جريدة الدستور : زمن ارتداء الأقنعة.. والكمامات والنوم فى زجاجات المطهرات (طباعة)
زمن ارتداء الأقنعة.. والكمامات والنوم فى زجاجات المطهرات
آخر تحديث: الأحد 31/05/2020 01:13 م
د. منى حلمى د. منى حلمى

"ياما دقت على الراس طبول"... هذا مثل شعبى أقدره كثيرا، فهو ينطبق على حياة عشتها في وطنى وما زلت أعيشها.
والمقصود من هذا المثل، أن الانسان قد مرت عليه مختلف الأحداث، وشاهد العديد والكثير من الأشخاص، و احتك بممارسات بشرية، كانت بمثابة مدرسة أو جامعة رفيعة علمته، أرقى العلوم والمعارف، وأنضجت رؤيته، وصدمته تناقضات تفصح عن أسرار النفس البشرية، ومراحل تطورات وتغيرات المجتمعات.
فى زمن من الأزمنة، عشته وأحببته، كان الهواء نظيفا، والماء نظيفا، والدم المنقول نظيفا، والضمير نظيفا، والفن نظيفا، والدين نظيفا، والفكر نظيفا، والحلم نظيفا، والمسكن نظيفا، والطعام نظيفا، ودافع الزواج نظيفا، والجسد نظيفا، والانتماء للوطن نظيفا، والقاء تحية الصباح نظيفا ثم جاء زمن أعيشه وأكرهه، زمن التلوث الشامل الكامل المتكامل المحكم.
زمن الفيروسات والأوبئة، زمن الخوف من نزول الشارع، والاختلاط بالناس، زمن ارتداء الأقنعة والكمامات، زمن النوم فى زجاجات المطهرات والمعقمات، زمن الفنون خالية الفن معدومة الموهبة، زمن الكتابات التى لا تزيد عن كونها حبر على ورق، أو ضربات متعجلة على أزرار الكمبيوتر، زمن اسم الأم عار وفضيحة، واهانة، وعورة، بينما اسم الأب شرف ومجد، زمن الاعلانات الوقحة التى تنتهك خصوصية الوقت، زمن الأطفال ذوى الميول العنيفة السيكوباتية، والمراهقة المكتئبة.
فى زمن من الأزمنة المصرية، عشته، وأحببته، والآن أترحم عليها، كان الرجل حينما يبحث عن زوجة أو شريكة الحياة، يقول أو يعلن فى الجرائد: "شاب طموح.. حسن المظهر.. من عائلة متوسطة الحال مستورة والحمد لله.. يعمل مهندسا فى شركة صناعية.. لم يسبق له الزواج.. يهوى الرسم... يعشق أسمهان وعبد المطلب.. يمارس رياضة المشى يوميا فى المساء... يحب النظافة والهدوء.. يقدس الحياة الزوجية ... لديه فكرة جيدة بالتدبير المنزلى.. ولا يمانع أن تكون العصمة فى يد شريكة العمر.. جسمه خالى من الأمراض وكذلك عقله وقلبه.. يبحث عن زوجة خريجة احدى الجامعات، مثقفة، عاملة، تحب القراءة والاستماع الى الموسيقى... لا تكذب، لا تستعرض، لا تخفى ملامحها الطبيعية بالروج والبودرة وحقن تكبير الشفاه و الأثداء، تناقش لا تطيع، لا تؤمن بأن أقصر طريق لقلب الرجل هو معدته، مرحة الطباع، سريعة البديهة، خفيفة الظل والوزن .
ثم جاء زمن من الأزمنة المصرية، أعيشه، وكرهته ومازلت، والآن ناقمة عليه، وعلى منْ يدعمه بالفكر والفلوس.
أصبح الرجل حينما يبحث عن زوجة أو شريكة الحياة، يعلن فى الجرائر:
" ثرى قادم من بلاد النفط بعد غربة عشرة سنوات، لديه كل مؤهلات الزواج الانفتاحى الاستهلاكى الاسلامى، من بتوع ربنا، ومن بتوع التوكيلات الدينية والسياحية والتجارية والسمسرة ....على ذمته الدينية والمالية 3 نساء ويريد الرابعة بشرع الله تعالى، ورضاه، وأمره، ومشيئته واذنه، عنده تسعة أطفال، ولد واحد و8 بنات هكذا أمر الله وحكمته، قام بالحج مرتين وأدى العُمرة 4 مرات والخامسة بعد الزواج مباشرة، يرغب فى واحدة بنت حلال عذراء، تخاف الله، لا يفوتها صلاة ولا صيام ولا التعبد فى رمضان، تجيد الطهى خاصة طبق الكوارع والكبسة، تعشق الأطفال، والراجل الحِمش اللى صوته يهز البيت، وهى صوتها ميتسمعش فى البيت، لا تزيد عن 18 عاما مختنة، مطيعة، محجبة، والأفضل أن تكون منقبة، وتوقفت عن التعليم بعد الثانوية، لا تسمع موسيقى وأغانى ولا تروح أفلام ولا زيارات حتى لأمها اللى ولدتها ، لا تنام الا على تلاوة القرآن، وتصحو مبكرا لأداء صلاة الفجر حاضر، ثم تعود باذن الله الى خلوتها الشرعية ".
فى الزمن الأول الذى أترحم عليه، كنا نسمع أم كلثوم ، وفريد ، وعبد الوهاب ، وعبد العزيز محمود ، وكارم محمود ، وعبد الغنى السيد، وعبد المطلب، ومحمد فوزى، وسعد عبد الوهاب، وكمال حسنى، والعندليب، ومحرم فؤاد، ونازك أسمهان، ونجاة، والشحرورة الصبوحة، وحورية حسن، وأحلام، فيروز، وفايزة، وليلى مراد، وهدى سلطان، شادية.. وكنا نشاهد الرقص المبدع فى الرشاقة واللياقة من بديعة مصابنى، هاجر حمدى، ببا عز الدين، نبوية مصطفى، تحية كاريوكا، سامية جمال، ونعيمة عاكف.
وفى الزمن الثانى الذى أكرهه، نسمع ارتفاع وتداخل ميكرفونات الصلاة، وارهاب التدين الشكلى، وايقاعات برائحة النفط، وأصوات مبحوحة مغلوشة لا صوت لها، متشابهة، ركيكة، ألحان لا نميزها عن بعضها البعض، تم تعبئتها سريعا مثل علب الطعام ، ليرقص عليها شباب مكبوت، محبط.
ونشاهد راقصات يعرين الجسد، ويستعرضن المفاتن الأنثوية، لكسب تصفيق رجال مكبوتى الجنس، معدومى الاستقامة الأخلاقية ، يحصدن فلوسهن من الممنوعات .

فى الزمن الأول الذى راحت أيامه، كانت الأفلام أبيض وأسود ، تلون حياتنا ، وأوقاتنا بالتسلية الراقية، بالأفكار الجديرة بالتفكير، والمشاعر الرفيعة التى تمتع قلوبنا، نجوم سينما من الطراز الفاخر الرصين.. نجمات يعشقن الفن، لكل واحدة مذاقها المتفرد، نجوم لكل واحد فيهم اطلالة ثرية.
وفى الزمن الثانى المحتل، لا نرى على الشاشة الا الألوان المتناثرة فى قبح وموسيقى صاخبة بدأت وانتهت تحت بئر السلم أو كوبرى، وقصص لا تصلح حتى للأطفال الأغبياء أو المتخلفين عقليا وعاطفيا.
ممثلون فاسدون لا نعرف منْ "سلًطهم" على مصر، وعلى حضارتنا، أو ربما نعرف.
من بستان قصائدى
أكره رؤية .. العصافير المحبوسة
أكره الظلم .. وموضات الأنوثة
أكره القتل .. بسبب الأديان الموروثة
أكره لفظ .. البكارة والعنوسة
أكره كرامة .. البشر المهروسة
وهى ملقاة على أرض .. مصر المحروسة
وأحب نفسى .. التى بالحرية والعدالة
دومًا مهووسة