< عبقرية البدن
جريدة الدستور
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
وائل لطفى

عبقرية البدن

المدقق فى المعتقد الغذائى والصحى للمصريين يكتشف أنه محمل بالأخطاء العلمية، بل وتنمر السمعة الغذائية فوق الحقيقة العلمية.

يظن البعض أن تناول شرائح «الكبدة» يفيد الكبد، وأن تناول «الكلاوى» يفيد الكليتين ويصلح أحوالهما، وأن تناول اللحم يقوى العضلات وأن تناول شرائح القلب البقرى يعود بالنفع على عضلة القلب، وما إلى ذلك من الربط الظاهرى أو الشكلى بين الوجبات ومنافعها.

هناك قواعد ثابتة يدير بها الجسم وظائفه بطريقة بعيدة تمامًا عن المخيلة الفكاهية:

١-عند تناول أى من البروتين بدءًا من الفول والعدس، مرورًا بالبيض والألبان ووصولًا للأسماك واللحوم والطيور وانتهاءً بالكافيار يتسلمها «مقاول الهدم» داخل جسمك ويحطم كل ما هو غال ونفيس ويخلطه مع الرخيص، وتنتهى عملية الهضم بوحدات دقيقة هى الأحماض الأمينية، وهى متماثلة أيًا كان مصدرها، فيتساوى هدم بروتين بيض الدجاج مع بروتين الكافيار، أضف على ذلك ضياع هوية البروتين الأصلى، فلم تعد وجبة الكبدة أو «الكلاوى» تحتفظ بخصائصها الأصلية.

وللعلم هناك نوعان من خلاصة الأحماض الأمينية وهى نهاية هضم البروتين، أولهما الأحماض الأساسية التى لا يصنعها الجسم، بل يجب تناولها جاهزة من البروتين الحيوانى غالًبا، وثانيهما الأحماض غير الأساسية التى يدبرها الجسم بمعرفته من أحماض أخرى.

٢- يتم توجيه الأحماض الأمينية وفق فسيولوجيا الجسم لخطوط إنتاج محددة يحكمها تشفير جينى، وتقررها الحالة الصحية ووجود حمل من عدمه ووجود هزال أو بدانة أو تحفيز رياضى، وغيرها من الأولويات التى يديرها الجسم بعبقرية.

٣- لا قيمة ولا منفعة يجنيها الشخص السليم من تجرع الفيتامينات أو المعادن، ولن يكتسب صحة أفضل ولن يحصد حيوية ولا طاقة، بل قد يحصد أضرارًا جسيمة جراء تكدس المخزون غير المستخدم من المعادن أو الفيتامينات.

٤- قد تتشبع بعض الأنسجة البروتينية بمركبات خاصة بها، فالخصية عند الطهى، بالإضافة للبروتين، تحتوى على هرمونات ذكورية بكثافة، وهى لا تتكسر بالطهى المعتاد فتنافس التوازن الهرمونى، وقد تحبط إنتاج الهرمونات المماثلة بمعرفة الجسم، وكذلك، الطحال الذى يحتوى على مخزون هائل من الحديد.

٥- ليس صحيحًا ما يشاع عن «الفسفرة» السحرية بالأكلات البحرية وما تؤتيه وفق الأساطير الشعبية، لأن التهيئة للإثارة تحكمها عوامل ذهنية وعاطفية وأقلها الحالة الغذائية.

٦- لا تتفوق المكملات الغذائية التى يستخدمها المتدرب بصالات التدريب الرياضى وبناء الأجسام «الجيم» كثيرًا عن بروتين المائدة فى البيت، اللهم فرق التركيز.

٧- لا يمنحك البروتين قوة عضلية، ولكنه فقط يشارك فى بناء النسيج العضلى، أما القوة العضلية فهى حصيلة تدريب العضلة على الانقباض والانبساط المتكرر.

هل هناك مساحة للفلسفة فى الطب؟

فى المنظومة المناعية للجسم، هناك أمر غاية فى العجب، فجميع أجهزة الجسم، بل كل خلاياه وكل كتلة بروتينية داخل جسمك يدركها جهازك المناعى وتصبح مقروءة له، ويعترف بأنها تخصك وأنها تتبع بدنك ويظل يحرسها ولا يسمح لخلية غريبة أو عضو غريب بالبقاء فى بدنك، وإلا ستكون الحرب معه ضارية وتنتهى بالطرد، ولكن يستثنى الجسم من منظومة الحراسة عضوين يظلان غريبين على الجسم ولا يتعرف على أى منهما جهازك المناعى، ولا ينسب أيهما إلى جسمك، وهما السائل الزجاجى بالعين والخصية.

السائل الزجاجى بالعين غير معرّف مناعيًا، ولذلك إذا أصيبت العين وتسلل بعض من السوائل الزجاجى أو أى من مكوناتها للجسم، ينزعج جهاز المناعة ويصب غضبه عليها بجيش من الأجسام المضادة التى يطلقها فى الجسم، وبعد فترة تصل هذه الأجسام المناعية المصنعة خصيصًا للعين المصابة وتدمرها، وبالوقت ذاته تتخذ هذه الأجسام المناعية طريقًا إلى العين الأخرى السليمة وتدمرها بلا ذنب سوى أنها من نفس الكود المناعى للعين المصابة، وتعرف هذه الحالة بمتلازمة التلف التفاعلى للعين.

يسرى نفس المبدأ على نسيج الخصية الذى بقى غريبًا على الجهاز المناعى لنفس الشخص، ولكن ما إن تحدث إصابة للخصية ويتسرب جزء من المكون البروتينى إلى الدورة الدموية، يباغتها الجهاز المناعى بأجسام مضادة وتتكرر نفس الاعتداءات المناعية الغاشمة.

المتأمل فى هذه الاستثناءات والتفرد المناعى حتمًا سوف يدرك بعض الحكمة فى هذا الاستثناء المناعى فى الجسم، وهى حكمة مفادها أن الخصية، وهى مصنع الذرية، ليست ملك صاحبها ولا العين أيضًا، فهما يجب أن يبقيا غريبين، ولن يشترك أى منهما فى مهرجان نقل الأعضاء لأن الخصية هى مخزن الذرية لحاملها ولا تصلح لغيره، وكذلك العين لأنها ترى ما يخصك وحدك ولا تصلح لأحد سواك ليرى بها العالم.

بقى أن تعرف أن الشيخوخة ليست مرضًا، وإنما هى مرحلة تتناغم فيها القدرة الصحية للجسم مع التكليف الواقع عليه فى الحياة، وهى فلسفة تقوم على تهميش الوظائف، فبعدما كان الحمل والولادة والإرضاع من أوجه التكليف فى سنوات منتصف العمر، تصدر الأوامر البدنية بوقف «المخصص» الهرمونى لهذه الوظائف فتأتى مرحلة انقطاع الطمث وتوقف الإنجاب المرهق الذى يتطلب مشقة لا يقدر عليها القلب الستينى، وقس على ذلك انسحاب العضلات من ادخار قوة لم تعد تحتاجها فى الركض وكذلك تنازل القولون عن قبول بعض الأغذية صعبة الهضم مثل البقوليات لأنها قاسية بلا طائل يستحق.

تظل عبقرية الجسم مذهلة كونها تشكل حماية ذاتية لصاحبها، حتى وإن لم يفهم المغزى الكامن وراء الوهن وانحسار بعض الوظائف.