< الأقباط وثورة يوليو
جريدة الدستور
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
وائل لطفى

الأقباط وثورة يوليو

لماذا كثيرًا نتحدث عن الأقباط وثورة يوليو؟، هل الثورة قامت ضد الأقباط كطائفة دينية حينذاك، وكأن ذلك امتداد لنظام الطوائف العثمانى؟، هل كانت الثورة ضد مصالح طبقة الإقطاع والرأسمالية من الأقباط دون سواهم؟ هل الثورات تقاس نتائجها على أرضية دينية طائفية أم على أرضية سياسية لكل المواطنين بمقدار الاستفادة واللااستفادة؟، هل الأقباط بالمطلق لم يستفيدوا من الثورة كمسيحيين فى الوقت الذى استفاد فيه بالمطلق أيضًا المصريون غير المسيحيين؟.

هنا من المعروف أن الأقليات أيًا كان نوعيتها دينية أو اجتماعية.. إلخ تحاول دائمًا التمركز والتحوصل حول الذات، كنوع من الحماية التلقائية فى مواجهة أى أغلبية.. فى الوقت الذى تحاول فيه أن تظهر عوامل تمييزية فى مواجهة الآخر. فما علاقة هذا بالأقباط والثورة؟

العلاقة أننا نجد، وبعد أكثر من نصف قرن على ثورة يوليو، أن هناك من الأقباط والمتأقبطين مَن يحاول التمايز على الآخر بادعاء أن الثورة قد أضرت الأقباط. وكأن الأغلبية الغالبة من الأقباط كانوا من طبقة الأغنياء والإقطاع، وقد تم تأميم مصانعهم والاستيلاء على إقطاعياتهم، فى الوقت الذى ينسى فيه هؤلاء ومن معهم أن الثورة قامت على أرضية سياسية فى المقام الأول، فكانت مع مصالح الأغلبية الشعبية للمصريين فى مواجهة الأقلية المستبدة والمستغلة من المصريين، والأغلبية والأقلية هنا لا علاقة لها البتة بالجانب الدينى والطائفى.. وهذا يعنى أن الموقف من الثورة يقاس بانحياز الثورة للأغلبية المصرية، مسلمين ومسيحيين. 

فمن كان من الإقطاع من المصريين، مسلمًا ومسيحيًا، فهو يعتبر نفسه قد أضير من قرارات الثورة.. ومن كان من أغلبية الشعب المصرى من الفقراء، مسلمًا أو مسيحيًا، فقد استفاد من الثورة، بل إن الثورة قد قامت من أجلهم.. إذن ما القصة؟ 

القصة أنه بعد وفاة عبدالناصر ومجىء السادات وما تم من انقلاب على معطيات ومكاسب الثورة التى تمت نتيجة لسياسة ما سُمى الانفتاح الاقتصادى، كانت هناك حالات من الهجرة إلى الخارج بهدف السعى وراء الرزق، فهاجر أغلبية المهاجرين المسلمين إلى السعودية ودول الخليج، وفى المقابل هاجر أغلبية الأقباط إلى أوروبا وأمريكا تحت زعم أن يوليو استولت على أموالهم وكأنهم كانوا من كبار الملاك. 

هنا كانت ظاهرة أقباط المهجر التى زعمت أنها تدافع عن حقوق الأقباط الضائعة سياسيًا واقتصاديًا تحت زعم تأميم اقتصاد الأقباط، ومن زاوية أخرى كانت حركة أقباط المهجر تساند بشكل غير مباشر البابا شنودة فى صراعه مع السادات، خاصة أن السادات ترك المجال مفتوحًا لتيار الإسلام السياسى. هنا تداخلت الأمور بين صراع السادات وشنودة، وفى مواجهة التيارات الإسلامية السياسية برفض الإسلامية والعروبة. والعروبة هنا تعنى يوليو ونظامها وتأكيدها للقومية العربية، والعروبة التى ساندها عبدالناصر. هنا ظهر تيار أصولى قبطى، إذا جاز التعبير، يرفض العروبة والعربية داعيًا إلى اللغة القبطية. وهنا لا تكتمل الصورة بغير رفض ثورة يوليو ورفض عبدالناصر، وفى الطريق وجدوا نوعًا من التصور الكاذب على النفس وعلى الآخر، وكأن يوليو قد أضارت كل واحد منهم على حدة، ناسين ومتناسين أن يوليو هى التى أحدثت تلك النقلة الموضوعية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا لأغلبية المصريين مسلمين ومسيحيين.

وهنا يفرض السؤال نفسه: كم من الأقباط الذين يرفضون يوليو قد أضير جدودهم وآباؤهم بعد هذا الزمن، وبعد أن أصبحت يوليو لا علاقة لها بالواقع السياسى ولا القرارات السياسية غير المبادئ الباقية مثل العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى أم أن الأمور قد أصبحت موضة وتقليدًا يمارسه ضعاف النفوس الذين يحلمون بأنهم كانوا من طبقة الأغنياء؟

أما السبب الأهم فهو اهتمام ثورة يوليو بالقضية الفلسطينية فى مواجهة الصهيونية التى استطاعت أن تحدث «غسل مخ» لأغلبية المسيحيين تحت مسمى «الصهيونية المسيحية» والتى تعتمد على تفسير خاطئ لبعض نصوص العهد القديم، والتى تعتبر أن إسرائيل هم شعب الله المختار، وأن فلسطين هى أرض الميعاد.

إذن هم يتصورون أن المسيحى هو من يؤمن بذلك، وإذا كان الأمر كذلك وهو خطأ مسيحى كل الخطأ، تظل يوليو بالنسبة لهؤلاء المتأقبطين العقبة التى تساند القضية الفلسطينية فى مواجهة الصهيونية. إذن العداء ليوليو لم يعد عداءً ومواجهة على أرض الواقع ولكنه عداء مبادئ ومواقف ما زالت تؤثر وتؤكد صدق القضية وشرعية الحقوق. هنا وبالرغم من أن الأغلبية الغالبة من المصريين المسيحيين استفادت من يوليو، وهذا واقع تاريخى، ولكن ظل العداء ليوليو هو ترجمة للعداء للعربية والإسلامية والقومية، وبالطبع لكى تكتمل الصورة فلا بد من الانحياز للسياسات الصهيونية الأمريكية، خاصة أن أقباط المهجر المتأمركين لا بد أن يكونوا أعداءً ليوليو ولعبدالناصر، فهذا طبيعى، حيث إن يوليو وعبدالناصر سيظلان هما الأعداء الحقيقيين لأمريكا والصهيونية على مدى التاريخ.

ولكن شعب مصر بكل طبقاته قد استفاد من يوليو التى أصبحت تاريخًا يجب إعادة قراءته مرة أخرى على أرضية سياسية موضوعية بعيدًا عن النظرة الطائفية والعاطفية، وبعيدًا عمن زالوا يحلمون بالتمايز الطبقى. حفظ الله مصر وشعبها العظيم.