جريدة الدستور : «الحليم».. يؤخر العقاب لأنه يحبك حتى تعود وتتوب (طباعة)
«الحليم».. يؤخر العقاب لأنه يحبك حتى تعود وتتوب
آخر تحديث: الأحد 29/11/2020 07:26 م
عمرو خالد عمرو خالد
من أسماء الله الحسنى، اسم «الحليم»، ومعناه: الذى لا يعجل على عباده بمعاقبتهم على ذنوبهم، بل يمهلهم حتى يتراجعوا ويتوبوا عن ذلك، وهذا من حلم الله بعباده، أنه لا يُعجل توقيع العقوبة عليهم، بل يمنحهم الفرصة ليتوبوا ويتراجعوا عن أخطائهم، ويظل باب التوبة مفتوحًا لهم وإن بلغت ذنوبهم عنان السماء، رحمة منه بهم.
فإن تؤخر العقوبة لغيرك حتى يتمادى أكثر فى خطئه، من أجل الإيقاع به، فهذا حقد، وليس بحلم، وإن تؤخر العقوبة لأنك غير قادر على تنفيذها، فى انتظار أن تتهيأ لك الفرصة، فهذا ضعف لكنه أيضًا حقد، وهذا ليس بحلم.
أما الله فهو الحليم يؤخر العقاب لأنه يحبك لعلك تعود وتتوب، يحلم عليك لأنه يحبك حتى تعود.. حلمه عليك دليل حبه لك.. الحلم مرتبط بالحب والرحمة والتماس الأعذار.. أحبه فحلم عليه.. رحمه فحلم عليه.. عذره فحلم عليه.. من حلمه «ليس أحد أحب إليه العذر من الله».
موسى، عليه السلام، كان يدعو ولا ينزل المطر، فقال موسى: يا رب عودتنى الاستجابة، فقال له الله تعالى: بينكم عبد يعصانى منذ أربعين سنة، لن ينزل المطر يا موسى لمعصية هذا العبد.. فما كان منه إلا أن وقف ونادى فى بنى إسرائيل مقسمًا عليهم أن يخرج هذا الرجل من بينهم حتى ينزل المطر، وكان هذا العبد العاصى يعرف نفسه، وقال: يا رب لو خرجت فضحت، وإذا بقيت لم ينزل المطر، فتاب إلى الله وعاهده ألا يعود أبدًا، فتعجب موسى وسأل الله عن نزول المطر مع أن أحدًا لم يخرج من قومه، فقال الله تعالى: نزل المطر لفرحتى بتوبة عبدى الذى عصانى منذ أربعين سنة.
«وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى»، لولا هذه الكلمة لكان لزامًا الهلاك.. فما هى الكلمة؟ إنها الرحمة: «ورحمتى سبقت غضبى» فكان الحلم.
يقول الله تعالى فى الحديث القدسى: «يا عبدى.. خلقت لك السماوات والأرض ولم أعى بخلقهن، أفيعيينى رغيف أسوقه لك كل حين، لى عليك فريضة ولك علىّ رزق، فإذا خالفتنى فى فريضتى لم أخالفك فى رزقك، وعزتى وجلالى إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش فى البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالى وكنت عندى مذمومًا، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلّمت لى فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لى فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد».
أراد الله أن يعلمنا ويعرفنا بذاته، فجعل نظام الأبوة والأمومة مثالًا لنا، فكيف برحمته وحلمه؟ نظام الأبوة والأمومة له هدف أكبر من تربية الأولاد.
كن حليمًا على الناس بلا حقد.. «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».. الحلم نوعان: طبع وتطبّع.. فالطبع مثل من خلقه الله حليمًا، والتطبّع هو مثل من قال عليه النبى: «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد هو من يملك نفسه عند الغضب»، «إنما الحلم بالتحلم..»، ولديك ثلاث درجات من الحلم: طبع حلم، تطبّع، وغضوب.. فهل تحاول أم هى طبيعتك، أم لا تستطيع السيطرة على نفسك، فتكون خسارتك أنك بعيد عن اسم الله الحليم؟
يمكن أن تنتقل من الطبع إلى التطبّع، والدليل حديث النبى، صلى الله عليه وسلم، أنه جاء وفد بنى عبد قيس إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، فنزلوا عن رحالهم وجروا للقاء النبى فى المسجد النبوى- وكانت هى المرة الأولى للقاء النبى- إلا الأحنف بن قيس فوقف حتى يربط رحالهم، ثم غسل وجهه وعدَّل ملابسه، ثم ذهب للقاء النبى، فقال له النبى: «ما الذى أخرك عن قومك؟»، فقال: يا رسول الله تركوا رحالهم وأحببت أن أقابلك دون عجلة بعد أن أُعد نفسى، فقال له النبى: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة».. فمن له هذا الطبع، فليسجد شكرًا لله أنه حبيب الله وحبيب رسول الله.
الحلم قابل للتعلم بالتدريب.. فمن أى النوعين حليم أم متحالم؟ أم لا هذا ولا ذاك؟.. أنت غضوب.. هناك حلم المبتدئين.. كلما زاد حلمك زاد حلم الله عليك عند الخطأ.. هذا هو الثواب.
اختبار الحلم متى يبدأ؟ الحلم فى الدقائق الأولى وليس بعد ساعة.. مر النبى، صلى الله عليه وسلم، بامرأة تبكى عند قبر، فقال لها: اتقى الله واصبرى، قالت: إليك عنى فإنك لم تُصب بمصيبتى، ولم تعرفه، فقيل لها إنه النبى، صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبى، صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
درّب نفسك على أن تكون حليمًا، وألا تكن سريع الغضب، وهذا لن يحدث مرة واحدة بل بالتدريب والتعود، ضع لنفسك الآن درجة فى الحلم وارتقِ درجة إلى الأسبوع المقبل.. كيف؟.. ألا تغضب، وأن تكظم غيظك ما استطعت، وستجد نفسك فى النهاية حليمًا.