جريدة الدستور : وجع على حافة النسيان (طباعة)
وجع على حافة النسيان
آخر تحديث: الأحد 29/11/2020 03:12 م ياسين معيزو _ المغرب
ياسين معيزو
ياسين معيزو


ارتشف الرشفة الأخيرة من فنجان الشاى الذى اعتاد طلبه بالمقهى بعد كل يوم شاق بمخبز المعلم «الشلوشى»، سرح مع لحن متسلل من إحدى الشرف القريبة، قلّب مواجعه التى لا تعد ولا تحصى، انتفخ صدره تنهدًا، وأرسل ريحًا شزراء تتخللها لعنة مصوبة نحو الزمن وتصاريف الدهر.
أزاح طاولة من أمامه وراح يتكلف القيام بجهد جهيد، تخونه المحاولة، راودته أسطوانة قديمة سحبته ترانيمها إلى قصيدة حزينة وفتحت عليه أسفارًا مغبرة، كان يعتقد أن الصفح قد طواها وأوجد لصفحاتها رفًا تستقر عليه ما بقى لأوراقها من صمود.. قاطع صوت المعلم «الطبرى»، صاحب المقهى، نفحات أزهار الربيع المخضرة محدثًا شرخًا غائرًا أتلف ترددات مونوجرافه العتيق.. مسح بعينيه الذابلتين أطراف المقهى، استوقفته طاولة يحوم حولها أربعة شبان فى مقتبل العمر، يبدو أن المعلم الطبرى يريد استرداد دين لم يُسدَد، وهو الآن يتوسل أساليبه الخسيسة لاسترجاعه، يتحمل رواد المقهى زعيقه المقرف ورذاذ لعابه المتماطر دون أن ينبسوا ببنت شفة، لا أحد يستطيع الحركة حين ينتفض المعلم، لاسيما إن كان للأمر علاقة بالنقود، توقفت طاولات الكوتشينة وعمّ صمت مقفر المكان، حاول استرجاع معزوفته القديمة، لم يتحصل إلا على نوتات متقطعة ومشوشة.
خفض نظره إلى الأرض يخامره شعور من يقامر على آخر محاولة أجهضتها لفات «الروليت» العاثرة، تحول دورانها السريع فجأة إلى دوار فظيع، قهقه صوت ما بداخله، ساخرًا مستنكرًا:
- أحقًا رفرف الزمن بهذه السرعة؟
لم يتصور أنه سيشرع يومًا بتحطيم حلمه الذى خطط وهندس له منذ يفاعته، عالم مخملى يعجز عن رسمه جهابذة الفرشاة.. غمس فرشته بالأخضر، تلاه الأصفر، شمس صباحية تطل على الدنيا وتبعث على محياها لسعات لذيذة، كان جوًا مفعمًا بالحياة تداعت له طيور السنونو الحائمة حول حقوق الأرز وأشجار الصنوبر المثمرة، أخذت اللوحة من عمره ثمانى عشرة سنة، وبقدرة قادر أصبحت جاهزة بعد أن استأصلت من جهده الكثير، كان القدر لحظتها يرسم لوحات أخرى أشد واقعية، لم يكن القدر فى اهتمامه التجريد أو التكعيب، كما أنه لم يؤمن يومًا بسريالية «دالى»، كانت واقعيته قاسية حد الألم.. كثير من الرمادى، وقليل من الأخضر والأصفر.
حين كانت جحافل الذباب تحوم حول صاج حلوى البقلاوة التى لم يعد يستهويها أحد بالحارة كان منهمكًا فى فض معتصمها الذى استمر منذ الصباح، كان حانوتًا قديمًا ورثته زوجته عن أبيها، أو بالأحرى هذا ما جادت به القسمة الضيزى، ولم يجُل فى تفكيرهما غير استخدامه فى بيع الفطائر والحلوى.. سمع وهو عائد من المسجد أن ابن صاحب المخبز قد فاز بضربة العمر، وقع أبوه على رجُل من ذهب يقطع بالشباب عرض البحر، وما هى إلا سويعات معدودات حتى تطأ أقدامهم شوارع الأندلس.. الأندلس!، آه لفردوسنا المفقود.. آتراه صفح عنا؟ أم هى لعبة أخرى من ألاعيب الزمن؟
فاتح زوجته فى الموضوع، أبدت معارضة شديدة فى البداية، تحججت بكونه فلذة كبدها وأنه آخر العنقود، ودافعت عن دبلومه الذى لا طائل منه، وحلفت بأغلظ أيمانها أنه سيشفع له بدخل قار يومًا، ولن يصير واحدًا من أعمدة الحى العاطلة مصابيحها.. وبعد شهر راحت تساعد زوجها فى التفكير فى طريقة مثلى لبيع المحل، ودفع ما يجود به من نقود ثمنًا لهجرة ابنهما إلى الديار البعيدة، حيث لا بطن يجوع، ولا جسد يعتريه العراء، حيث يصير الكلب إنسانًا وذا قيمة بين البشر الذين يصبح مثلهم فى وقت وجيز.. فى الظهيرة كان السمسار قد قدّم لهما عرضًا للبيع، كان العرض أقل مما توقعا أن يجود به المحل، لم يوفر المبلغ إلا نصف ما يطلبه «الحَرّاكُ» لقاء مقعد واحد بالمركب.. قبل المعلم «الشلوشى» بأن يقرضهما النصف الآخر شريطة تسديده بعد أن يستقر الولد ويعثر له على عمل.
حين استلقى على سريره المهترئ بفعل السنين، كان قد مر يوم بحاله على إقلاع المركب من أمام مقبرة اليهود المطلة على المحيط الأطلسى، حجبت أهدابه الكثيفة دمعة كانت تطل على وجه العنقود الأخير الذى لم يفارق حضن أمه إلا بعد أن لسعته بكلام شكك فى صلابته ورجولته.. صورة ظلت تعبث بمخيلته لزمن طويل، وربما إلى الأبد، كان يلوم نفسه فى غالب الأوقات ويحمّلها وزر ما حصل، امتنع عن الأكل والرواح إلى المسجد، لم يعد يطيق النظر فى وجه سكان الحارة وهم يسألون فى كل فرصة: «هل من جديد؟»، وبملامح شاحبة وكبرياء محطم يدير رأسه يمنة ويسرة، اختلطت عليه المواجع وهو يرقب أم العنقود، فى كل مرة لا يفارق كفها السماء، كان يشفق من منظرها الذى كانت تجد فيه الملاذ والعزاء، وحين استنزفها الانتظار واستسلمت للصمت المطبق على الأجواء، راحت تصوب نحوه أرماحًا من اللوم والعتاب، ظل يناور تارة وتارة أخرى يصد الضربات بحجة القدر، ولما استنفد قواه استسلم للشرارة الأخيرة التى قادت عشهما إلى هشيم محتوم.
سهمان كانا كافيين لإرداء طموحاته قتيلة، رصاصتان فقط لتحسم معركة المستقبل وهواجس الماضى التى بات مدركًا من أن الوقت قد حان ليقضم أصابعه عليها. والآن.. الآن أيها المسن عليك أن تقضى ما تبقى من أيامك تسدد ديون الزمن، وتعيش على نغمات أوتارها الحزينة والمؤلمة، وهذا الجسد الهزيل سيقضى ما تبقى له من جهد فى خدمة مخبز المعلم.. وبعد تسديد ما تبقى عليه من دين، قد تخفف حينئذٍ بعضًا من حملك الثقيل، هذا إن لم تصر لقمة أخرى.. ضحية أخرى.. للديدان قبل أن تنجز ذلك.
وجد نفسه يردد اسمين بصوت منهك فيما يشبه تراتيل القداس، كانت الضوضاء تحجب عن الرواد ما كان قد همهم به طول الوقت، وقف بخفة كمن يستيقظ من النوم مفجوعًا، تلفت حواليه مذعورًا، تحول المقهى إلى شبه قرية صغيرة عصفت بها أعاصير الكاريبى الغاضبة، وعلى بعد خطوات من طاولته يستلقى المعلم «الطبرى» كنخلة اقتلعتها الرياح بعد تعنت طويل، وقد أغشت رأسه دماء فوارة.. صاح الشبان الأربعة بصوت الناجين من حروب الإقطاع: «المُلك لك يا صاحب الملك».
خطا بضع خطوات فى تثاقل تجاه باب المقهى، لكنه عاد إلى الطاولة يتفقد المكان، ثم خطا خطوات أخرى، تلفت خلفه، وفى حنق راح يتفرس فى وجه المعلم طريح الأرض، وبسرعة الرياح غادر المقهى أخيرًا، دون أن يشعر بغيابه الطويل أحد.