< واقعة الطبيب والممرض تكشف سلوكيات مرفوضة فى مجتمعنا
جريدة الدستور
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
وائل لطفى

واقعة الطبيب والممرض تكشف سلوكيات مرفوضة فى مجتمعنا

أثارت مشكلة الطبيب والممرض بسبب كلب جدلًا كبيرًا لدى الرأى العام المصرى، تصاعد واحتدم وتحوّل إلى مشكلة لدى العديد من الأطراف إلى حد أنها تحوّلت إلى قضية رأى عام ومطالبات من الجهات المعنية والحكومية بفتح تحقيق مع الطبيب والممرض، وستُظهر الأيام المقبلة نتائج التحقيقات فى هذه الواقعة الغريبة التى تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعى، وانتشرت إلى حد إثارة غضب الرأى العام.
إلا أن هذه المشكلة التى انتشرت بسرعة بين فئات عديدة من المجتمع بعد نشر الفيديو المتعلق بها، قد أثارت فى ذهنى عدة ملاحظات مهمة ألخصها للقارئ، لأنها فى رأيى تكشف عن عدة مشكلات موجودة حاليًا فى مجتمعنا.
أولًا: لدينا افتقاد للقيم فى سلوكيات الأفراد بشكل عام، وسلوكيات سلبية وممارسات ضارة وبغيضة نراها كثيرًا فى السنوات الأخيرة، وليست مقتصرة على فئة معينة، بل رأيناها مؤخرًا تُرتكب من أفراد مفترض أن لهم مكانتهم العلمية المرموقة، فما بالك إذا كانت ممارسة إجرامية قام بها طبيب من المفترض أنه يمارس مهنة نبيلة ويستأمنه المرضى على علاجهم؟ فهو قد قام، كما رأينا فى الفيديو، بفعل بغيض ومرفوض يعكس خللًا نفسيًا ومعنويًا ما يؤكد أن المكانة العلمية ليست دليلًا على رقى القيم أو على الأخلاقيات العليا التى تتناسب مع الدرجة العلمية للفرد.
ثانيًا: هذه الواقعة قد حدثت فى مستشفى خاص يمارس فيه هذا الطبيب عمله يوميًا، مما يستدعى نوعًا من المتابعة من الجهات المعنية لما يجرى فى المستشفيات الخاصة، ومما يعد إخلالًا بكل معايير شرف المهنة والبُعد الإنسانى المرتبط بها، فإذا كان هذا الطبيب قد مارس معاقبة الممرض بشكل بغيض خالٍ من الرحمة أو الإنسانية وبمساعده رجل أمن من داخل المستشفى بسبب موضوع خاص خارج عن نطاق أو نظام العمل- فهو إساءة لموقعه كطبيب وسلوك ليس من حقه بداخل مكان العمل، ولهذا فإن السؤال الذى يطرح نفسه تلقائيًا هنا هو: ألا يوجد نظام ولوائح للعمل بداخل المستشفيات الخاصة بحيث لا تترك الأمور هكذا مستباحة ترتكب فيها ممارسات ضارة وعنيفة ولا أخلاقية وتنتهك فيها حقوق إنسان بسيط لا حول له ولا قوة، وإنما يتكشف كل ذلك من خلال نشر فيديو بمواقع التواصل الاجتماعى.
وقبلها لم يتنبه أحد من إدارته لما يجرى داخل غرف الكشف، مما يعتبر فى رأيى فوضى وفسادًا يستدعيان فتح ملف المستشفيات الخاصة ومتابعة ما يجرى بداخلها من جانب وزارة الصحة.
ثالثًا: هناك تحرك سريع من جهات عديدة يعكس رفضًا تامًا وعامًا لهذه الواقعة الغريبة والاستثنائية التى لم تحدث من قبل فى مجتمعنا، فقد أمر النائب العام بحبس الطبيب وموظف المستشفى اللذين ظهرا فى واقعة معاقبة الطبيب للممرض، والتى وقعت فى مستشفى خاص، فقد رأينا الطبيب يعنف الممرض المسن الذى سخر من كلبه ومعه فرد آخر، ثم رأيناه يأمره بنط الحبل، ولم يكتف بهذا بل تعداه إلى مطالبة الممرض بأن يصلى للكلب ما جعل الممرض يرفض ذلك باعتباره ضد الدين، كما رأينا ردود أفعال غاضبة ورافضة متعددة من رئيس الجامعة التى ينتمى إليها الطبيب ومن وزيرة الصحة ومن نقابة الأطباء ومن الرأى العام، فهناك غضب عام فى مجتمعنا من طبيب أعطى لنفسه الحق فى ممارسة إذلال وانتهاك كرامة عامل بسيط ينتمى إلى فئة أقل علميًا أو اجتماعيًا.. ضاربًا عُرض الحائط بكل قيم الرحمة والإنسانية والرقى.
رابعًا: فى اعتقادى أن هذه الواقعة المؤسفة والشاذة هى واقعة استثنائية فى بلدنا وليست دليلًا على افتقاد القيم بين الأطباء بشكل عام، ولا تعنى أيضًا افتقاد القيم بين الفئات العليا ذات المكانة العلمية والاجتماعية العليا، ففى كل فئة يوجد الصالح والطالح ويوجد الطيب والخبيث، ويوجد الأمين والفاسد، ويوجد الراقى والبلطجى.
وقد أثبتت التحقيقات الحالية من عدة جهات وكذلك صدور قرار عاجل للنائب العام بحبس الطبيب وموظف المستشفى أنها انعكاس لرفض العنف والفساد والفوضى بشكل عام بين مختلف الفئات فى مجتمعنا وليس بين فئة واحدة فقط.
ولا شك أنه يبقى بعد إقرار العدالة وتوقيع جزاء قانونى على الطبيب، أن تتم من ناحية أخرى إعادة الاعتبار للممرض الذى تمت إهانته بهذا الشكل الغريب والعنيف واللا أخلاقى داخل جدران المستشفى الخاص، وهذا واجب حتمى على إدارة المستشفى التى نضعها أمام مسئوليتها المجتمعية، وذلك بضرورة رد كرامة الممرض البسيط بين أفراد أسرته وأهله وأبناء حيه وأمام الرأى العام ككل، حيث انتشرت صورته وتم التعرف على شخصيته، ومن حقه أن يتم تعويضه من جانب إدارة المستشفى على ما أصابه من ألم نفسى ومعنوى من جراء سلوك معيوب ومرفوض وعنيف، من جانب طبيب موتور بلا إنسانية، وبلا رحمة وبلا ضمير أيضًا.