائيلية عن الهزيمة تسخر من «وَهْم السيطرة».. وانهيار أسطورة الجيش الذى لا يقهر

فى المقابل، جرى إنتاج أفلام كثيرة فى إسرائيل عن حرب أكتوبر ١٩٧٣، بشكل غير مباشر، ناقشت صدمة الهزيمة وسخرت من القيادة الإسرائيلية، وأعلنت عن انهيار أسطورة الجيش الذى لا يُقهر أمام أول معركة متكافئة مع العرب.

الأفلام الإسرائيلية توضح كيف تشوهت صورة الكيان الصهيونى أمام أفراده، بعد أن كانت صحيفة «معاريف» تصف الكيان بأنه مثل الصبار الذى نشأ وسط صحراء قاحلة وكافح للبقاء، ومن هذه التسمية جاء مصطلح «الصابرا» الذى يُطلق على الجيل الإسرائيلى المولود فى الأراضى المحتلة، وهم كل من ولدوا بعد النكبة ١٩٤٨.

مثلًا.. يحكى فيلم «الشتاء الماضى»، وهو من إخراج ريكى شيلاتش، وإنتاج أمريكى إسرائيلى، قصة إنسانية تدور أحداثها عن سيدتين، كل منهما ذهبت للبحث عن زوجها بعد حرب أكتوبر، وأصبحتا صديقتين.

وهناك فيلم «عيون كبيرة» الذى أخرجه وقام ببطولته أورى زوهير عام ١٩٧٤، ورغم أن الفيلم لم يذكر شيئًا عن المعارك التى دارت فى هضبة الجولان وصحراء سيناء، لكنه استطاع تجسيد الصدمة الاجتماعية فى إسرائيل.

كذلك يتناول فيلم «تنسيق النوايا» عن كتاب ألفه الحاخام الإسرائيلى حاييم ساباتو عام ١٩٩٩، حياة جندى إسرائيلى متدين، وتجربته للتعايش مع غياب صديق طفولته الذى كان يقود دبابة واختفى خلال الحرب؛ ورغم التركيز على حياة الجندى، لم يناقش الفيلم المعارك التى دارت.

أما أشهر فيلم إسرائيلى عن حرب أكتوبر، فهو فيلم «كيبور»، الذى يدور حول الهجوم المصرى والسورى المفاجئ، ويحكى كيف تحولت مشاعر الإسرائيليين من «مفعمة بالهدوء والسكينة» فى البداية، إلى الحزن والهزيمة فى نهاية اليوم.

وحكى الفيلم كيف استقبل الفرد الإسرائيلى خبر انتصار مصر، وكيف أثر الأمر على حياته اليومية. 

تدور أحداث الفيلم بالكامل داخل مدينة تل أبيب، وتتناول صراعًا عاطفيًا بين مدرب كرة سلة جسّد دوره «زوهير» ولاعب كرة سلة جسد دوره إريك آينشتاين، مُتضمنًا أجواء الهزيمة داخل عاصمة دولة الاحتلال، وتناول أخبار الأسرى، والحديث عن تغيب الطلاب عن المدارس، وصافرات الإنذار، والهرولة نحو المخابئ.

 أمّا فيلم «النسر» فيروى قصة شاب إسرائيلى عائد من حرب أكتوبر إلى تل أبيب، مصطحبًا معه صديقيه، فارق أحدهما الحياة والثانى مصاب بجراح خطيرة، ليشاهد فى الشوارع الآباء والأمهات الثكالى، والبكاء الذى خيم على كل شىء بعد الهزيمة. يذهب الشاب لأسرة صديقه الميت ويقدم لهم قصيدة كان قد كتبها قبل وفاته، لتجد الأسرة العزاء الذى يصبرها على فراقه، ويحاول هو تعويض الأسر التى فقدت أبناءها، وعندما يجرى استدعاؤه للخدمة العسكرية مرة أخرى، يطلب من رفاقه أن يحمل كل منهم فى جيبه قصيدته الخاصة. 

ويعرض فيلم «يوم الحساب»، من بطولة الممثل الإسرائيلى جورج عوفاديا، حياة مدير فندق أدرك خيانة زوجته له، وقرر الهجرة إلى الولايات المتحدة، لتندلع حرب أكتوبر بعدها بفترة قصيرة، فيقرر العودة مرة أخرى للمشاركة فى الحرب، وينضم إلى إحدى كتائب الاحتياط فى سيناء، ليُصاب بعدها إصابة بالغة ويدخل المستشفى ويحتاج إلى نقل دم من فصيلة نادرة.