< التاريخ والحاضر يلتقيان على أرض المحروسة
جريدة الدستور
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

التاريخ والحاضر يلتقيان على أرض المحروسة


بفاصل زمنى قصير، انضم التاريخ إلى الجغرافيا، ليحكيا معًا، وخلال أيام معدودة، قصة الدولة المصرية، الموغلة فى القدم، صاحبة الحضارة التى أضاءت بنورها ظلمات الكون، فنشرت العلوم والثقافة والفنون، وبدت دُرة التحضر فى كل زمان ومكان، ليظل العالم شاهدًا على أنها من أيقظته من رقدة الجهل، ودفعت به إلى آفاق العلم ورحاب الثقافة والفنون.
انطلق موكب نقل مومياوات اثنين وعشرين ملكًا وملكة، من الأسر المصرية التى أسست لحضارة العالم الحديث، بعد أيام، من رسالة قوية، ربما ساقها الله فى ظل أزمة، ليتأكد العالم، الذى ربما غفل لبعض الوقت، عمن تكون مصر.. وأقصد بذلك، جنوح السفينة البنمية فى عرض المجرى الملاحى، عند مدخل قناة السويس الجنوبى.. ساعتها، حبس العالم أنفاسه، وقد توقفت عقارب الساعة عن الدوران، أمام حركة التجارة العالمية، بين جنوب وشرق الكرة الأرضية، من ناحية، وبين جنوبها وغربها، من ناحية أخرى.. وفى الوقت الذى راهن فيه بعض المشككين فى مدى جاهزية مصر لأزمة من هذا النوع، إذ بها تفاجئ الجميع بأنها على قدر التحدى، وأن المصرى الذى شيد الأهرامات المعجزة، لن تُعجزه أزمة من هذا النوع.. وفى ستة أيام، انقشعت الغمامة، وعامت السفينة، وعادت التجارة العالمية إلى سابق عهدها، ليتنفس العالم الصعداء من جديد، وليتأكد، أن وراء هذا الممر الملاحى دولة قوية، وشعب فتى، يمكنه تحدى الصعاب، والانتصار عليها.
مع غروب شمس يوم السبت الماضى، جلس نفس العالم، أمام شاشات التليفزيون، ليشهد موكبًا مهيبًا، نقله أكثر من أربعمائة وسيلة إعلامية، بكل اللغات، تتهادى وسطه العربات التى تقل مومياوات ملوك مصر الذين بنوا مجدها، ودافعوا عن أرضها، وفى عهدهم، نقل المصريون القدامى علومهم والحضارات الأخرى إلى أصقاع الدنيا.. وإلا لغاصت الدنيا فى جهلها وتاهت فى دياجير ظلامها إلى اليوم.. مشهد التقى فيه تاريخ دولة مع حاضرها، ليؤكدا للعالم أن مصر حلقات متصلة من القوة والعلم والثقافة، وأنها باقية ما بقيت الحياة على الأرض، لا ينال منها معتدٍّ، ولا يسلم من فتكها من تُسول له نفسه الجور على حقوقها.. فمثلما كان الأجداد العظماء أصحاب قوة وصولجان، ومنعة وعزة، فكذلك هم الأحفاد، الذين يشيدون الجمهورية الجديدة على أرض مصر المحروسة بكاملها، من الله أولًا، وبقوة وإرادة أبنائها ثانيًا.
إن مصر التى نعيش بين ظهرانيها الآن، هى ذلك المزيج من القديم العظيم، ومن الإرادة القوية والإدارة الحكيمة، لرجل، وقف بالأمس، فى ثبات وقوة، يستقبل أجداده، إلى حيث مقرهم الجديد، فى متحف الحضارات فى الفسطاط.. وقف الملك على قلوب المصريين يستقبل أجداده الملوك، وكأنما هو بذلك، يبعث برسالة قوية، مؤداها: «أنا ابن هؤلاء العِظام، لا يمكن إلا أن أكون عظيمًا بشعبى وبلدى.. محافظًا على ميراث أجدادى المشرف». وربما جاء ما كتبه على حسابه الرسمى على تويتر، معبرًا عن ذلك، «بكل الفخر والاعتزاز، أتطلع لاستقبال ملوك وملكات مصر، بعد رحلتهم من المتحف المصرى بالتحرير إلى المتحف القومى للحضارة المصرية.. إن هذا المشهد المهيب لدليل جديد على عظمة هذا الشعب، الحارس على هذه الحضارة الفريدة الممتدة فى أعماق التاريخ.. إننى أدعو كل المصريات والمصريين والعالم أجمع لمتابعة هذا الحدث الفريد، مستلهمين روح الأجداد العظام، الذين صانوا الوطن وصنعوا حضارة تفخر بها كل البشرية، لنكمل طريقنا الذى بدأناه.. طريق البناء والإنسانية».
كلمات هى الدستور التى تسير عليه مصر، غير آبهة بما يكيده لها البعض، «طريق البناء والإنسانية».. فلا يمكن أن يستقيم بناء، وتعلو قمم إلا إذا انطلق من أرضية إنسانية، تنتصر لمعانيها السامية.. فنحن شعب لا يحب الظلم، منا أو علينا، نحفظ حق الجار، ننتصر للضعيف ونأخذ على يد الظالم.. نبنى الغد، فى غير أنانية ولا دونية، بل بشموخ وكبرياء الإنسان القوى المُحب الخير لغيره، كما يتمناه لنفسه.. المحافظ على حقوقه، فى غير تهاون أو تدليس.. فهل رأيتم مصر يومًا معتدية على غيرها، أو ساعية لنهب خيرات من حباه الله بخيراته؟.. إطلاقًا، فهى من تسعد لخير شعوب الأرض من حولها، وتتمنى أن يكون لها ما لهم، فى غبطة وليس حقدًا أو حسدًا.. ولذا، فهى إلى الآن مصر، التى يحترمها، من كان صديقًا لها، أو عدوًا لا يمكنه القول بغير احترامها، رغم معاداته لها، لأنها معاداة نشأت من غيره لحداثتها، وحسدًا لما هى عليه من منعة وقوة، وفوق ذلك، إنسانية، تقف إلى جوار الحق والعدل والجمال، وهى القيم الإنسانية الأساسية، المُهيكلة للسلوك الحضارى، الذى ترتضيه فطرة الإنسان السوى.
إن مصر كالأطباق المضيئة التى حملها من كان فى موكب المومياوات، رمز قرص الشمس «رع»، الذى يشع نوره لينير الظلام، واستخدمه القدماء لاعتقادهم أنه ينير الطريق أمام موكب الملوك، كقرص الشمس التى تشرق على مصر.. رمزية تدل على أن الحضارة المصرية تنير العالم بعبقرية المصريين القدماء.. بينما كان غروب الشمس مرادفًا للموت.. ومن هنا كان موعد انطلاق الموكب الملكى، من ميدان التحرير، مع آخر خيط للنور، فى ذلك المساء الذى شهد العالم أحداثه، بكل الاحترام والتقدير، لبناة الأهرام، ولمن جاء بعدهم، يبنى مصر الحديثة، التى نعيش تفاصيلها الآن.
هيهات الفارق بين البناء والتعمير، وبين دعاة الخراب والتدمير، فقد سارت مصر، دولة ومؤسسات، بقيادة حكيمة تسير فى خط التنمية التى قررت، منذ البداية، أنه لا تراجع عنه، والذى وصفه الرئيس عبدالفتاح السيسى، بأن الدولة اتخذت الإجراءات التى وضعت اقتصاد مصر على المسار الصحيح، فحققت فى عهده العديد من الإنجازات، ضمن عملية إصلاح اقتصادى، وضعت مصر على بداية الطريق الصحيح، فى ظل ظروف شديدة الصعوبة ومتغيرات، محلية وإقليمية وعالمية غير مسبوقة، حققت خلالها إنجازات هائلة فى كل المجالات، خلال السنوات الماضية.